الإثنين 22 مايو 2017 م - ٢٥ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / في الحدث : اللاجئون لأوروبا ومستجدات صعوبة التكيف الاجتماعي

في الحدث : اللاجئون لأوروبا ومستجدات صعوبة التكيف الاجتماعي

طارق أشقر

فيما شهد الربع الأخير من العام الجاري نزوحًا كبيرًا وهجرات جماعية من مواقع مختلفة بالعالم في اتجاه أوروبا بسبب تعدد الحروب والصراعات، وأسباب أخرى متنوعة تتعلق بحقوق الانسان على مستوى العالم، فقد كان السواد الأعظم من أولئك المهاجرين يحلمون بحياة جديدة كريمة يسودها الأمن والاستقرار والطمأنينة.
والحلم نفسه ولكنه بصياغات أخرى كان يراود الكثير من الاقتصاديين الأوروبيين الذين يؤمنون بإيجابيات الهجرة التي كثيرًا ما تضخ في اقتصاديات الدول المستقبلة للمهاجرين قدرات بشرية جديدة يمكنها أن تسهم في توفير أيدٍ عاملة قليلة التكلفة رغم انخفاض كفاءاتها الفنية إذا ما قورنت بإمكانيات القوى العاملة الأوروبية، غير أنها ووفق الاقتصاديين تعتبر إضافة اقتصادية (كامنة) بمقدورها سرعة الاكتساب لصقل مهاراتها، مما يسهم بشكل مباشر في تخفيض كلفة الإنتاج في اقتصاديات رأسمالية تعاني ارتفاع كلفة القوى العاملة، ما أجبر الكثير من الشركات الأوروبية في العقد الأخير على البحث عن أسواق ذات كثافة سكانية عالية ليس لتسويق منتجاتها فيها، بل لتحويل صناعاتها لها لقلة تكلفة الأيدي العاملة فيها.
ورغم حالات (الجرسة) التي أبدتها بعض الدول الأوروبية خلال الشهور الثلاثة الماضية بسبب زيادة أعداد تدفق اللاجئين إليها، سارعت بالمقابل كثير من تلك الدول الأوروبية و(بشهامة) إلى فتح أحضانها إلى اللاجئين، ووسعت من ميزانيات الرعاية الصحية والاجتماعية وتقديم المساعدات الإيوائية لهم، وذلك في وقت اتسعت فيه دائرة الخوف من أن يسجل العام 2015 أعدادا مضاعفة من اللاجئين والنازحين.
وكانت المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، قد أصدرت في تلك الحقبة تقريرا يؤكد أن أعداد النازحين بسبب الحروب والصراعات والاضطهاد على مستوى العالم سجل رقمًا قياسيًّا في عام 2014، حيث زاد عدد من أجبروا على النزوح من منازلهم بحوالي ثمانية ملايين وثلاثمئة ألف شخص في العام الماضي وحده… وترى كيف ستكون إحصائية هذه المفوضية التي ستعلن عنها في نهاية العام الجاري 2015؟
وحتى تكشف المفوضية عن ما يتوقع أن تكون أرقامًا صادمة وتشكل خصما على الحضارة الإنسانية، يشكل واقع الحال لمن هاجروا إلى أوروبا في الربع الأخير من العام الجاري مصدر قلق إنساني حول مستقبلهم ومدى قدرتهم على التكيف في المجتمع الأوروبي، وذلك في وقت اتسعت فيه دائرة الخوف والحذر من المهاجر القادم من مناطق الصراعات خصوصا بعد موجة الأعمال الإرهابية المرفوضة التي اجتاحت العالم كأحداث فرنسا ولبنان ومالي الدامية والمسيئة للإنسانية وغيرها من مناطق لم تحظَ بالاهتمام الإعلامي الكافي.
إن كافة المؤشرات تتوقع مستقبلا مظلما لهولاء المهاجرين، وإحباطًا لا محالة سيعيشونه، مما قد ينعكس على حياتهم وسلوكهم كأفراد وعائلات وعلى تكيفهم الاجتماعي بالقدر الذي سيسهم في سيادة انطباعات، إن لم تكن قناعات بأنهم سيشكلون عالة أو خطرا على استقرار المجتمع الأوروبي بدلا من أن يشكلوا إضافة نوعية واقتصادية له، وذلك في مجتمعات ليس بالسهولة أن تتناسى ما عانته من ويل الرعب والخوف في ظل اتساع هستيريا الإسلامفوبيا التي اجتاحت أوروبا في العقد الأخير.
ولقد بدأت بوادر ظهور حالات القلق والخوف من المستقبل والإحساس بمؤشرات صعوبة التكيف الاجتماعي واضحة بين المهاجرين عبر ظهور بعد المبادرات الفردية في أوروبا، كالشاب المهاجر المعصوب العينين الذي انتشرت صورته في وسائل التواصل الاجتماعي الأسبوع الماضي وهو يقف في أحد شوارع العاصمة الفرنسية باريس حاملًا لافتة مكتوبًا عليها “يصفونني بالإرهاب وأنا لست إرهابيًّا، ثق بي وعانقني”، فتتابع الناس في مشهد إنساني مؤثر وهم يحضنونه الواحد تلو الآخر وعيون بعضهم تذرف دمعا متأثرين بهذا الموقف.
رغم أنه مبادرة فردية وموقف إنساني قوي، إلا أنه مؤشر أقوى يكشف الستار عن صعوبة المستقبل الذي سيعانيه المهاجرين واللاجئين إلى أوروبا في التكيف الاجتماعي في مجتمعات عانت الأمرين من هلع الإرهاب المرفوض ….. فهل آن الأوان لمعالجة جذور مشاكل الظلم واللاعدالة والاضطهاد في العالم حتى يتعزز احترام حقوق الإنسان، ويتراجع العنف، وتتمدد مساحات السلام لبني الإنسان في العالم أجمع؟

إلى الأعلى