الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / اصداف : فشل في قراءة المستقبل

اصداف : فشل في قراءة المستقبل

وليد الزبيدي

فشل الكثير من المفكرين والاستراتيجيين في قراءة حقبة ما بعد الحرب العالمية الأولى بعد دخول سلاح جديد في الحرب لم تعهده البشرية في حروبها عبر الاف السنين والاف المعارك التي عاشها العالم، وعندما تم الإعلان عن سقوط اول طائرة في الخامس من اكتوبر عام 1914 اضطر الكثير من المراقبين لمراجعة معمقة لاتجاهات الصراع العسكري الدائر في تلك الاثناء ومستقبل الصراع في العالم، لقد كان ذلك قبل قرن كامل من هذا التاريخ.
عندما نتحدث أو نرصد فشلا واضحا من قبل الدارسين والمتخصصين في الشؤون الاستراتيجية، فإن ذلك يستدعي نظرة معمقة في قراءة الاحداث ومجرياتها وعدم استسهال الامور، لكي لا يتم اتخاذ قرارات خاطئة تفضي إلى استراتيجيات فاشلة تؤدي بالنتجية إلى كوارث تدفع الثمن فيها الامم والشعوب.
فقد اعتقد “خطأ” الكثير من الدارسين أن حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية خالية من النزاعات المسلحة أو أنها ستكون “محدودة” إلى حد ما، وأسس هؤلاء رؤيتهم على مسألتين رئيسيتين، هما:
الاولى: تذهب إلى أن حقبة الصراع الدولي المسلح قد انتقلت من سلاح يتحرك فوق التراب والمياه متمثلا بالمدافع والبواخر الحربية إلى مرحلة القنابل المتنقلة في الجو، وأن هذا السلاح الجديد سيتكفل بالفتك بمدن كاملة في حال اقدمت الدول على اشعال نزاع يصل في نهايته إلى استخدام القوة، وأن هذه القوة الفتاكة الجديدة “سلاح الجو” قد تتسبب بإبادة امم وشعوب وتغيير خريطة العالم في الكثير من الأماكن، خاصة أن العقول الحربية في العديد من الدول المتصارعة اخذت تتجه بقوة لتطوير هذا السلاح باعتباره الأكثر ردعا في مواجهة الدول الأخرى.
الثاني: أن الأجيال التي ستقود الدول الكبرى والصغرى في العالم ستبقى محفورة في ذاكرتها الماسي الهائلة والصور المرعبة التي خلفتها معارك الحرب العالمية الأولى، وأن قبول دخول الدول في صراع قد يصل بالأمور إلى حد الصدام العسكري لم يكن بالأمر الهين، إلى جانب المخاوف من اهوال حرب يدخل في مفاصلها سلاح جديد فتاك، يضاف إلى ذلك تفكك الامبراطوريات التقليدية وبدء حقب جديدة ظهرت فيها نواة دول عديدة في قلب العالم – الشرق الاوسط – وتلاشي دور الامبراطورية العثمانية بعد تفككها وتراجع الاستعمار التقليدي البريطاني والبرتغالي والفرنسي وظهور قوة جديدة – الولايات المتحدة – ما يشكل قوة توازن جديد في الصراع الدولي.
في ضوء تلك القناعات العقلانية والعلمية وضع الكثير من الدارسين رؤى لعقود طويلة وربما لقرون تحكم العالم بعيدا عن الصراع المسلح والصدام العسكري الذي قد يلهب العالم ويجرجره إلى ما هو مأساوي ومدمر.
لكن على أرض الواقع وما اثبتته الاحداث والوقائع تكفل بنسف هذه النظريات من جذورها مقتلعة الحقائق والمعطيات التي اعتمد عليها الاستراتيجيون والباحثون في وضع تصوراتهم المستقبلية، وكيف هو الحال الذي ستعيشه شعوب العالم في الحقب المقبلة.
بعد عقدين بالتمام والكمال تأكد خطأ قراءة من هذا النوع واندلعت الحرب العالمية الثانية.

إلى الأعلى