الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / رسائل أحفاد سايكس ـ بيكو

رسائل أحفاد سايكس ـ بيكو

كاظم الموسوي

ما حصل في المنطقة عند اجتماعات سايكس وبيكو وما بعدها يكشف أن ما جاء به أحفادهما استمرارا لتلك المخططات والاتفاقيات، بل وبأشكال وأساليب أسوأ منها وأكثر ضررا وأبعد خطرا، لا سيما في الوطن العربي، وخصوصا بعد تفتيته وزرع الكيان الصهيوني لتقسيمه وتنصيب حماته والمدافعين عنه في المنطقة، سرا وعلنا. فما يطرح علنا من خطط تفتيت البلدان والشعوب العربية، وتدمير مكوناتها ومقوماتها ونهب ثرواتها وتكليف العدو الصهيوني عليها وابتزاز المتخادمين في توفير الحاضنات لها، والأرضية الملائمة.

تتجدد مشاريع الاستعمار معه، ولا تختلف في جوهرها كثيرا، وترصد ما يحيط بها أو ما يوفر لها مجالاتها الحيوية وفرصها المستهدفة، ولا تتوانى عن تنفيذها والعمل بها. فإذا كانت بريطانيا وفرنسا في بداية القرن الماضي ومعهما روسيا القيصرية حينها هي الدول العظمى، ووقعت على اتفاقية سايكس ـ بيكو التي فضحتها الثورة الروسية عام 1917 وكشفت النوايا المستترة وقتها، فإن ما حصل وما جرى منذاك إلى يومنا هذا هو من كوارث تلك السياسات الاستعمارية ومصالحها الاستراتيجية. وإذا اضمحلت قوتها الآن وصعدت قوى أخرى زرعت ركائز لها في المنطقة لمثل هذه الأيام فإن التهديد بما هو أشبه بمشاريع الأجداد، ليس جديدا أو مفاجئا، حيث أثبت عمليا أن الأحفاد هم أسوأ في كل الحالات بالنسبة للوطن العربي خصوصا. ورغم كل التطورات والثورات في مختلف المجالات ظلت استراتيجيات الدول “العظمى” هي ذاتها في الاستعمار والاستغلال والهيمنة واستعباد الشعوب. أو هي هكذا تخطط وتضع المشاريع لها وبكل تأكيد لم تستفد من تجاربها السابقة ولا من دروس التاريخ، وتمارس السياسات ذاتها والقواعد التي اعتمدت عليها، ومنها استخدام المتخادمين معها في تمرير سياساتها وبرامجها.
تصريحات مديري الاستخبارات الفرنسية والأميركية خلال مؤتمر حول الاستخبارات نظمته جامعة جورج واشنطن (27/10/2015)، في العاصمة الأميركية، مثال بارز ودليل كافٍ يقدم تلك السياسات ومخططاتها ومشاريعها العدوانية. ففي كلماتهما وما دار حولها من نقاشات يبرهن توجهات تلك الدول الاستعمارية وعملها الذي تجهز له كل وسائلها التدميرية والتخريبية وانتهاك القوانين والمواثيق الدولية، حيث تضع في مخططاتها تغيير الخرائط القائمة ورسم جديدة لأهداف أخرى، لا تحسب فيها أية مصالح للشعوب التي تعيش عليها أو تقدر إراداتها وخياراتها الوطنية والقومية. وما حصل في المنطقة عند اجتماعات سايكس وبيكو وما بعدها يكشف أن ما جاء به أحفادهما استمرارا لتلك المخططات والاتفاقيات، بل وبأشكال وأساليب أسوأ منها وأكثر ضررا وأبعد خطرا، لا سيما في الوطن العربي، وخصوصا بعد تفتيته وزرع الكيان الصهيوني لتقسيمه وتنصيب حماته والمدافعين عنه في المنطقة، سرا وعلنا. فما يطرح علنا من خطط تفتيت البلدان والشعوب العربية، وتدمير مكوناتها ومقوماتها ونهب ثرواتها وتكليف العدو الصهيوني عليها وابتزاز المتخادمين في توفير الحاضنات لها، والأرضية الملائمة، كما هو حاصل الآن من أزمات مختلفة وحروب متعددة، في الوطن العربي، يفضح تلك الارتباطات ويدل عليها.
لماذا نشرت أقوال مديري الاستخبارات هذه في أغلب وسائل الإعلام وأجهزتها المعنية الآن؟ وما الهدف منها؟ وهل هي بالونات اختبار؟ أم وقائع لمستقبل المنطقة العربية؟ إن الخطورة في كلامهما وتأكيداته في وسائل الإعلام الغربية خصوصا تكمن في وظيفتهما وطريقة الإعلان، إذ إن كلامهما ليس رأيا صحفيا أو ردا في مؤتمر إعلامي. وأنهما لا يقولان اجتهادا بل كما يبدو أو يتوضح، ما خططا له ورسماه في غرفهما السرية المغلقة وفي مشاريعهما المعبرة عن سياسات استراتيجية غربية لسنوات قادمة. وما يحدث على الأرض في العديد من الدول العربية يوثق لهما أو يصادق عليها ويفضح أعمالهما ورسائلهما المباشرة والواضحة. تصريح مدير الاستخبارات الفرنسية برنار باجوليه، بأن “الشرق الأوسط الذي نعرفه انتهى إلى غير رجعة، وأن دولا مثل العراق أو سوريا لن تستعيد أبدا حدودها السابقة”. يضاف له تأكيد مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية جون برينان، الذي أعرب عن ثقته في “أن المنطقة ستستقر مجددا في المستقبل وفق خطوط مختلفة عن تلك التي رسمت بعد الحرب العالمية الثانية”. لا تصدر هذه التصريحات بهذا الشكل وهذا المضمون إلا إذا كانت هناك أهداف حقيقية يراد أن تصل لشعوب المنطقة، ورسائل وافية من أحفاد سايكس ـ بيكو وإضرابهما، حيث سبق وأن سربت مثل هذه الإشارات والخطط، ولكن لم تأخذ صدمتها مثل ما يجري الآن في هذه التصريحات. ومن التجربة وما يحدث في المنطقة وقابلية التخادم والارتهان يخدم تلك المشاريع وتوجهاتها ويعيد للأذهان ما تم فعليا أثناء لقاءات واجتماع سايكس وبيكو حينها، وتبادل الأدوار والمصالح والخدمات.
يثبت ذلك ما يحدث اليوم في العديد من الدول العربية والإصرار على إشغالها بالحروب الداخلية وصناعة أزمات مختلفة الأبعاد والصعد لها، ومحاصرتها بشتى الوسائل، الأمر الذي يدخل في صلب هذه المخططات والمشاريع ويهيئ الأرضية للنتائج التي عبر عنها المسؤولان الاستخباريان مؤخرا. علما أن أوساطا أخرى مثلهما أو مشابهين لهما سبقتهما أيضا في تصريحات مشابهة أو تهديدات مبطنة بتلك الخطط والمشاريع العدوانية. فسربت خرائط وبرامج عن تفكيك دول عربية وإقليمية، وتفتيت كل منها إلى مجموعة من الكانتونات والدويلات العرقية والدينية والمذهبية والطائفية. من بينها ما نقل عن مدير المخابرات الأميركية السابق، مايكل هايدن، في تصريح لصحيفة “لو فيجارو” الفرنسية: أن هناك دولتين ستختفيان قريبا من منطقة الشرق الأوسط مشيرا إلى أن اتفاقيات سايكس ـ بيكو التي وضعت هذه الدول على الخريطة بمبادرة من القوى الأوروبية عام 1916 لم تعكس قط الوقائع على الأرض. وقال هايدن: “لنواجه الحقيقة: العراق لم يعد موجودا ولا سوريا موجودة، ولبنان دولة فاشلة تقريبا، ومن المرجح أن تكون ليبيا هكذا أيضا”، مضيفا: لدينا الآن الدولة الإسلامية والقاعدة والأكراد والسنة والشيعة والعلويون فيما يسمى سابقا سوريا والعراق(!).
لخص البروفيسور إدوارد جاناثان، بجامعة جورج واشنطن، هذه الأفكار بقوله “إن التقسيم أصبح الخطر الأكبر الذي يتربص بهذه المنطقة، وإن ما وصلت إليه دول العالم العربي من تشرذم وعجز عن أخذ زمام المبادرة بيدها، كان دافعا لمن يرى أن عناصر خطة تقسيم العالم العربي، طبقا لخريطة الشرق الأوسط الجديد، اكتملت، وأن مرحلة التنفيذ على أرض الواقع مسألة وقت فقط”. فمن سيصدق قوله، ومن يرد عليه وعلى تصريحات غيره؟!
رسائل أحفاد سايكس ـ بيكو واضحة، وهنا السؤال عن الإرادات والخيارات، لا بد من الانتباه اليوم لها قبل الغد والتاريخ غني بالدروس والعبر والوقائع والصفحات بصددها، وقبل فوات الأوان.

إلى الأعلى