الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / حول أحداث باريس عولمة العنف وعمى السياسة إلى أين؟

حول أحداث باريس عولمة العنف وعمى السياسة إلى أين؟

د.أحمد القديدي

” .. الكمبيوتر العادي أو الهاتف الذكي الذي بين يديك يضعك آليا وآنيا في دوامة أحداث العالم لحظة بلحظة ويجعلك أنت نفسك متفاعلا مع تلك الأحداث بفداحتها ومعلقا عليها ومستقبلا لآخر مستجداتها بل وموزعا نشيطا لها على ذويك وأصحابك وآلاف المجهولين المتفاعلين معك ! وهو ما حدث كامل ليلة الجمعة الماضي إلى فجر السبت انطلاقا من العمل الإرهابي في قلب باريس!”
ــــــــــــــــــــــ
لو شئنا وضع عنوان للمرحلة التي نعيشها منذ انبلاج فجر القرن الحادي والعشرين لاخترنا بدون تردد عنوان (عولمة العنف أو عمى البصائر) وهي حلقة نكاد نقول طبيعية من حلقات مسلسل العولمة الاقتصادية والعولمة البيئية والعولمة الوبائية والعولمة الرقمية والعولمة الثقافية … وصولا إلى زوال الحدود أمام العنف والقتل والارهاب. عالم اليوم عالم مفتوح يعيش مرحلة مخاض عسير لا نعرف ماهية الجنين الذي سيولد من أرحام عصرنا الحاضر هل هو مولود سوي أم مولود مشوه أم مولود ميت؟ إن الذي حدث في قلب عاصمة فرنسا ليلة الجمعة الماضي هو تأكيد لهذه النظرية وترسيخ لهذا الواقع: الانسانية كلها على أعتاب عصر جديد ربما تسرع بعض السياسيين وسماه عصر الحرب العالمية الثالثة ضد الإرهاب (مثل بوتين و أوباما) وربما تجرأ البعض الآخر فوصفه بعصر نهاية التاريخ وسيادة الليبرالية (مثل فرنسيس فوكوياما) ونعته البعض الثالث بأنه عصر صدام الحضارات (مثل صامويل هنتنجتن) ولكني أميل إلى تعريف رابع غفل عنه أغلب الخبراء وهو أننا نعيش عصر العمى السياسي وغياب البصيرة الحضارية مما جعلنا نعمى عن حقائق ساطعة لا نراها ولا نعتبر بالتاريخ فتستمر الفواجع ويطل علينا ليل طويل من الويلات والكوارث. وهو ما أبدع في تأكيده رئيس الحكومة الفرنسي الأسبق (دومينيك دو فيلبان) بعد الاعتداءات.
نظرية العمى أصدرها صاحبها المؤرخ الفرنسي الشهير (مارك فيرو) في كتاب نشرته مؤسسة (تايلندييه) الباريسية منذ أسابيع قليلة وبادرت بمطالعته وعنوانه هو:L’aveuglement:une autre histoire de notre monde
وترجمته هي (العمى. تاريخ مختلف لعالمنا) وهو كتاب قيم ينير ما التبس علينا كعهدنا بهذا المؤرخ الأمين والمتعمق والمحايد. فهو في 400 صفحة يعدد للقراء كل الحروب التي كان بإمكان العالم تفاديها لو فتح الناس بصيرتهم وحللوا الواقع واهتدوا للحلول. حين يصل المؤرخ الى عصرنا الراهن واتساع رقعة الإرهاب فيؤكد العالم النزيه أن النظام العالمي الذي نشأ بعد الحرب الكونية الثانية هو نظام جائر يحمل في جيناته بذور العنف الأعمى وهو ما سيضع البشرية كلها على فوهة بركان لن يتأخر عن الانفجار و إلقاء الحمم.
يحلل الكاتب لماذا لم ير السياسيون كيف اندلعت الحرب العالمية الأولى سنة 1914 و كيف أعقبتها الحرب العالمية الثانية سنة 1939 و كيف تحولت الامبراطورية القيصرية الروسية إلى الاتحاد السوفييتي ودكتاتورية البروليتاريا ثم إلى أكبر ماكينة عملاقة لقمع الحريات وإنتاج البؤس؟ لم ير العالم أيضا كيف مسخ الاستعمار الغربي نفسه من حضور في الحقول إلى استعمار عشش في العقول؟ فتحولت أمم لديها تراث وحضارة إلى مسوخ تابعة؟ لم ير كيف تصاب مجتمعات في شمال الأرض بالتخمة وتموت مجتمعات في جنوبها من جوع وعطش؟ هذا هو العمى الذي أصاب أبصار النخب الحاكمة التي هندست النظام العالمي الجائر. اليوم عجز نفس العميان عن إيجاد حل عادل لقضية فلسطين وعن مساعدة الدول المشرقية والإفريقية على التحول للديمقراطية واحترام حقوق الإنسان فقامت فيها وبينها أزمات مروعة تحولت إلى حروب أهلية واجتاحت مئات الآلاف من العائلات القارة الأوروبية بحثا عن الأمان ولقمة العيش! وانتقل العنف المحلي إلى مدن أوروبا نفسها حين انتقلت طائرات الغرب تقصف مدن المشرق. نعم يقول (مارك فيرو) نحن عميان كما كنا وأصبحنا نعيش في عالم بلا حدود رغم ما ابتكرته الدول من جدران عالية ومن خنادق عميقة ومن أسلاك مكهربة بقصد التمترس بغاية انعزالها عن مصائب الدنيا! فالكمبيوتر العادي أو الهاتف الذكي الذي بين يديك يضعك آليا وآنيا في دوامة أحداث العالم لحظة بلحظة ويجعلك أنت نفسك متفاعلا مع تلك الأحداث بفداحتها ومعلقا عليها ومستقبلا لآخر مستجداتها بل وموزعا نشيطا لها على ذويك وأصحابك وآلاف المجهولين المتفاعلين معك! وهو ما حدث كامل ليلة الجمعة الماضي إلى فجر السبت انطلاقا من العمل الإرهابي في قلب باريس! فكيف والحالة هذه ننجو من اختراق العنف لأخص خواصنا؟ أنا نفسي ليلة السبت الماضي عند سماعي أخبار القتل في ثلاثة مواقع باريسية بادرت إلى الهاتف الجوال أسأل عن أخبار أولادي الأربع وهم يعيشون في ضواحي باريس (نتيجة المنفى القسري الذي فرضته علي وعلى الآلاف دولة طاغية جهولة سنة 1986 في مرحلة خرف الزعيم بورقيبة) لأطمئن على أولادي هل هم في بيوتهم ام أن أحدهم كان في ملعب (سان دوني) أو مسرح (باتاكلان) وهي عاطفة الأبوة الغريزية تحركت بعفوية لتطمئن على فلذات الأكباد مهما كبروا! ثم هو تصرف ناجم عن إيماني بأن لا أحد يمكن أن يكون في مأمن أمين من الإرهاب مهما كان بعده عن السياسة فالعنف أصبح أعمى (مثل عمى البصائر عن العدل والحق) أينما مورس واستوى الحال أن يموت أبرياء يشاهدون مقابلة كرة قدم بين فرنسا وألمانيا أو أبرياء في ضواحي حلب أو الحلة أو ريف إدلب دكت البراميل االمتفجرة أو القنابل الروسية أو الأميركية أو الفرنسية أو البريطانية بيوتهم فوق رؤوسهم ورؤوس أطفالهم! هؤلاء جميعا أبرياء بنفس المستوى وبنفس البراءة ويستحقون نفس الرحمة. هذا هو عنوان العهد الجديد: عولمة القتل بلا حدود وبلا غاية وبلا عقيدة وبلا أخلاق. أي في النهاية عولمة عمياء وجائرة وأملنا هو ألا تكتفي دول ما نسميه المجتمع الدولي بمعالجات أمنية متسرعة وهي ضرورية بالطبع لكن معالجة جذور الإرهاب على المدى الطويل تكمن في تحقيق الإصلاحات الكبرى والاعتراف بحق الشعوب في تقرير مصيرها والتنعم بالحرية وتقاسم ثمار التقدم وهذا لن يتحقق إلا بتعديل النظام العالمي الظالم….والأعمى. ولله الأمر من قبل ومن بعد ولله ترجع المصائر وهو القادر على فتح البصائر.

إلى الأعلى