الإثنين 16 يناير 2017 م - ١٧ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / الشبح .. بوند يطارد طيفا من ماضيه
الشبح .. بوند يطارد طيفا من ماضيه

الشبح .. بوند يطارد طيفا من ماضيه

الصراعات بين الدول والجيوش ليست صراعات حروب وأسلحة وحسب، كثير منها لها سمت الحرب الهادئة الباردة، واللعب فى الكواليس وبعيدا عن مدى النيران، فقط عندما تفشل المفاوضات وتكل العقول وتتراجع التكتيكات يمكن للسلاح أن يحسم الأمر، ولكن الكثير من الحروب حسمها العقل وحسمتها المعلومات وأجهزة المخابرات بالفعل.
وعلى الصعيد الفني، فإن أول اسم يرتبط بالوجدان، عند الحديث عن عالم المخابرات والجاسوسية في السينما.. جيمس بوند، فمن منا لا يعرف هذه الشخصية الشهيرة التي أبدعها الكاتب إيان فليمينج، تلك الشخصية التي وضعت في أكثر من 14 رواية وأنتج بناءً عليها نحو 24 فيلمًا (حتى الآن)، خلال السلسلة الشهيرة من افلام الجاسوسية (جيمس بوند)، كما وضعت أيضا في عدد لا متناهي من ألعاب الفيديو جيم، فذلك العميل البريطانى السري، الذى يحمل رقم 007، مع تصريح بالقتل، وارتكاب أي خطايا فى سبيل خدمة التاج الملكي البريطاني، صار منذ الخمسينات وحتى الآن، أشهر جاسوس تتداول اسمه الألسن وتربح منه السينما الملايين والملايين كل عام، وهو يواجه أصابع ذهبية، وعيونا ذهبية، ومسدسات ذهبية، دون خسارة.
سلسلة افلام جيمس بوند، حظيت بشعبية كبيرة في العالم، حين بدأت بـ (Dr. No) عام 1961 مع شون كونري، مرورا بـ (On Her Majesty’s Secret Service) عام 1969 مع جورج لازينبي، و(The Spy Who Loved Me) عام 1977 مع روجر مور، و(Licence to Kill) عام 1989 مع تيموثي دالتون، ايضا (GoldenEye) عام 1995 مع بيرس بروسنان، وصولا الى (Skyfall) عام 2012 مع أخر بطل للسلسلة الممثل الانجليزي دانيال كريج.
وللعلم فإن شخصية بوند تم تجسيدها أول مرة في العام 1954، خلال سلسلة بوليسية تليفزيونية تحت اسم (Casino Royale) مع الممثل باري نيلسون، لكنها لم تلاق نجاحا نظرا لضعف شهرة الرواية وشخصية بوند وقتها.
واليوم تطل علينا هوليوود من خلال شاشاتها الفضية بالمغامرة الـ (جيمسبوندية)، الرابعة والعشرين من السلسلة الأكثر حركة وتشويقا ومؤثرات وفخامة وبذخا وفتيات بوند الساحرات والتوكسيدو وكأس المارتيني وسيارات الأستون مارتن، والجزء الجديد منها يحمل اسم:
الشبح (Spectre) : وهو الشريط الثاني في السلسلة من اخراج البريطاني سام ميندز، بعد (Skyfall) 2012، ميندز الفائز بالأوسكار عن رائعته (American Beauty) عام 1999، كان أعلن نيته عن عدم إخراج فيلم آخر للسلسلة بوند رغم نجاح فيلمه السابق، لكنه تراجع بعد ضغوط من شركة Sony، خاصةً أنه أضاف دراما وعمقا أكثر للسلسة، لتصبح أكثر من مجرد أفلام جاسوسية مسلية، ومن هنا جاء تمسك الشركة المنتجة به.
وبرغم من أننا على علم بأن صناع الفيلم يحاولون الحفاظ على التيمة والنمط العام لأفلام جيمس بوند السابقة، الا ان المخرج البريطاني منذ تعهده بإخراج أفلام بوند، قرر محاولة إدخال بعض التغيرات الجديدة في السلسلة، مثل الميل لجعل الشخصية أكثر انسانية وأكثر تعرضا للضرب والهزيمة، وذلك مع بداية التركيز على تقدم بوند في العمر وعدم قدرته على القيام بالعمليات الميدانية كما كان من قبل. بدأها في سكايفول عندما تعرض لإصابة خاطئة وتضطر مديرته (إم) تزوير أوراق الاختبارات الطبية والنفسية الخاصة به حتى يستطيع الانخراط مجددا في صفوف المخابرات. وهو ما نلاحظه ايضا في الشريط الجديد، الذي اتسم بطابع وداعي، كما لو كان منديز وفريق عمله – الذين كدسوا في العمل كل ما يمكن لهم تصوره من عناصر مرتبطة بأعمال بوند – قد خلصوا إلى أنه ما من جديد يمكن لسلسلة العميل السري 007 تقديمه.
الفيلم من بطولة (دانيال كريج) الذي اصبح عمره 4 افلام جيمسبوندية ليتساوى بذلك مع مواطنه البريطاني بيرس بروسنان، ويبدو أنه العمل الاخير له، وفقا لشائعات انتشرت في الآونة الأخيرة تشيرالى ذلك، عززتها تصريحات غير رسمية بترشيح عدد من الممثلين للقيام بدور جيمس بوند مستقبلًا أبرزها ترشيح النجم الإنجليزي الأسمر (إدريس إلبا)، وهو الترشيح الذي استقبله البعض بإستهجان.
وبدا في أحداث الشريط بالاضافة الى ماسبق ذكره، الاشارة الى عميل يحمل رقم 009، فيما يدل المشهد الاخير على تلويح بانسحاب 007 من تلك الحياة التى لم تعد تناسبه. فربما بات من حق بوند نيل قسط من الراحة الطويلة واللطيفة.
بالطبع يتألق كريج مجدداً بوسامته وملابسه الانيقة خاصة سترة السهرة، وكأس المارتيني واسلوبه المميز والساخر والدمث في اداء الشخصية الاشهر في عالم الجواسيس.
يساند كريج في بطولة الفيلم كل من (كريستوف والتز) يجسد دور طيف بوند المجهول الذي لايعرفه، ورئيس منظمة سبكتر فرانز اوبرهوزر، الإيطالية الجميلة (مونيكا بلوتشي) التي دخلت التاريخ بمشاركتها بالفيلم، لتصبح أول Bond Girl يتخطى عمرها الخمسين عاما ، وتجسد دور لوتشيا سيارا ارملة مجرم خطير قتله بوند، أيضا الممثلة الفرنسية (ليا سيدو) وتجسد دور مادلين سوان، الطبيبة النفسية وابنة عدوه القديم مستر وايت، والتي ستصبح فتاته فيما بعد، بالاضافة الى (رالف فاينز) في دور مديره مستر إم، ومساعديه (بن ويشاو) كيو خبير الأسلحة السرية واختراق الأنظمة، والسمراء (ناوومي هاريس) تجسد دور ميس موني بوني، واخيرا وليس اخرا المصارع (ديف باتيستا) في دور مستر هينكس، ذاك الثور صاحب القدرات البدنية والقتالية الغريبة، الذي لا يتحدث، ولا يتأثر بضربات بوند نهائيا.

بلغت ايرادات الشبح العالمية حتى الآن أكثر من 296 مليون، وهو أكثر أفلام سلسلة بوند بذخا على الإطلاق، حيث تخطت تكلفته 300 مليون دولار، نظرا لمشاهده المميزة، التى سجل احدها رقماً قياسياً لأكبر خدعة تفجير تنفذ في فيلم؛ بحسب ما قالت موسوعة غينيس العالمية للأرقام القياسية منذ يومين. الانفجار استمر 7.5 ثوانٍ ووقع في المغرب وكان له تأثير تفجير ما يعادل 68.47 طناً من مادة تي.إن.تي. الشديدة الانفجار، ونجم عن تفجير 8418 لتراً من الكيروسين مضافاً إليها 33 كيلوغراما من مسحوق مادة تفجيرية. وهو بالفعل من أفضل مشاهد التفجير التي رأيتها في السينما من قبل.
……………………………..

احداث

تبدأ أحداث الشريط من المكسيك، حيث يتلقى عميلنا السري رسالة غامضة من ماضيه، مسجلة من رئيسته السابقة المتوفاة مسز إم، تحمله للسفر في مهمة خاصة الى مكسيكو سيتي، لتصفية ماركو سكيارا، أحد أشراره التابعين لمنظمة (سبكتر) أو الشبح، ذلك الكيان الشرير الأخطبوطي ـ حيث يتخذ الاخطبوط شعارا له ـ كان يطارده بوند في الماضي.
في الجانب الاخر، يسعى موظف بيروقراطي يدعى سي، ويرأس جهاز المخابرات البريطاني لإلغاء برنامج الـ (00) أو مكتب الخدمة السرية، لأنه يظن أنه صارعتيقا ولافائدة منه، والاعتماد أكثر وأكثر على أنظمة المراقبة والتجسس الالكترونية.

……………………………..

أطراف الأخطبوط

بوصوله روما ثاني محطات الشريط، يستكمل بوند رحلته لمطاردة أطراف الأخطبوط، أشرار ماضيه، حيث يلتقي لوتشيا سيارا ارملة سكيارا، لتقوده إلى اجتماع سري لسبكتر، وينجح في التسلل الى داخل الاجتماع لتستقر عليه، عينا فرانز اوبرهوزر (طيفه القديم) ورئيس الكيان الذي يعرف بوند جيدا. في مشهد بوسعنا تصنيفه على أنه الأكثر هدوءا والأشد إثارة للخوف في النفس من نوعه على الإطلاق في كل أفلام سلسلة بوند. تألقت فيه كاميرات ميندز وسيعلق طويلا في الاذهان.
في ذات الوقت ولكن في العاصمة البريطانية لندن، تراود مستر سي، شكوك حول تصرفات بوند، فيقدم كل تساؤلاته أمام إدارة جهاز الـ M16، ويتحداها في الكشف عن معلومات حول أنشطته. التى يبدو أنه يعلمها جيدا عن طريق أجهزة مراقبة عملاء الاستخبارات البريطانية التى وضعها حديثا.
جبال الالب بالنمسا هي ثالث محطات جولة بوند، الذي يتبين له أنه للتخلص من هذه المنظمة، لن يحتاج فقط الى مساعدة مديره الجديد إم ومساعديه كيو وبوني، بل لدعم مادلين سوان ابنة عدوه والعضو القديم بالمنظمة مستر وايت، حيث تصطحبه معها الى اخر محطات رحلته، فندق لاميريكان بالمغرب، ومنه يصلا الى احد مقرات المنظمة حيث يتمكن بوند من نزع طبقة التخفي لطيفه السادي المجهول.
في تلك الاثناء يخوض مستر إم معارك سياسية لإلغاء قرار إيقاف مكتب الخدمات السرية الخاص ببوند ورفاقه من فئة الصفريين.
……………………………..

الشبح

لقاء بوند بشبحه القديم الذي ظل يطارده منذ الستينات، يكشف أنه المسؤول عن العديد من آلام وجراح العميل 007 بداية من اغتيال فتاته السابقة فيسبر ليند حتى محبوبته مسز إم، اوبرهوزر يحكي متفاخرا انه ايضا من قام بقتل والد بوند الذي تبناه وقام بتربيته حينما فقد والديه الحقيقيين، والمفاجأة انه كان والد اوبرهوزر أيضا. اوبرهوزر رجل ذو قوة مطلقة يحرك كل خيوط سبكتر من وراء الستار، وهي تعمل للتنصت على الاتصالات في مختلف أنحاء العالم، في محاولات لضرب الاقتصاد البريطاني والوقيعة بين قوى العالم الكبرى.
الشبح .. فيلم يعيد إحياء أجواء السلسلة الكلاسيكية فهو أقرب أفلام كريج لبوند الستينات، مع لمسات نوستالجيا قوية جدا ظهرت مبكرا في الشريط فبداية من مشاهد احتساء المارتيني إلى تلك التي تُظهر مباني تعصف بها الانفجارات، بدا الشريط كله وكأنه تجميع لمشاهد من أعمال أخرى اقرب لسلسلة بوند الستينات. فمن منا لايذكر
بيرس بروسنان وهو يشق نهر التايمز على متن قارب سريع ضمن أحداث فيلم (world is not enough) وزيارة جورج لازينبي إلى مصحة في جبال الألب في إطار أحداث فيلم (On Her Majesty’s Secret Service)، ايضا شون كونري وروجر مور وهما يخوضان معارك ضارية باللكمات على متن قطارات فاخرة في أفلام مثل (From Russia With Love) و(The Spy Who Loved Me).
وجميعها مشاهد اقتبسها ميندز في عمله الاخير، التى لا تعدو غالبية أحداثه جولة بين ذكريات الماضي.باستثناء استهلال الشريط بمشهد مطاردة طويل في مكسيكو سيتي يستعرض فيه المخرج قدراته السينمائية، لنعايش معه وقائع اليوم الصاخب؛ الذي تحتفل فيه المدينة بما يُعرف بـ(موكب الموتى)، وندلف خلال المشهد إلى أحد الفنادق، لنرتقي طوابقه باستخدام أحد المصاعد، ومنه إلى غرفة ندخلها لنخرج من نافذتها مباشرة، كل ذلك في لقطة واحدة مستمرة (One Take).

رؤية : طارق علي سرحان
Mr.tarek3010@hotmail.com

إلى الأعلى