الإثنين 27 مارس 2017 م - ٢٨ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / تراجع أسعار النفط وتأثيراته على الاقتصاد ورسائل القلق المتسربة إلى المجتمع (2ـ2)

تراجع أسعار النفط وتأثيراته على الاقتصاد ورسائل القلق المتسربة إلى المجتمع (2ـ2)

سعود بن علي الحارثي

” نحتاج إلى قرارات عاجلة وخطوات متسارعة وعمل جاد وتعاون مثمر بين مختلف المؤسسات والقطاعات والاستفادة من الرؤى والأفكار والخيارات المطروحة، لتطبيق سياسات تعزز القيمة المضافة للاقتصاد الوطني والاستغناء التدريجي عن النفط، وبث رسائل الطمأنينة والاستقرار إلى المجتمع والتعامل معه بكل شفافية ووضوح.”
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لقد طالبنا في مقالات عديدة سابقة بالحرص على عدم المس بحياة المواطن المعيشية أو الاقتراب من مصادر رزقه، وأوضحنا مخاطر ذلك على الحياة الاجتماعية وعلى استقرار وأمن الوطن والوفاء بالالتزامات والمسئوليات الحكومية والتي ستتعرض للاهتزاز والضعف، وحراك 2011م ومطالبات المواطن ما زالت حاضرة وحية لا ينبغي أن نتناساها أو أن تغيب عن أذهاننا دروسها، كما أن التعامل مع هذا الملف الحساس قائم في الأساس على الاستفادة من حكمة القائد وبعد نظره وتنفيذ تعليماته السامية بشأنها. إن التعامل مع الأزمة الاقتصادية الناشئة من رحم الانخفاض الكبير والمتواصل لأسعار النفط ينبغي أن يأخذ مسارات متعددة وحلولا تتسم بالشمولية وسياسات حازمة تأتي أكلها على المدى القريب والمتوسط والبعيد تتمثل في الآتي:
أولاً : مراجعة جميع بنود الانفاق لجميع المؤسسات الحكومية بما في ذلك الشركات الحكومية والعمل على اجراء اصلاحات شاملة في عمليات الاعتماد والصرف في اسناد المشاريع وتقييم تكلفتها والمهام الخارجية وعقود ايجارات العقارات وتحقيق سياسات التقشف في المال العام ومحاربة كل أشكال وأوجه الفساد والهدر غير المبرر.
ثانياً: إعداد خطة مستقبلية تهدف إلى الاستثمار في الإنسان كونه البديل عن النفط، والعقل المفكر لتوليد الأفكار التقدمية وتنفيذ سياسات تنويع مصادر الدخل على أرض الواقع، فالوطن بحاجة إلى كفاءات ناضجة واعية تحمل العلم والمعرفة. وتطبيق سياسات جديدة لتغيير أنماط الاستهلاك والإنتاج غير المستدام وتعزيز ثقافة العمل والحفاظ على الموارد الطبيعية وتنميتها.
ثالثاً: مراجعة وتصحيح أوضاع سوق العمل وسياسات استقدام العمالة الوافدة في مختلف المجالات، والعمل على تسريح وإنهاء خدمات اليد العاملة الأجنبية خاصة في الوظائف العليا والمتوسطة والفنية وما في حكمها وإحلال العماني فيها لوقف تسريح العمانيين وتلافي المضار والمخاطر، وتوفير فرص أخرى للباحثين.
رابعاً: الاستثمار الأجنبي، فما زالت التعقيدات والإجراءات الطويلة والمركزية والبيروقراطية وغيرها تنفر المستثمر الأجنبي من الاستثمار في عمان، وما زالت القوانين والأنظمة والبيئة وثقافة العمل والإجراءات الأخرى تقف عقبة أمام نمو وتطور واتساع قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة والقطاعات الأخرى الصناعية والتجارية وغيرها، وهذا الأمر يحتاج إلى وقفة وتقييم ومراجعة وإصلاح ورغبة حقيقية في تطوير وتهيئة البيئة المحفزة والمشجعة والجاذبة للاستثمار الأجنبي والذي من شأنه دعم الاقتصاد الوطني.
خامساً: الاستثمار في القطاع السمكي من خلال التوسع في عمليات الاستزراع ومراجعة وضع الشركات التي تقوم بالاستثمار في هذا المجال وتقييم أوضاعها وتصحيح مساراتها أو الغاء التعاقد معها والبحث عن شركات أخرى قادرة على الاستثمار في هذا المجال وتعزيز عوائده.
سادساً: دراسة ومراجعة الثروات المعدنية المتمثلة في الكروم والنحاس ونشاط المحاجر والكسارات وما في حكمها، وتقييم أوضاعها والجدوى من الاستثمار فيها، وإجراء إصلاحات حقيقية تعالج حالة العشوائية والانتهازية والفساد والاستغلال الفردي والتجارة المستترة المصاحبة لهذا القطاع، وإعداد خارطة طريق تعرف بهذه الثروات من حيث أنواعها ومناطق تواجدها وكيفية استغلالها وآليات الاستثمار فيها بما في ذلك أفضل التكنولوجيا المستخدمة. إن المعادن والمحاجر والكسارات وغيرها، هي ثروات وموارد طبيعية وطنية يفترض ان تكون ملكاً للدولة ويتم التصرف فيها بعقود تجارية استثمارية واضحة تماماً، لتتمكن من إضافة عائد مجز للاقتصاد الوطني.
سابعاً: السياحة، برغم المقومات السياحية التي تنعم بها السلطنة إلا أن الاستثمار في هذا المجال لا يزال يراوح مكانه، أو أنه يسير ببطء شديد، وعلى سبيل المثال فإن الجبل الأخضر الذي يبعد عن مسقط 100 كلم، ودرجة حرارته في حدود 25 درجة، لو وجد هذا الموقع طرقا سهلة وأقيمت مدينة العاب ومجمعا تجاريا وشاليهات وخدمات ضرورية، لشهد زحفا كبيرا من العمانيين والسياح الخليج وغيرهم، وهذا مثال بسيط لعشرات إن لم يكن مئات المواقع التي تتميز بها السلطنة وتحتاج إلى استثمار ناجح.
نحتاج إلى قرارات عاجلة وخطوات متسارعة وعمل جاد وتعاون مثمر بين مختلف المؤسسات والقطاعات والاستفادة من الرؤى والأفكار والخيارات المطروحة، لتطبيق سياسات تعزز القيمة المضافة للاقتصاد الوطني والاستغناء التدريجي عن النفط، وبث رسائل الطمأنينة والاستقرار إلى المجتمع والتعامل معه بكل شفافية ووضوح. كما أن الوطنية الصادقة والولاء الحقيقي لهذا الوطن وسلطانه تفرض على رجال الأعمال والأغنياء العمانيين القيام بمسئولياتهم في توجيه جزء من أموالهم إلى السوق الداخلي واستثمارها في مشاريع حيوية تؤدي إلى تنشيط سوق العمل وتعزيز عوائد القطاعات المشار إليها وتوفير فرص عمل للباحثين عنه بدلا من استثمارها في الخارج أو توفيرها في البنوك وعليهم أن يحولوا الشعارات الناطقة إلى عمل حقيقي ملموس.

إلى الأعلى