الأحد 28 مايو 2017 م - ١ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / “نساء الضوء”.. رصد المنجز الشعري النسوي في المشهد العماني

“نساء الضوء”.. رصد المنجز الشعري النسوي في المشهد العماني

ارتبطتْ الكتابات الشعرية النسوية في الوطن العربي بشكل عام ببدء تعليم الفتيات، وقبلها كان الشعر يتردد على ألسنة المرأة باللهجة المحكية الشعبية، إذا استثنينا شاعرات العصور الأدبية المزدهرة كالخنساء، وليلى الأخيلية، وعليه بنت المهدي، وولادة بنت المستكفي، ففي عصور انحسار الحضارة العربية، يكاد المشهد النسوي يخلو من شاعرات الفصيح إلى منتصف القرن التاسع عشر الميلادي وبدايات العشرين، حيث بدأ الصوت الشعري النسوي يعود على أيدي المستنيرين من الآباء، أو الأسر ذات الصبغة الثقافية الأدبية، ومن ثم ظهرت وردة اليازجي، وردة الترك، عائشة التيمورية، ماري عجمي، أم نزار (أم الشاعرة نازك الملائكة)، ملك حفني ناصف الملقبة بباحثة البادية، فاطمة سليمان الأحمد، الملقبة بفتاة غسان، وفدوى طوقان، ونازك الملائكة وغيرهن، ومن الملاحظ أن كل هؤلاء ولدن في أسر مهتمة بالأدب والشعر، ودرست أغلبهن على أيدي آبائهن وأخوتهن من الرجال، ومن ثم ولد الشعر النسوي بلغة ذكورية محضة، فالأغراض هي ذات الأغراض التي تداولها الرجل، إذ كتبتْ المرأة في الوطنيات والقوميات وأجادت في الرثاء كما ورثتْ ذلك من إرثها النسوي العربي، وكتبت الغزل على استحياء وفق ما تعلمته من الرجل أستاذها بثقافته التراكمية عبر العصور الأدبية المختلفة، فإذا أخذنا نموذجا عشوائيا من غزل عائشة التيمورية مثلا ستتضح لنا تلك الملامح، تقول عائشة:
روحي بِقُربِكَ قَد نالَت مِنَ الاِربِ
ما تَرتضيهِ فَمرها في الهَوى تجبِ
فَضَع يَمينُكَ فَضلا فَوقَ مهجَتِها
تكفُّ بِالكَف ما عانَتهُ مِن وَصبِ
لا تُنكِرَن مَزايا الحُب اِن لَهُ
في الراحَتَينِ لَراحاتٍ من التَعَبِ
وَاِنظُر تَرى الصَب مَلقى لا حِراك بِهِ
باكٍ تَردد بَين الماءِ وَاللَهبِ
من روح رَبِّكَ روحٌ قَد خَصَّصَت بِها
فَاِمنَح بِها مُهجَة ًاِن تَلتَفِت تجبِ
وَقُل لإنسانِكَ الجاني عَلى تَلَفي
بِأَي ذَنبٍ لِقَتلي زدتَ في الطَلبِ

إن هذا الشعر لو اخفيت اسم كاتبته لا عتقدتَ أن الكاتب رجل فالمفردة والأسلوب والتراكيب والصور كلها ذكورية تامة، وهذا ما قالته الرائدة الأديبة مي زيادة (الرجال أساتذتنا وآباؤنا ومعلمونا) وقد احتفتْ المرأة الكاتبة بزميلتها احتفاء أدبيا كبيرا وشددنَ من عزم بعضهن البعض، فبعثت وردة اليازجي إلى معاصرتها الأديبة وردة الترك المتوفية سنة (1873)م أبياتاً تمدحها فيها، وتقول:

يا وردة التركِ إني وردةُ العَرَبِ
فبيننا قد وجدنا أَقرَبَ النَّسَبِ
أعطاكِ والدُكِ الفنِّ الذي اشتهرت
ألطافهُ بين أهل العلم والأَدَبِ
فكنتِ بين نساءِ العصر راقيةً
أعلى المنازل بالأقدار والرُّتَبِ.

وعندما بدأت الطفرة النفطية في الخليج وبدأ تعليم الإناث ظهرت رائدات الشعر النسوي في الخليج مثل ثريا قابل في السعودية، سعاد الصباح وخزنه بورسلي في الكويت، منيرة فارس وحمدة خميس في البحرين، عزاء المغيرية، وعائشة الحارثي في عُمان، ثم توالت الأسماء وكل هؤلاء يجمعهن جامع واحد هو أنهن شاعرات نشأن في بيت ثقافي مهتم بالأدب والعلم، ومعظمهن فتيات لآباء شعراء.
ولا يختلف المشهد الشعرى النسوي في عُمان عن باقي دول الخليج العربي، حيث كان المشهد الشعري في السبعينيات من القرن العشرين، يبدو للرائي شبه خاوٍ – ونحن نتكلم هنا عن المنجز النصي الفصيح – فالشعر النسائي العامي بمختلف تنويعاته كان موجودا منتشرا عبر التناقل الشفاهي، ولم يهتم بالكتابة لتؤسس لاستمرارية تواجده، لكنه كان مشهدا غنيا ومشاركا مع الرجل بفاعلية، خاصة ذلك الشعر المرتبط بالغناء والرقص الفلكلوري، وكان ذلك على النقيض من المنجز الشعري النسوي الفصيح الذي لم يحظ قبل السبعينيات إلا بالندرة النادرة من الأسماء النسائية وذلك لتقلص التعليم والكتابة، وإن كانت قد وردتنا شفاهيا عدة أسماء، كالشاعرة عزاء بنت حماد بن مسعود المغيرية المتوفية في بدايات القرن العشرين كما أفاد الأستاذ أحمد الفلاحي، وبهذا تكون (عزاء المغيرية) من مواليد القرن التاسع عشر، وبذلك تكون من جيل الرائدات في الوطن العربي وتعتبر الرائدة الأولى للخليج العربي، فقد تزامنت في الظهور مع فترة الرائدات العربيات الأول، ومما وصلنا من أشعارها هذه المقطوعات القصيرة:
إلهي لقد أكرمتني ووهبتني
عطاء جزيلا فوق ما استحقه
فيا رب وفقني لشكر ٍ وقوني لذكر ٍ
وذلل لي طريقا أشقه

ونلاحظ التوازن في بناء العبارة، وحسن التقسيم البلاغي الذي يثري بدوره الموسيقى في (وفقني لشكرٍ، وقوني لذكرٍ)
وقولها:
إلهي نسألك العافية ومن
فيض رحمتك الحانية ْ
وعفوا يقينا العذاب الشديد
ويمنحنا الجنة العالية ْ
ويسر شفاعة طه لنا
بيوم المحاسبة الوافية

وقولها:
أمَتكَ الذليلة ُ الفقيرة ْ
تعاظمتْ ذنوبُها كثيرةْ
فاغفر إلهي الزلةَ الصغيرة
وأعفُّ عن الخطيئةِ الكبيرة
وقبرها يا سيدي تُنيره
لكي يكون روضةً نظيرة

ومن الواضح الثقافة الدينية التي تمتاح منها الشاعرة مضامينها الدلالية، وقصور شعرها على الغرض الديني، كما يتضح ميلها للثراء النغمي ومقدرتها على انتقاء القوافي ولزوم ما لا يلزم إظهارا للبراعة حسبما تقتضي البلاغة العربية القديمة. ولاشك أن شاعرة بهذه المقدرة والبراعة اللغوية والعروضية لها شعر كثير لم يحفظ، أو لم يسمح له أن يدون ويحفظ وفق عادات وأعراف كانت تحاكم الرجل في موروثه الغزلي، فما بالك بالمرأة، وأجزم بأن المجتمعات الخليجية وجد بها من تعلم في الكتاتيب من النساء وكتبن شعرا بالفصيح لكن انغلاق المجتمعات وسطوة العادات والتقاليد آنذاك، حرمتنا من هذه الكتابات المحكوم عليها سلفا بالإبادة.
وإذا تتبعنا المشهد الشعري ابتداء من أول السبعينيات في عمان (1970م: 20013 م) وهي الفترة التي نرصدها، والمتعارف على تسميتها بعصر النهضة العمانية، أي الفترة التي لا يزال يحكمها جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم، وجدنا الساحة خالية تماما من أي منجز نسوي مدون، وسمعنا عن بعض الشاعرات اللآتي لم يكتبن نتاجهن تماسا مع العادات والأعراف الاجتماعية، والحقيقة أنه لم يصلنا أي اسم من تلك الفترة سوى الشاعرة عائشة بنت عيسى بن صالح الحارثي، حيث ورد ذكر بعض قصائدها في كتاب (شقائق النعمان على سموط الجمان في أسماء شعراء عمان) للشيخ محمد بن راشد الخصيبي، الجزء الثاني. الذي قال عنها:
(ولا يخفى أنها من بيت علم ورئاسة، فيحق أن يقال لها الشاعرة الوحيدة في عصرنا).
لقد ورثتْ عائشة بذور الشعر من جهتين فهي أخت الشاعر محمد بن عيسى الحارثي، وخالها أمير الشعر العماني الشيخ عبدالله بن علي الخليلي، وكتبتْ قصائدها في الستينيات وبداية السبعينيات، وهي قصائد كلاسيكية تشبه نوعا ما شعر عزاء المغيرية، وأقرب إلى شعر الرائدات في الوطن العربي كشعر (عائشة التيمورية، وأم نزار) أي أن شعرها مؤسس على لغة ذكورية متوارثة عبر القرون، ولا يجسد الذات الأنثوية وخصوصيتها ومن ثم جاء شعر عائشة دينيا، تعليميا، يحمل الكثير من النبرة الوعظية، أو الوصفية كقصيدتها في وصف رحلة الحج وأداء المناسك التي قالت فيها :

دعاني لحجِ البيتِ من بعد سبعة
وعشرين عاما قد مضتْ من حياتيا
فجزنا طريقَ الجو نخترقُ الفضا
وفي البرِّ أحيانا نؤمُ المعاليا
وصلنا ضحىً أم القرى منبع الهدى
فقرتْ بها عيني وسُرَّ فواديا

ولم تنشر عائشة الحارثية قصائدها في الجرائد، كما لم تدونها في كتاب خاص بها. في ظل ذلك الصمت الأنثوي المطبق في تلك الفترة من تاريخ عمان، أنطلق صوت نسائي مختلف، هو صوت الشاعرة سعيدة بنت خاطر الفارسية، مسجلا حضوره القوي في منتصف الثمانينيات، وكانت الشاعرة متسلحة بعدة عناصر تؤسس لانطلاقتها فهي خريجة جامعية، تشربتْ من انفتاح الأفق الثقافي في الكويت التي تلقت مراحل تعليمها فيها، ووريثة أسرة ينتمي العديد من أفرادها إلى دوحة الشعر، جاءت الشاعرة لتسدَّ فجوة كبيرة في المشهد النسوي العماني الثقافي بمشاركاتها الكثيفة، مخترقة المشهد الذكوري التام، وكاسرة تفرد الصوت الواحد، فكانت بذلك أول امرأة تشارك في إدارة مجلس النادي الثقافي، وأول امرأة يصل نتاجها للنشر عبر الجرائد والمجلات، وأول امرأة عمانية تشارك في المهرجانات الشعرية والثقافية المحلية والخارجية، وصاحبة أول إصدار شعري نسائي سنة 1986م بعنوان (مدٌّ في بحر الأعماق) ، كما كانت أول امرأة عمانية تحصل على تكريم إبداعي رسمي فقد منحتْ وسام الأدب من ملوك وقادة دول مجلس التعاون، و حصلت على العديد من التكريم الأدبي داخل وخارج السلطنة، وقد أسستْ سنة 1996م أسرة الكاتبات العمانيات وترأستها.

من نماذج شعرها المبكر قصيدة أُمومة:
إذا ما تكوَّرتَ في داخلي
وأثقلتَ جسماً خفيفاً خلي
وصرتَ تلملمُ روحَ الحياةِ
فلم يبقَ شيءٌ سوى الآهِ لي
وأسدلَ ليلٌ ستائرَ وهم ٍ
وحارتْ ظنونٌ أبتْ تنجلي
ولما توالتْ شهوري الطوالُ
وقاربتُ هولا ً به مأ ملي
ذبلتُ ذبولَ غصون ِ الخريفِ
ومن تكُ مثلي ولم تذبل ِ!!

ولعل الريادة الحقيقة لشعر نسائي حديث يتسم بخصائص النسوية، وتتناول ذات الأنثى وبوحها بدأت مع سعيدة خاطر، تلك التجربة التي مهدتْ الدرب لمشاركات نسائية كثيفة ومتميزة فيما بعد.
في أواخر الثمانينيات ظهرتْ مجموعة من الفتيات، ودخلت أسماء كثيرة سرعان ما اختفتْ لضعف الموهبة، أو بالأصح لعدم وجودها أصلا، واستمرت منهن الشاعرة تركية بنت سيف البوسعيدي التي أصرتْ على التواجد، وظلَّ نتاج تركية متذبذبا إلى أن استقرتْ على قصيدة النثر تخلصا من العروض، وكان أول دواوينها هو (أنا امرأة استثنائية) سنة 1995 م وفيه ينحاز منجزها الكتابي، انحيازا تاما إلى النهج النزاري، فجاء ذلك على شكل تقليد صارخ في المفردة والأساليب مع خلخلة الوزن وارتباك اللغة، ثم نشرتْ (جنائن الروح) عام 2001 م وصدر ديوانها (سوار الحب) سنة 2006 م، تزامنا مع كون مسقط عاصمة للثقافة العربية، ويشكل هذا الديوان إضافة في كتابات الشاعرة أتضح فيه تطور التجربة إلى حد ما، وبداية النضج، تقول في الإهداء : (إلى ذلك الهارب / خلف السحاب / يقف لحظة صمت / عند صوت ربابتي).
بعد تركية بقليل ظهرت الشاعرة عائشة الفزاري وكتبت الشعر الشعبي والفصيح قليلا ثم اختفتْ، وعادت مؤخرا متشجعة بالنشر الالكتروني، في الفترة نفسها ظهرت نوره البادي، وهي شاعرة جريئة تخوض غمار التجريب في أكثر من مجال (كتابة الشعر، التمثيل، الإلقاء المسرحي) وظلت تجربتها الشعرية تقليدية متعثرة إلى أن أصدرت ديوانها الأول (للشاهين جناحٌ حرّ) مسجلة حضورا واضحا، دعمته فيما بعد بإصدار (نصل الورق) 2007 م، وفيه تخطو التجربة الشعرية نحو النضج والتميز مع تلك اللغة المتوازنة في البساطة والتجويد الفني، وما زالت نورة تخوض غمار التجريب والكشف، قابضة على التفعيلة الشعرية التي اعتمدتها نهجا شعريا لقصائدها، تقول نوره من ديوانها نصل الورق:
(يجلدني.. / بياضُك المحلوج من.. / ندف الشتاء……./ فينز ذاك الأحمر الممزوج نارا.. / يشعل الظل الرمادي) ص65 في تلك الفترة مرتْ على المشهد الشعري النسوي كاتبة صغيرة تعجلتْ في تصدير ديوان شعر(بعنوان أحاسيس سرّ الحياة ) كان غلافه يحمل اسم : (سمو السيدة نوال عبدالله آل سعيد) لم تحدد الكاتبة هوية جنس الكتاب الأدبي على الغلاف، لكنها جمعت في الكتاب خواطر من أحاسيسها، وقدم لهذا الكتاب الأستاذ : كفاح علي حسين، مدير تحرير جريدة الشبيبة آنذاك: في 2/2 / 1996م، تقول نوال من نص يحمل عنوان القيثارة الحزينة :
(إلى متى سيبقى الصمت يترجم أحزاني
وإلى متى ستبقى قيثارتي تنشد ألحاني
لتعلن عن معنى الصمت والسكون
في ألحان إيقاعاتها رجاء وأنين ) ص33

تم الاحتفاء بمنجز نوال في جلسة نقدية من جلسات أسرة الكاتبات بالنادي الثقافي، ونلاحظ أنها تنهي السطر الكتابي بقوافي موحده، مما جعلها تقدمه كديوان شعر، لكن المناقشة صنفتْ العمل على أنه ليس شعرا، بعدها اختفت الكاتبة من المشهد الثقافي تماما.
في التسعينيات ظهر جيل من الشاعرات نستطيع أن نطلق عليه جيل (جامعة السلطان قابوس) التي بدأت تضخ دماء جديدة للمشهد الإبداعي بمجموعة من المبدعين والمبدعات وتميز من هؤلاء في الحراك النسوي الشعري، عدة شاعرات مثل : هاشمية جعفر علي الموسوية و ذكريات الخابورية، وكانت انطلاقة هاشمية سابقة في التخرج عن ذكريات، وإن تزامنتْ معها في التواجد على الساحة الشعرية، وتنتمي هاشمية إلى أسرة اشتهرت بثقافتها، ومكانتها الدينية مما مهد لها السبيل لتؤكد منجزها الشعري الأول (إليكَ أنتَ) سنة 1993م، وكان ديوانا تقليديا يحمل ضعف البدايات، لتعجلها في النشر، لكن هاشمية سرعان ما طورت تجربتها ابتداء من منجزها الثاني (للروح هوية) سنة 2000 م وجاء الثالث (ثورة الزمرد)2004 م ليشكل علامة فارقة في مسيرتها قفزتْ بالتجربة إلى بؤرة النضج الفني، وأكدته بديوان (الغيوم على يدي) 2009 م، لكن هاشمية ظلتْ منحازة إلى اختباء الأنثى وعدم مقدرتها على اجتراح مناطق أنثوية لصيقة بذاتها وهمومها، متدثرة بعباءة الهم الوطني والقومي، وهذا طبيعي لشاعرة تنتمي إلى أسرة تحتفي بالتدين كأسرتها، تقول هاشمية من قصيدة ثورة الزمرد المهداة إلى الشهيدة آيات الأخرس :

(نذورُكِ للنهر المقدس والشقاء
ولجرحك المبحوح في ليل الهزيمة
لتظل حاناتٌ تبيع الأصدقاء
وأظل عشتارا تغني
تمسحُ الموتَ بثوب من ملامحها القديمة)

بعد هاشمية الموسوية ظهرت فاطمة الشيدية التي تخرجت من الجامعة سنة 1994 م، و كتبتْ نصوصها النثرية بحداثة مغلفة تقنياتها بالسردية، وتنوعتْ فاطمة في كتاباتها بين الشعر الذي أصدرتْ منجزها الأول فيه بعنوان (هذا الموت أكثر اخضرارا) سنة 1997م، ثم (مراود الحلكة) منشورات وزارة التراث 2006 م، ثم (خلاخيل الزرقة) دمشق، وبين الرواية التي أصدرتها مؤخرا(حفلة الموت) 2007م، وبين الدراسات النقدية بعد حصولها على الدكتوراه، لغة فاطمة حُلمية تنتمي للداخل التأملي : تقول من نص بركان :
(جزرٌ من الأحلام تطلُّ برأسها / على سواحل الشوق / في رئتي /
على غاباتِ الوجع / في أضلعي / جزر بحجم طلقة /
بحجم ربيع آفل / بحجم سيجارة في يد حبيب / مات قبل أن يولد
أتمدد على بياض السواحل / أسمع همس أحاديث حلزونات الليل
المتخفية في قواقع العشق)
وانطلقتْ الشاعرة الثالثة ذكريات الخابورية من البوتقة ذاتها – جامعة السلطان قابوس – ومن النشاط الثقافي بشكل خاص حيث الاهتمام بالمواهب الطلابية الشعرية في جماعة الخليل بن أحمد الفراهيدي للشعر العربي، وبدتْ تجربة ذكريات قوية الدفق الشعري سليمة التفاعيل، وكتبت القصيدة العمودية والتفعيلية باقتدار مع ثقافة تمكنها من تطور التجربة، لكنها بدأتْ تختفي من المشهد، نتيجة لتدينها الذي أخذ تدريجيا في الشمولية والرفض، خاصة وأن المشهد الشعري في عمان مختلطا من الجنسين، بل وتغلب عليه الذكورية، حتى توقفت نهائيا ولم تصدر أي ديوان يسجل حضورها الشعري رغم مقدرتها.
في منتصف التسعينيات ظهرت الشاعرة (حصة البادية) في الفترة ذاتها لكنها جاءت كفاصلة تنتقل بالمشهد الأنثوي إلى بداية التمرد، وكسر النمطية لتؤسس لقدوم لغة شعرية مغايرة، رغم تمسك حصة بالوزن (الشعر التفعيلي) قدمتْ حصة البادي ديوانها الأول (ندف حنين ومساءات) الذي أصدره النادي الثقافي سنة 2006م، تقول حصة من قصيدة أشباهٌ حداة الروح: (هنا عبرتْ طيورُ الروح ِ قنطرة َ الغياب ِ وعاد نادينا / فهل تخضلُّ نبضتنا / وتروي خفقة ُ الآتين عبر مواسم العودة / هنا تغفو ارتعاشتنا / تهددُ صوتنا الحبريِّ يغفو الحبرُ / نغفو نحن.. / لا تغفو أماسينا) ص21.
وتمتاز تجربة حصة بنضج البدايات التي تؤسس لصوت متميز في الشعر النسوي العماني، وبعد حصولها على الدكتوراه توالت الدواوين الشعرية التي رسختْ حضورها الشعري باقتدار، في هذه الأثناء ظهرتْ الشاعرة بدرية الوهيبي بمحاولات شعرية بسيطة، متذبذبة في الكتابة بين قصيدة النثر والقصة القصيرة، تلتها في الظهور نسرين البوسعيدي، وسرعان ما أصدرت نسرين ديوانا شعريا بعنوان (تشرد الأبدية) والديوان فلسفي فكري عميق لا يتناسب مع بدايات تجربة الشاعرة وسنها وثقافتها، وبعد هذا الديوان الثري اختفتْ الشاعرة فجأة، ولم تأكد منجزها بآخر.
في النصف الثاني من التسعينيات حدثتْ انتقالة كبرى في المشهد الشعري النسوي، إذ دبتْ روح التمرد ورفض التدثر بأي غطاء أو قيود تحجم البوح الأنثوي فظهرتْ أصوات أنثوية جريئة في بوحها ولغتها ورفضها وتمردها، فشاعتْ ثيمات الجسد والاغتراب والألم والحزن والبكائية، وظهرت الذات الأنثوية في تجليات واضحة وانحازت الأنثى إلى همومها وقضاياها مستحضرة كل ذلك إلى بؤرة منجزها الإبداعي وتميزتْ تلك الكتابات بالجرأة على المستوى الدلالي والشكل الفني حيث كسرت القوالب الثابتة للموروث الشعري، وظهرت النثرية المنحازة بقوة إلى التجريب والحداثة فظهرت نصوص متشحة بالغموض والانغلاق متجاوزة الصورة البيانية إلى التجسيد الصوري والبحث عن لغة رامزة جديدة، ولعل أبرز هؤلاء الشاعرات المتعاطيات لقصيدة النثر في المشهد آنذاك، ريم اللواتي، بدرية الوهيبي، فاطمة الشيدي، سميرة الخروصي، وطبعا تتفاوت هذه التجارب في الخصائص الفنية وفي منطلقاتها الدلالية وفي مغامراتها في التجريب، وقد ارتدَّتْ سميرة الخروصي إلى كتابة النص التفعيلي الموزون، فكتبته بلغة شعرية شفيفة مكتنزة، وصدر لسميرة ديوان شعر بعنوان: (غيوم يقظة) من ضمن إصدارات وزارة التراث والثقافة 2006 م، وفي تجربة غير مألوفة قسمت الكتاب إلى قسمين نصفه شعر، والنصف الآخر قصص قصيرة، ومن قصيدة (غبار المفكرة) تقول سميرة:
(أتذكرَ يا قلبُ
أنىَ سرينا
وأنى تقلب فينا التعبْ
وكم مرةٍ
أهرقتنا يدانا
ونحن نشيدُ
حلمنا بشمع الثريا
حلمنا وكنا.. فكيف نسينا
غناءَ الحقول).
كما صمتتْ بدرية الوهيبية عن الشعر متجهة للصحافة، في الفترة ذاتها ظهرت الشاعرة مريم الساعدية، وقد برزتْ من خلال المسابقات الشعرية عبر الجامعة والمنتديات الثقافية، وتقترب تجربة مريم من تخوم حصة البادية وتماثلها في النضج المبكر وهي خريجة الجامعة ذاتها، وقد صدر للشاعرة ديوانها الأول (بابٌ آخر للريح ْ) عن إصدارات وزارة التراث والثقافة بمناسبة كون مسقط عاصمة للثقافة عام 2006 م، تقول فيه مريم من قصيدة (المنفى)
(تجئ القصيدة
كمشكاة ضوء تخثر فيها الظمأ
تسلل عبر فراغ الوجع
إلى سدرة المنتهى الصابئة
تلوح بالحلم والحزن والأسئلة
وتمخر وجهك معصوبة الصوت والقافية) ص29.
أما ريم اللواتية فتحاول جاهدة أن تحفر صوتها الشعري الخاص ومما يسجل لها، الحرص على خصوصية التجربة، وقد أصدرتْ ريم ديوانها الشعري الأول (بلاهات مبتكرة) ثم عززته بديوانها الثاني (كوميديا الذهول) 2006 م تقول ريم من ديوانها الثاني ومن قصيدة بعنوان مزامير الوحشة (يزأرُ وحيدا / تخرجُ من الحلم ِ فقاعة ٌ / تركتْ رسالتها في القبلة المجنونة / يلوِّحُ في البياض ِ/ متكأ النشوة ِ رمانة ٌ) ص 15.
ولعل نص بدرية الوهيبية يظل النص الأكثر جرأة وفق ثيمة الجسد موظفة لغة جديدة للكشف عن التجربة الجسدية للمرأة بكل معاناتها، (عابرة بذلك حدود الخطوط الحمراء التي تشكل دائرة الممنوع في تحديه للمألوف ضمن تداخل النسيج النصي بالجسد) كما ذكرتْ الباحثة الروائية فاطمة الشيدية، أصدرت بدرية ديوانها الأول (سقوط ٍمدوىٍ لريشة) ضمن مطبوعات وزارة التراث القومي والثقافة سنة 2007 م، تقول من قصيدة آخر الشمس : (خارجون عن طواعية التابوت / رهناء الظل القاتم فوق الحكمة / رهناء الوجع الممتد فوق الرأس / إلى أخمص أرض) ونلاحظ أن التمرد قد تجاوز الدلالة إلى اللغة فهي تتحدث بضمير جمع المذكر السالم (خارجون) بدلا من (خارجات) حيث الضمير الخاص بالإناث (جمع المؤنث السالم) في هذه الأثناء ظهرت أسماء ربما لم تسجل حضورها الواضح وذلك لعدم مشاركتها في الفعاليات الثقافية مثل الشاعرة عزيزة بنت محمد المعشرية، والتي توزعتْ تجربتها بين الفصيح والشعبي، صدر لها ديوان شعر من وزارة التراث والثقافة ضمن إصدارات مسقط عاصمة للثقافة العربية 2006 م، بعنوان (مرايا الغياب) تقول عزيزة من قصيدة الحلم الذي…دوخنا عبر قرون : (ليس ما يجعل الكون / أكثر رحابة عبر / امتداد النظر إلا ذلك / الانحباس المنبثق / من أرواحنا المثلجة بريح / القادمين لينفضوا / غبار الجرح المتراكم…) ص 77، واختفتْ بعد ذلك مسجلة غيابا مألوفا لدى المواهب التي تظهر بغتة، في تلك الفترة أيضاً ظهرت هاجر البريكية التي بدتْ صغيرة السن مغامرة بتجربتها، لتكتب الشعر الفصيح والشعبي معا، تعرض طفل هاجر الصغير لحادث أدى إلى العمى، الأمر الذي حولها لقيثارة حزينة، وبثتْ المأساة كثيرا من التدفق والحيوية والإجادة في تجربتها متجسدا في المعاناة والألم الإنساني الأمومي الصارخ، تقول:
(العيدُ يحتضنُ الغيابَ بمهجتي .. لا عيدُ يسكنني ولا أفراحُ
يا عيد عذراً يستميحك خاطري.. فمدامعي ضاقتْ بها الأقداحُ
حاولتُ أن أُهدي السعادة عالمي.. فأتتْ غيومُ الجرحِ لي تجتاحُ
“الحزنُ” يعشقني وماذا في يدي .. تعبٌ همومٌ غصةٌ وجراح ُ
مليون حبٍ كاذبٍ بقصائدي … يحيا وألف منيةٍ ترتاحُ
لا حب يملكني ولستُ عظيمةً… إن قلتُ هذا “الحبُ” هذي الراحُ)

ولابد أن نسجل ملاحظة جدير بطرحها، وهو أن هذا الرصد ليس دقيقا تماما من حيث فترات الظهور الزمانية والتواجد علي الساحة الشعرية، فهناك كاتبات كتبن الشعر ولم ينشرن إلا مؤخرا، و منهن من تواجد قبل الأخريات لكنهن لم يشاركن إلا بعد فترة، وعلى أية حال يظل الفارق الزمني في السبق بسيطا لا يتجاوز الثلاث سنوات في أكثر تقدير، وسنرى أن الفترة المكتنزة بالتواجد تمتد من منتصف التسعينيات وبداية الألفية الجديدة، وتتسع الخارطة الشعرية النسوية يوما إثر يوم لتردف المشهد بكثير من الثراء الفني والتجريب،حيث دخلتْ للمشهد في الألفية الجديدة أسماء جديدة سجلت تميزا شعريا واضحا، رفدته تجارب من سبقهن من الشاعرات، وصقلته مناشط الجامعة حيث تهتم جماعة الخليل بن أحمد الفراهيدي، بتلك المواهب وتتعهدها بالرعاية وتصقل مواهبها، وأغلب هؤلاء الشاعرات ظهرن وتميزن أثناء الدراسة، ومن هذا الجيل مرهونة بنت حمد بن سالم المقبالية، خريجة جامعة السلطان قابوس عام 2001م) بدأت بكتابة الشعر الفصيح في آخر سنة لها في الجامعة كمحاولة أولى كما قالتْ، لكن مرهونة تأخرت في مشاركتها الثقافية،حيث بدأت الظهور في الملتقيات الثقافيةعام 2009 م، ثم شاركتْ بمهرجان الشعر العماني الثامن عام 2012 م، بنص (شهيد من بلاد الرمل) ومن هذا النص تقول :
لمْ يَبلغِ الحِلم ذَاكَ الحُبُّ يا أَمَلِي… حَتَى تَعَانَقَ والأشواقَ في الأزلِ
حَتَى تَزَمَّلَ دِفْءَ الكونِ يَبعثه … قيامةً مِنْ لَظَى الآَلامِ بالأمل ِ
شوقٌ تَعَسْجَدَ فِي أَحْلَامِنَا عَبَقٌ…. مِنَ الكَرامَةِ والعلياءِ والمثلِ
شوقٌ توحَّدَ في قاموِسِنا لغةً….. ينثالُ كالضَوءِ كالإشراقِ للرُسُلِ)
و تتابعتْ المسيرة الشعرية بالشاعرة رقية الحارثية، وشميسه النعمانية، وعائشة السيفية، وقد تميز هذا الجيل بالاستفادة من تراكمات الأجيال الشعرية العمانية، والانفتاح على التجارب الشعرية العربية، فجاء نتاجهن مكتنزا بالشعرية والإجادة منذ البدايات. تخرجتْ رقية بنت علي بن ناصر الحارثية، من كلية التربية بصور 2004 / 2005م، وانطلقتْ في مشاركاتها بالمنتديات الثقافية عام 2004م، ومن نماذج شعرها قصيدة: نهران من حب…
(أنْثالُ كالضَّوْءِ المُوَزِّعِ ماءَهُ
وَمعاطِفُ الْغَيْمِ المُعلَّقِ أوْسَدَتْ لي قَلْبَها المُكْتَظَّ بالطُّهْرِ الزُّلالْ
ما كانَ في وسعِ الهواجِسِ أن تُجفِّفَ من عُيوني ماءَها
أو تُشْعِلَ الوَجْهَ اغْتِرابْ
وأصُبُّ نَهْرًا راعِشًا بالوَجْدِ مِنْ كَنَفِ السَّماءْ
وأنْتَ تعْطفُ عَنْ عُروقِ الأرْضِ نَهْرًا طافِرًا بالحُبِّ كَي تأْتي إليّْ
ما زِلْتَ تُزْجي الشِّعْرَ ثُمَّ تُؤَلِّفُ الأحْلامَ فيهِ لأُبْصِرَكْ
وأنا أعبئُكَ الحِكاياتِ المُؤَطَّرَ سِرَّها لِتُخَلِّدَكْ).
وتنتمي شميسة بنت عبدالله النعمانية، التي تخرجت من جامعة السلطان قابوس للجيل نفسه، وهي تكمل حاليا دراسة الماجستير، وبذات المقدرة الشعرية تخوض شميسة خصوصية تجربتها،
(يؤرقني هذا المساءُ بطيشِهِ
ويشعلُ في مسرى طريقي منافذا
تلحُ على فكري
ليجلوَ كنهَهَا
ويفشيَ لغزا لامتدادِ حنينِها
أبصرتُ أسماءَ الدروبْ
ولوائحَ الإرشادِ حفظا للسلامةِ
والإضاءاتِ المثبتةِ الجذورِ على الرصيفْ
يا زيفَها لن تَشْتَبِهْ بممالكِ النجمِ العلية).
وتراوح عائشة في التجريب مابين النص الشعري العمودي والتفعيلي، وكتابة المقال الصحفي، وتقديم البرامج الإعلامية، وقد أعطتنا الشاعرة عائشة دفقات تدل على حضور مميز في الساحة الشعرية العمانية،
(نشجَ الليلُ بعَينيْ وبكَى
كيفَ يبكيْ مَنْ مِنَ الدّمعِ غَرِقْ؟
وهوَى كالظلِّ يمشيْ واقفاً
مثلَ نجمٍ مسّهُ حُزنُ الغسَقْ
صاخبٌ حزنيْ وليليْ صامتٌ
وارتباكِيْ فيْ لظَى الصَمتِ عَلقْ
يا رفِيقيْ جفِّفِ الدّمعَ وقِفْ
فوقَ خديْ كشهَابٍ فيْ فلقْ
واشربِ الطينَ فقدْ أعيا بهِ
أنّه منْ لذةِ الماءَ شرَقْ).
على الجانب الآخر من المشهد ظهرتْ شاعرات لا ينتمين للجامعة أو للكليات العليا، لكنهن يطورن تجاربهن في صمت، مثل فتحية الصقرية التي أصدرت ديوانها الشعري الأول متأخرة، وهو بعنوان (نجمة في الظل) وانحازتْ فتحية لكتابة قصيدة النثر فقط، وكتبتها بلغة موحية شفيفة :
(أيها السائرُ / خلفَ ذاك السراب
عدْ / عد بكلّكَ سالماً
لا شيء / لا شيءَ يلمعُ هناك
ضوءٌ راعشٌ / حلم / يظلله الخيال..
اصعد / اصعد بقلبكَ
نحو شدو الغيم / يغسلكَ الندى).
كما ظهرتْ فوزية الحارثية عام 2010 م، وهي تعاني معاناة صامتة ومنشغلة بالتجريب، وينحاز منجزها الأول إلى قصيدة النثر، ولم تشارك فوزية في الملتقيات الثقافية المعروفة بالسلطنة للتعرف على تجربتها عن قرب، لكنها أصدرتْ إصدارها الأول بعنوان : (إليكَ.. حين تنتهي الكلمات)، وهي بذلك على الضدِّ من فتحية حيث بدتْ متعجلة في النشر، وبدتْ فتحية متأخرة نوعا ما.
ومن نصها المعنون (من يعيدني الطفلة الماضية ؟!!)
( ها أنا عابرة ليلا بلا نجوم / أحلاماً بلا ألوان..
أعبرُ الريحَ بلا موعد / ولا حدود تلتقيني..
وحدي ويرافقني ظلي الحزين / الذي تلذذ معي ملح غربتي..
نعبر سويا / واحة الصمتِ / إلى ليلٍ من سراب..
إلى أرض بلا مواعيد.. /حيث مملكة لا زمن فيها..
لاشي بالسماء غير.. /غربة ناعسة.. / تشظى.. /
وبقايا أنثى تشبهني).
في النصف الثاني من الألفية ظهرت دفعة أخرى من الشاعرات الموهوبات وهن مازلن على مقاعد الدراسة منهن منيرة المعمري ورقيه البريدية والشيماء العلوية… وعلى صغر تجربتهن وحداثة سنهن يمتلكن مواهب متفجرة الشاعرية.
فقد تخرجت رُقَيَّة بنت سَيف بنْ حمُود البُرَيْدِية، مِنْ جامِعَة السلطان قابوس عام 2007م، وحصلت على ماجِسْتِير اللُّغَةِ الْعَرَبِيةِ و آدابها عام 2012 م، ولها كثير من المشاركات في مهرجانات الشعر العماني، والملتقيات الثقافية، وحازتْ عَلى مراكز متقدمة في مُسَابَقات شعرية عديدة للشِّعْر الْفَصِيح. ومن قصيدتها : (بَوْحٌ يُغَنِّي عَلَى وَتَر):
تَمَازَجَ اللَّيْلُ مَعْ نَشْوَى النُّجَيْمَاتِ
وَذَابَ صَبْرِي عَلَى بُعْدِ الْمَسَافَاتِ
فَلاَ ظِلاَلٌ بِأَرْضِ الْحُبِّ أُبْصِرُهَا
ولاَ رَوَائِحُ سَعْدٍ فِي مَحَطَّاتِي
لَوْ تُمْطِرُ الأَرْضُ قِنْدِيلاً عَلَى أَلَمِي
لأَوْرَقَتْ فِي رُبَى الأَحْلاَمِ وَاحَاتِي)
أما منيرة بنت خميس المعمرية، فقد تخرجت من كلية العلوم التطبيقية بالرستاق،عام 2008م، وشاركت منذ كانت على مقاعد الدراسة في الأسابيع الثقافية والملتقيات، وعندما تخرجت شاركت في مهرجانات الشعر، والمسابقات الشعرية المختلفة وحصلت على عدة مراكز متقدمة فيها.
ومن قصائدها قصيدة (قَريباً تُشَتّتُنا الرّيحُ)
(تَعلّقَ بِالوَجهِ وَشْمُ العبُوسِ
وصحراءُ وَجهيَ ليلٌ تناثَرَ في صَفحَةِ العَابرينْ
أعبّئُ منها شَقاءَ الطُّفُولَةِ / حُلمَ العُبُورِ /
هَناءَ عُيُونٍ تُرائي سَماءً وطِينْ
وأَقبَعُ أنسُجُ مِن أبَدِ الغَيِّ شالاً عَقِيماً
سيُربِكُ بَرداً تَزعّمَ أمواهَ ظِلٍّ ثَقِيلِ الخُطَى
هُناكَ أتانِي سَميري… وفَوضاهُ نَبضٌ تشَرّدَ عَنْ قِبلَةِ النُّورِ /عَنْ وَحيِ طَيْفٍ شَفِيفِ الصَّدى).
وآخر نساء الضوء القادمات بعنفوان الشعر وشموخه الشاعرة الشيماء العلوية وهي موهبة متوقدة رغم كونها مازالتْ على مقاعد الدرس في جامعة السلطان قابوس بكلية الآداب، بدأتْ المشاركة في المنتديات الأدبية والثقافية عام 2012م، حصدتْ كثير من الجوائز والمراكز عبر المهرجانات والمسابقات الشعرية المختلفة ومن قصيدها:
(يُوجِعني
قلبيْ العشبيّ
الخائفِ
من معراجِ الطين..
أسلّلهُ
عبرَ ثنائيّات المنفى والأنثى
وأعودُ ظلالاً بيضاءَ…
أنامُ على سفحِ الملحِ الأبيضِ
قبْلَ يديكَ الهادئتين،
ولا أحلمُ بالنسرينْ).
ولعلنا بعد هذا الرصد للمشهد الشعري الأنثوي نصل إلى ما يلي : من الواضح أن خريجات الجامعة والكليات العليا ينتهجن الشعر المموسق الذي يهتم بالعروض العربي والتفاعيل، وينحزن لكتابة الشعر العمودي وقصيدة التفعيلة، وهن يكتبن بإجادة وتميز، ويمزجن أصالتهن بحداثة معاصرة متمثلة في المفردة والتشكيل الصوري والأساليب، والقضايا المنفتحة على القلق الإنساني الوجودي، فقد تجاوزتْ المرأة الشاعرة المعاصرة قضايا الأنثى المحبطة والبكائيات والحزن والبحث عن غوايات الجسد، والذات المهمشة، وغيرها من الثيمات التي شاعت كثيرا في فترات سابقة.
وهكذا يستمر نضال المرأة العمانية الشاعرة من أجل تأسيس هوية خاصة بهن، وهن في ذلك مثل كل امرأة تتعاطى فعل الكتابة يمشين على جمر الاختلاف والتجديد، ويتحدين التقليد الأدبي المتوارث، والصور النمطية والرموز التي رسخها الشاعر والناقد الذكر حول أدبهن، متصديات للتهميش بأصواتهن الشعرية الخاصة الجادة والمجددة، حتى يتكامل الصوت الإبداعي الإنساني، فلا تسيطر نغمة الذكورة، وتغيب النغمة الأخرى، وبعودة أصواتهن يتكامل اللحن الإنساني الإبداعي الخالد.

د . سعيدة بنت خاطر الفارسية

إلى الأعلى