الأربعاء 18 أكتوبر 2017 م - ٢٧ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / الدبلوماسية القائمة على الإكراه

الدبلوماسية القائمة على الإكراه

محمد بن سعيد الفطيسي

” نؤكد بان ظاهرة استفحال الدبلوماسية القائمة على القسرية والمبنية على القوة ستستمر لوقت ليس بالقصير في ظل التغيرات الدولية ذات الاتجاه العالمي نحو تبني لهجة الحوار بالقوة في التخطيط الاستراتيجي للحوار السياسي المستقبلي على مستوى السياسة الخارجية الدولية بشكل عام ,,”
ــــــــــــ
الدبلوماسية القائمة على الإكراه, مصطلح غريب ودخيل على أخلاقيات الفكر السياسي والدبلوماسي, حيث إننا تعودنا دائما في عالم السياسة أن نفهم مصطلح الدبلوماسية على انه العمل الذي يقوم على الإصلاح والتسوية السلمية لحل نزاع او صراع ما, وهو الوسيلة الأنسب لحل جل النزاعات السياسية والخلافات الدولية بالطرق اللينة, وذلك من اجل الابتعاد عن الأعمال القائمة على العسكرية والسياسة الصلبة والعنف السياسي, وكل ذلك كي يبقى العالم في حالة من الاستقرار والرخاء, واللذين لا يمكن أن يكونا مع الحرب والقوة.
ولكن ـ المؤسف ـ انه قد تغير هذا المفهوم الأخلاقي لأدبيات السياسة الدولية, واستخدم بطريقة جديدة وغير صحيحة, بل أصبح أشبه بسياسة الردع المضاد للدبلوماسية, فاختلطت معه الغلظة والابتزاز السياسي وإرهاب الحوار ومنطق القوة ولي الذراع وسياسة العصا من غير جزرة, وازدواجية المعايير السياسية, ويعود مصطلح الدبلوماسية القائمة على الإكراه, في أصله الأدبي إلى عدد من الباحثين والمحللين السياسيين المعاصرين كتوماس شلنغ وهيرمان كاهن وروبرت اوزغود وهنري كيسنجر وهو نوع من الأعمال الفكرية السياسية الاستراتيجية القائمة على (التهديد بالقوة واستخدامها كجزء لا يتجزأ من المساومة الدبلوماسية, كما لو كان هذا التهديد العصا المكملة للجزرة في جعبة أدوات الإغراء لدى هذا البلد أو ذاك .. كما يميل الباحثون المعاصرون المهتمون بالدبلوماسية القسرية إلى تأكيد مطباتها جنبا إلى جنب مع نقاط قوتها الكامنة فيها). وبمعنى آخر قد تحولت إلى ما يمكن أن نطلق عليه ( بدبلوماسية الإكراه), وهذا ما نلاحظه اليوم في تعامل العديد من الدول في علاقاتها السياسية والاقتصادية مع بعضها البعض تجاه العديد من القضايا والمصالح الجيوسياسية, مع العلم بان أسلوب الدبلوماسية القائمة على القوة قد أصبح مهيمنا على السياسة الخارجية للعديد من الدول في الآونة الأخيرة خصوصا في الشرق الأوسط – الساحة الأشد بروز للسياسة القسرية والدبلوماسية القائمة على الإكراه ـ ونلاحظ ان هذا النوع من الاستراتيجيات قائم على تبني رسمي له, بل وهناك مساع كثيرة من اجل(إعادة الحياة إليها جنبا إلى جنب مع الدعم الشعبي المتنامي لدبلوماسية أكثر تشددا تعزز من مواقع صانعي القرار السياسي المستعدين, في أي أزمة محددة لتحدي الدعوة إلى الإحجام عن اللجوء إلى القوة العسكرية إلا في حالة الضرورة القصوى).
وقد استخلص ابرز كاتبين قاما بدراسة وتحليل الظاهرة الدبلوماسية القسرية في حرب كوسوفا ووضعا توصيفا لشكلها الحقيقي من الناحيتين السياسية والإستراتيجية ما يلي: إن استراتيجيات القصف والدعاء والصلاة جنبا إلى جنب مع الميل إلى الاكتفاء بخفض مستوى القدرة العسكرية لخصم معين بأنماط غامضة ومحدودة ولا تنطوي عموما إن انطوت إلا على قليل من التأثير الاستراتيجي في أولئك الذين نسعى إلى ممارسة النفوذ عليهم… وبالتالي فان الحاجة إلى استخدام فعلي للقوة تتزايد مثلها مثل كمية القوة الضرورية في آخر المطاف لبلوغ الأهداف المرجوة .. وبعبارة أخرى ليست دبلوماسية الإكراه فكرة جيدة على الإطلاق حين لا تكون مسنودة إلا بتهديدات ضعيفة.
وهذا النوع من الانحراف في الأخلاقيات الدبلوماسية ليس بجديد في عالم السياسة المعاصرة ـ أي أننا لا نستطيع أن نقول بأنه نتاج الأحداث السياسية الراهنة وتطوراتها ـ من ابرز القضايا المعاصرة في الشرق الأوسط, والتي استخدمت فيها دبلوماسية الإكراه القضية الفلسطينية والملف النووي الإيراني على سبيل المثال لا الحصر – فقد استخدم قبل ذلك أثناء الحرب الباردة في ما أطلق عليه بأزمة الصواريخ الكوبية مع الاتحاد السوفيتي, مع التأكيد كذلك على أننا لا نستطيع أن نقول بأنه قد اثبت نجاحه أو فشله, فقد كان العالم واقعا تحت رحمة دولتين نوويتين كادتا أن تتواجها لولا رحمة الله بهذا العالم, وفي اتجاه آخر فإننا نستطيع أن نقول بان هذا الأسلوب قد استطاع بوجود الدعم الكامن في قوة الردع النووية من ارضاخ جميع دول النزاع إلى الركون إلى الحوار والهدوء.
أما حديثا فقد برز وبأشكال عديدة ومختلفة وخصوصا خلال السنوات الماضية – سنوات القرن 21 – في كثير من المواقف السياسية الدولية وخصوصا بعد أعقاب حرب الخليج وأحداث الحادي عشر من سبتمبر مع العديد من الدول ذات الشأن وغيرها, ولكن الجديد هو في تطبيق هذا المفهوم السياسي وبأن تستخدم الدبلوماسية بهذه الطريقة غير القانونية والملتوية وتحت ذرائع (ما انزل الله بها من سلطان), وان تكون الأهداف من وراء هذا النوع من الاستراتيجيات السياسية هو المصلحة الفردية للدول الكبرى او تلك التي تحمل بين جنباتها النزعة الاستعمارية, او تتحرك تحت مطامع جيوسياسية بذرائع أخلاقية وأمنية, وليس المصلحة العامة للدول والشعوب المعنية بهذه القضايا, وباختصار, نؤكد بان ظاهرة استفحال الدبلوماسية القائمة على القسرية والمبنية على القوة ستستمر لوقت ليس بالقصير في ظل التغيرات الدولية ذات الاتجاه العالمي نحو تبني لهجة الحوار بالقوة في التخطيط الاستراتيجي للحوار السياسي المستقبلي على مستوى السياسة الخارجية الدولية بشكل عام ,, وأن ملامح الحروب والنزاعات المسلحة إقليميا ودوليا ستبقى تلوح في الأفق مما يجعل واقع ومصير الأنظمة والكيانات الهشة يسير نحو نفق مظلم.

إلى الأعلى