الجمعة 26 مايو 2017 م - ٢٩ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / حق الحريَّة والأمن في النظام الأساسي للدولة (6)

حق الحريَّة والأمن في النظام الأساسي للدولة (6)

**
الناس يولدون من بطون أمهاتهم أحرارا لا تقييد عليهم في حرياتهم وشخصياتهم ولا استعباد لهم في التعامل معهم أو في منافع الحياة المختلفة، تقرر ذلك بنصوص الشريعة الربانية، ومواد القوانين الدولية والعمانية، ومن ذلك ما جاء عن سيدنا الفاروق عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – من عدله في الاقتصاص لمظلمة قبطيا مصريّا من ابن والي مصر يومها عمرو بن العاص عندما علاه بالدرة، فقال الفارق لعمرو: “يا عمرو متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا”، فكان ذلك مثالا يقتدي به الخلف من السلف في سبيل تحقيق الأمن في الحياة وتحقيق حق الحرية وضمان الكرامة الإنسانية من غير تمييز أو محاباة. وقد جاءت القوانين الدولية – ومنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان – مؤكدة على مبدأ الأمن وما يتمخض عنه وينطوي تحت معانيه من حق الحرية وعدم التعدي على كيان الفرد ومحيط بيته إلا بموجب مسوِّغ معقول ومنطقي من الأدلة والقانون، ومما يدل على إبراز هذا الحق ما تشير إليه المادة الثالثة من الإعلان العالمي بالقول: لكل فرد حق في الحياة والحرية وفي الأمان على شخصه” فلفظ (كل) من ألفاظ العموم الذي تشير دلالته اللغوية إلى شمول حق التمتع بالحرية لكل فرد صغير أو كبير، رفيع أو وضيع، رئيس أو مرؤوس، سيّد أو مسود، فقير أو غني، فالكل سواء في استحقاق التمتع بممارسة مقتضيات الحرية في الحياة. وهو ما يفهم من قوله -- لأمته في حجة الوداع “يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلَّا بِالتَّقْوَى، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ”، فالتقوى أساس المفاضلة بين الناس، ولا يجوز التمييز العنصري، أو التطهير العرقي، أو التعصب القبلي في المعاملات والتعايش الاجتماعي في الوطن الواحد.
وقد تابعت النصوص التشريعية العمانية ما تضمنته مواد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان من أطر قانونية للحفاظ على حق الأمن والحرية ومقتضياتهما المختلفة وما يتفرع عنهما من مبادئ، يأتي ذلك بارزا من خلال استقراء بعض نصوص القانون، فقد جاءت المادة (22) من النظام الأساسي ناصةً على براءة المتهم وعدم التعرّض لأمنه واستقراره وكيانه الاجتماعي، أو التعرض لحريته، بالقول:”المتهـم برئ حتى تـثـبت إدانته في محاكمة قانونية تؤمن له فيهـا الضمانات الضرورية لممارسـة حق الدفـاع وفقا للقانون ويحظر ايذاء المتهم جسمانيا أو معنويا”. وتابعتها في مضمونها المادتان (37) (41) من قانون الإجراءات الجزائية حيث نصتا على عدم الاعتداء على الحريات حتى أثناء تطبيق القانون فقالت المادة (37):”لمأموري الضبط القضائي أن يستعملوا أثناء قيامهم بجمع الاستدلالات وسائل البحث والاستقصاء التي لا تضر بالأفراد ولا تقيد حرياتهم، وليس لأحدهم مباشرة إجراءات التحقيق”، وهكذا المادة (41) تطرقت إلى وجوب عدم التعرض على الإنسان بمعاملة حاطة للكرامة أو عنف أثناء التحقيق الجنائي، بل اعتبرت كل فعل أو قول يصدر من المتهم حينها غير معتدّ به ولا يعوّل عليه في إثبات الواقعة أو الجرم. وقد وضع التشريع العماني – حينما أقر حق الأمن والحرية – عقوبات تتصل بكل من يقدم على انتهاك هذه الحقوق كضمانة قانونية تحمي صاحب الحق وتزجر المنتهك له، ومن ضمن ما جاء في ذلك ما بينته المادة (٢٥٦) بالقول:”يعاقب بالسجن من ستة أشهر إلى سنتين كل من حرم آخر حريته الشخصية بالخطف أو بأي وسيلة أخرى”.
وهذا – بطبيعة الحال – أمر ينسجم مع عدد من القواعد التي تقنن وتؤطر المنهجية الشرعية والقانونية في التعامل مع الجريمة والمجرمين بما يحفظ حق الأمن والحرية والبعد عن الإيذاء النفسي والمعنوي والمادي للمتهم، ومن ضمن هذه القواعد، ما يعرف في التشريع الجنائي الإسلامي والقانوني “بمبدأ شخصية العقوبة” انطلاقا من قول الحق – تبارك وتعالى-:(وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)(الأنعام ـ 164).
كما إن من الأمور المتصلة بحق الأمن السعي من أجل إيجاد مجتمع يؤمن بمبادئ السلام المختلفة، ويسعى بكل قواه الفردية والمؤسسية إلى التعاون الأمني المشترك مع الدولة. وقد أقر التشريع الدستوري العماني هذا التوجه وأكد عليه في أكثر من موضع، ومن ذلك ما جاء في المادة(14) منه حيث ذكرت: “السلام هدف الدولة، وسلامة الوطن أمـانة في عنق كل مواطن . ويتـولى مجلس الـدفـاع النظر في الموضوعـات المتعلقـة بالمحافظة على سلامة السلطنة والدفاع عنها”. إن إناطة النص الأول من المادة السابقة شأن سلامة الوطن وأمنه تحت مسؤولية كل مواطن دليل نيّر على تقرير حق الأمن ووجوب المحافظة عليه. كما إن جعل تنظيم طرق حفظ الأمن والسلام في الدولة العمانية منوط بمؤسسات الدولة العسكرية والأمنية دليل آخر على منتهى الدقة في حفظ سلامة الوطن وأمن أراضيه؛ حيث لم يسند الدفاع عن الأمن إلى تكتلات حزبية، أو جماعات طائفية، تقوم على أساس من المذهبية أو الشجون العاطفية، سوى ما وجب عليها من حمل روح الولاء والإخلاص للوطن. فالدولة العمانية بمؤسساتها الأمنية هي المعنية وحدها عن تنظم مرافق الخدمة العسكرية، وتسند المهام الأمنية للأفراد لحفظ الأمن القومي العماني. وإلى لقاء آخر يجمعنا أستودكم الله في حلكم وترحالكم….

محمد بن سيف بن دويّم الشعيلي
المحكمة العليا
msd99509559@hotmail.com

إلى الأعلى