الجمعة 26 مايو 2017 م - ٢٩ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / بساط : المواطنة والمتغيرات العالمية

بساط : المواطنة والمتغيرات العالمية

**
لن أجد أنسب من الأجواء التي تعيشها السلطنة، ويتنسمها مواطنوها وكل من يقطن أرض عمان الطيبة، بمناسبة العيد الوطني الخامس والأربعين المجيد، حتى أذكِّر كل الأطراف بمسئوليتهم تجاه أبنائهم (الأطفال منهم والناشئة على وجه الخصوص) في غرس الانتماء الحقيقي في نفوسهم، حتى نتفادى المتغيرات العالمية التي تعصف بالجميع، من غير هوادة ولا رحمة.
ولا شك أن كل الأطراف التي تساهم في بناء منظومة المجتمع ـ سواء كانوا أفرادا أو مؤسسات ـ منوط بها أن تقف على المسئولية التي هي من أولويات أو صلب عملها، وإن لم تنتبه إليها في هذا الوقت شديد الحساسية، فلا أظن أن المجتمع بحاجة إليها بعد ذلك.
إن غرس الانتماء للأرض والوطن، وإن كنت أرى من الصعب تفعيله في بعض المجتمعات، فإنني أظنه ليس بهذه الصعوبة في مجتمع مثل المجتمع العماني، حيث تتصدر سيادة القانون المشهد المنظم لحياة الناس فيه، وهذا يدعونا إلى أن نقف مع أنفسنا ـ كأفراد ومؤسسات ـ وقفة لا ينقصها الاعتراف بالمسئولية الكاملة التي تقع على كواهل الجميع.
إن منطلق هذه المسئولية لابد وأن يأتي من الأسرة (الوالدين) بالتحديد، في تربية أبنائهم التربية الحقة، التي ترتكز على أسس تربوية صحيحة، يكون لحب الوطن والأرض النصيب الأكبر فيها، وهو ما يستوجب من الوالدين التواصل مع أبنائهما، وإن كان هذا المطلب أصبح من الصعوبة بمكان، في ظل العوامل والمتغيرات التي طرأت على مجتمعاتنا، والتطور التكنولوجي وثورة الاتصالات التي تعيشها، ولكنني أؤكد أنه لا مناص من أن يستعيد الآباء هذا الدور الذي فقدوه. إنني لم أقصد هنا التعميم، وقد لاحظت وعي الكثير من الأسر بضرورة هذا التواصل والحث على متابعة أبنائهم في كل صغيرة وكبيرة، فالأسرة هي أول من يحصد نتائج هذا الدور المحمود، كما أنها هي أول من سيتحمل تبعات أي تقصير أو تهاون فيه.
ومن الأسرة إلى المسجد، ثاني البيوت التي يرتادها الأبناء مع آبائهم ـ بعد بيت العائلة ـ حيث الخطاب الديني الذي يتحصن به الأبناء مع آبائهم، هذا الخطاب الذي يجب أن ينتبه إليه المسئولون، للتأكد من خلوه من أي نبرة للتشدد، ودعوته للسماحة التي اعتاد عليها الناس، كلغة للخطاب الديني في السلطنة.
المؤسسة التعليمية عليها العبء الأكبر، في الحث على المواطنة، من خلال معلمين يكونون على قدر المسئولية، ولديهم وعي بأهمية الدور الذي يقع على كواهلهم، في تربية الأبناء التربية الوطنية، التي تغرس في نفوسهم حب الوطن والانتماء له، وإنني على يقين أن الرقابة الذاتية التي يطبقها المعلم على نفسه، أقوى من أي رقابة أخرى، وهو المؤتمن على مستقبل الأبناء.
ولنا هنا مع وسائل الإعلام وقفة، والدور الأخطر الذي يجب أن تتحمله، في سبيل غرس المواطنة والانتماء للأرض والوطن، من خلال تفعيل برامج ترقى إلى هذا الدور، في ظل الشريك القسري الذي فرض نفسه عليها، بعد أن كانت وسائل الإعلام قاصرة على المقروء والمرئي والمسموع، من المسموح به من وسائل طوعية يوافق عليها المجتمع عن طيب خاطر، إنه الضيف (الثقيل الخفيف) الذي فرض نفسه على المجتمعات، وهو وسائل التواصل الاجتماعي على الإنترنت (الفيس بوك .. تويتر .. والانستجرام)، ناهيك عن رسائل البريد الإلكتروني التي تقتحم علينا هدوءنا، وتستفزنا في كثير من أحيان.
في ظل وجود وسائل التواصل، أصبح العبء أكبر والمسئولية أثقل بكثير على القائمين على الإعلام في السلطنة، في اختيار برامج توجه للأطفال والناشئة والشباب أيضا، بعيدا عن الحشو، وملء الفراغ بما لا يليق مع المرحلة الحالية، ببرامج درامية وتوعوية توجه للأبناء، وانتقاء ما يصلح منها لغرس قيم المواطنة فيهم.
ومن النظرة المعتادة للمواطنة، إلى نظرة أوسع وأشمل، من المواطنة المحلية إلى المواطنة العالمية، حيث الحث على ارتباط المواطن بالمجتمع الدولي، وهو ما لم يتأت إلا بمروره بمرحلة المواطنة المحلية، أذكِّر هنا المتابعين للشأن العربي والدولي، بالتوصيات التي خرج بها (مؤتمر تجديد الفكر الديني) الذي أقيم مؤخرا بمدينة الأقصر المصرية، حينما ركز على ضرورة التنوع الثقافي من خلال الانفتاح على الآخر والتواصل معه، فالعالم أصبح قرية صغيرة، وأصبح تأثير الأمم بعضها البعض شديدا جدا.
إن غرس المواطنة في نفوس الأبناء مسئولية الجميع، أفراد ومؤسسات، وعلينا أن نوحد جهودنا؛ كي نحصد ثمارها الطيبة على هذه الأرض الخيِّرة، في ظل ما يشهده العالم من متغيرات، وما يموج به من صراعات.

إيهاب مباشر

إلى الأعلى