الجمعة 15 ديسمبر 2017 م - ٢٦ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / السيسي والبرلمان الجديد .. شراكة أم صدام؟ أم محاصصة؟

السيسي والبرلمان الجديد .. شراكة أم صدام؟ أم محاصصة؟

محمد عبد الصادق

يبرر البعض انحياز لجنة الخمسين للنظام البرلماني عوضًا عن النظام الرئاسي الذي حكم مصر طيلة 60 عامًا, للظروف العصيبة التي تم خلالها كتابة الدستور بعد تجربتين مريرتين وثورتين أطاحتا برئيسين: حسني مبارك الذي جمع في يده صلاحيات واسعة مكنته من الجلوس على كرسي الحكم 30 عامًا رغم الفساد والفشل السياسي والاقتصادي والإداري وشبهة التوريث التي طاردته في أواخر أيامه وانتهى الأمر بالثورة عليه في الـ25 من يناير, ومحمد مرسي العياط الذي انحاز للأهل والعشيرة.

كلما سُئل أحد النواب الناجحين في المرحلة الأولى من الانتخابات البرلمانية التي جرت مؤخرًا في مصر عن الملفات ذات الأولوية التي يريد فتحها تحت قبة المجلس, جاءت إجابته حاضرة: تعديل مواد الدستور المتعلقة بصلاحيات الرئيس, والتي تعطي صلاحيات واسعة لمجلس النواب على حساب سلطات رئيس الجمهورية, ويضربون مثلًا بالمادة التي تجيز لمجلس النواب سحب الثقة من الرئيس وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة بناء على طلب موقع من غالبية أعضاء البرلمان وموافقة ثلثي الأعضاء, وهو ما يعني ـ حسب رأي معظم الأعضاء ـ أن بإمكان عدد من النواب أو الأحزاب التكتل داخل المجلس والإطاحة بالرئيس لأي سبب من الأسباب.
وأكد معظم النواب الرافضين للصلاحيات التي منحها لهم الدستور ـ حبًّا وإيثارًا للرئيس ـ اعتراضهم على المادة التي تعطي للبرلمان الحق في توجيه تهمة الخيانة العظمى ومخالفة أحكام الدستور لرئيس الجمهورية, وتتيح للمجلس في هذه الحالة بعد موافقة أغلبية أعضائه وقف رئيس الجمهورية عن العمل ومحاكمته أمام محكمة خاصة, كما استنكر النواب أن ينتزع الدستور من الرئيس سلطة سحب الثقة من رئيس الوزراء أو الوزراء ويعطيها للبرلمان, مما يترتب عليه ـ لا قدر الله ـ الإطاحة بالحكومة التي أتى بها سيادة الرئيس دون رضا البرلمان, وعلى رئيس الجمهورية في هذه الحالة تكليف رئيس وزراء آخر بتشكيل الحكومة وعرض برنامجه على مجلس النواب, فإذا لم تحصل حكومته على ثقة أعضاء مجلس النواب خلال 30 يومًا على الأكثر, يكلف رئيس الجمهورية رئيسًا للوزراء من الحزب الحائز على أكثرية مقاعد البرلمان, فإذا لم تحصل حكومته على ثقة المجلس, يصبح المجلس منحلًّا ويدعو رئيس الجمهورية لانتخابات برلمانية جديدة خلال 60 يومًا من صدور قرار الحل.
وتصاعدت هوجة صلاحيات الرئيس في الدستور, عقب إفصاح السيسي عن توجسه من تلك المواد في معرض حديثه عن اليد المرتعشة التي تعيق الأداء الحكومي في الوزارات والمحافظات والهيئات الحكومية, وأشار إلى أن الدستور “كُتب بنوايا حسنة, والدول لا تبنى بالنوايا الحسنة”. وبمجرد نطق السيسي لتلك العبارة, انطلقت حملة من الإعلام الحكومي والخاص المؤيد للسيسي تحذر من خطورة وجود مثل هذه الصلاحيات في يد البرلمان, ودعوا لضرورة تعديل هذه المواد وحذفها من الدستور في أول جلسة انعقاد للبرلمان الجديد, وفي المقابل خرج عدد من أعضاء لجنة الخمسين التي صاغت الدستور للدفاع عن الدستور ومواده, بعضهم طالب بالتريث حتى يتم تطبيق مواد الدستور أولًا ومن خلال الممارسة يمكن لمجلس النواب تعديل المواد التي يتبين عوارها, خصوصًا ومعظم مواد الدستور المتعلقة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والرعاية الصحية والتعليم لم يتم تطبيقها حتى الآن بسبب عدم اكتمال مؤسسات الدولة والأزمة الاقتصادية التي تمر بها مصر منذ أحداث الـ25 من يناير 2011م.
ويبرر البعض انحياز لجنة الخمسين للنظام البرلماني عوضًا عن النظام الرئاسي الذي حكم مصر طيلة 60 عامًا, للظروف العصيبة التي تم خلالها كتابة الدستور بعد تجربتين مريرتين وثورتين أطاحتا برئيسين: حسني مبارك الذي جمع في يده صلاحيات واسعة مكنته من الجلوس على كرسي الحكم 30 عامًا رغم الفساد والفشل السياسي والاقتصادي والإداري وشبهة التوريث التي طاردته في أواخر أيامه وانتهى الأمر بالثورة عليه في الـ25 من يناير, ومحمد مرسي العياط الذي انحاز للأهل والعشيرة، وحاول تمكين جماعته على حساب قطاعات عريضة من الشعب المصري, التي رفضت المساس بشكل الدولة وتغيير الهوية المصرية، فخرجت بالملايين ضد مرسي ودولة المرشد والإخوان في الـ30 من يونيو, ولم يكن السيسي وقتها أفصح عن رغبته في الترشح للرئاسة, بل أبدى أكثر من مرة زهده في المنصب.
وأصدر السيسي مئات القوانين والتشريعات منذ تولى مقاليد الحكم, حيث أعطى الدستور المصري للرئيس سلطة التشريع في غياب البرلمان, ويرى المعارضون أن بعض هذه القوانين والتشريعات لم تكن ملحة وكان يمكنها الانتظار حتى انعقاد مجلس النواب, بينما يرى الكارهون للسيسي أنه لا يريد برلمانًا نهائيًّا أو بالكثير برلمانًا صوريًّا لا يستطيع رقابة الحكومة أو سن القوانين ويتهمونه بإصدر قوانين معيبة مثل قانون الانتخابات الذي قلص فرص الشباب والأحزاب الجديدة التي نشأت بعد الـ25 من يناير في دخول البرلمان، وأفسح المجال للنخب القديمة “فلول مبارك والحزب الوطني” للعودة من جديد للبرلمان والسيطرة على الحياة السياسية.
ومصر في حاجة ماسة لإفساح المجال لممارسة سياسية حقيقية، تفرز جيلًا جديدًا يطرح رؤى ويقدم حلولا وتجارب مختلفة لمواجهة التحديات الداخلية والخارجية التي تواجهها بطرق مبتكرة بعيدًا عن البيروقراطية وفكر الموظفين, وأثبتت التجارب أن مصر تحتاج لرئيس له رؤية سياسية, فجمال عبدالناصر اشتبك مع الأحزاب والجماعات السياسية ومارس العمل السياسي منذ نعومة أظفاره، وكانت له علاقات واتصالات بكافة ألوان الطيف السياسي من الإخوان حتى الشيوعيين, ونفس الشيء أنور السادات الذي سجن أكثر من مرة قبل ثورة يوليو بسبب نشاطه السياسي واتهامه في قضية قتل الوزير أمين عثمان عميل الإنجليز والرافض لجلائهم عن مصر, بينما عانت مصر الأمرين في غياب هذه الرؤية في عهد مبارك ومرسي, فالأول اختاره السادات من المؤسسة العسكرية ليساعده في إدارة شؤون الحكم بمنصب نائب الرئيس وقفز لكرسي الرئاسة عقب اغتيال السادات، ولكنه كان يكره القراءة ويضيق ذرعًا بالعلماء والمفكرين ولم يكن لديه صبر على التفاصيل, وفي أواخر أيامه اهتم بخدماته وامتيازاته وترك أمور الحكم لزوجته وابنه جمال وموظفي الرئاسة. ورغم حصول محمد مرسي على الدكتوراه من أميركا إلًا أنه أمضى الـ5 سنوات مدة الدراسة هناك منكفئًا على نفسه خائفًا من الانفتاح على المجتمع الأميركي الكافر, ملتزمًا بتعليمات المرشد وأفكار جماعة الإخوان التي حظرت عليه الاتصال بدوائر صنع القرار أو حتى الاطلاع على النظام السياسي الأميركي, فعاد لمصر كما ذهب, حتى لغته الإنجليزية لم يطرأ عليها تطور يذكر, ورغم توليه رئاسة حزب الحرية والعدالة عقب نجاح ثورة الـ25 من يناير ظل شبح الرجل القوي في الجماعة خيرت الشاطر جاثمًا على شخصيته وسياسة السمع والطاعة وسلطة المرشد طوقًا في رقبته, ولم يستطع التخلص منها، وانتهى به المطاف للسقوط بعد أقل من عام في الحكم, بعدما خرج ملايين المصريين في الـ30 من يونيو 2013م وأطاحوا به وبجماعته.

إلى الأعلى