السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / بداية سطر : الأبن السيء غمّ لأبيه، ومرارة لأمه

بداية سطر : الأبن السيء غمّ لأبيه، ومرارة لأمه

من أقوال السلف الخالدة إلى يومنا هذا:”نريد تهذيبا يعيد إلى ابن هذا الزمان شيم الأقدمين”، وقال أحد الفلاسفة ما يشبه هذه الحكمة:”الأخلاق كنز لا يفنى، وسراج لا يطفأ، وحلة لا تبلى”. وصدق أحد الشعراء حين قال:”لولا التفاوت في الأخلاق والأدب، تساوت الناس في الأقدار والرتب.
هذه الأقوال والأشعار تثبت بأننا لسنا محتاجين إلى كثير من العلم ما لم يرافقه أخلاق فاضلة..!! إنّ هذه الحكم الفاضلة تصلح في سائر الازمان، لأنّها تتبنى أسساً أخلاقيّة إنسانيّة، فيبدو لنا أنها تبني ولا تهدم، ولعلّ مصداقيّتها هي التّي جعلتها تصمد أمام الدّهر، وتعبر الثّقافات فلا تزول. إنه كذلك حينما ندرك أنّ بعض الأقوال والتصرفات المشينة المتناقلة عبر قنوات التواصل الاجتماعي تعد أمرا مسيئا لمجتمعاتنا وليس ذلك فحسب بل يعدّ هدم حقيقي لما يتم من تربية في البيوت أو دور العلم، لأن التربية الهشة من بعض المربين سواء في البيوت أو بعض المؤسسات أعتبرها تربية ظرفية لا تصلح لوقت كهذا حين فقدت قيمتها المرجعيّة، وسلوكياتها المحضة التي أفقدتها المتابعة والتقييم من القائمين عليها، وما يتبع ذلك من تحيين وتنقيح للسلوكيات المنفتحة على المستحدثات الإلكترونية العصرية وإدراجها في قالب الإفادة للقيم دون الإساءة لها.
إننا نقصد في هذا النص ذلك السلوك المشين الذي يتعدى عتبة أبوابنا فيدخل عقر ديارنا دون استئذان ودونما خوفٍ من نابٍ أو ظفرٍ، عندئذٍ نسمح له بالدخول فيعتدي على قيمنا ومبادئنا راضيين عليه.. نريد الاشارة هنا إلى الممارسات الخاطئة التّي يمارسها أبنائنا وربما نمارسها نحن، حين تفد علينا عبر شبكة الانترنت، والتّي يراها البعض ضربا من التقدم والتطور التكنولوجي الذي أرمي إلى طرحه في مقال اليوم.
حينما نفتح أذهاننا ونسمع عن التطورات المتسارعة في مجال التكنولوجيا المعلوماتية والاتصالية ندرك عندئذ أنّها تطوّرات استغلّها الواعون من النّاس لتثقيف أنفسهم وفتح أبواب الإبداع والاختراعات، بدليل أنّ الأطفال في كثير من بلدان العالم أصبحوا مبدعون حقّا لكثير من البرمجيّات والأفلام الخياليّة انطلاقا من تراثهم. ومردّ ذلك إلى أنّ آباءهم قد وجّهوهم بحكمة إلى المفيد دون المسيء، فرغبوا عن كلّ ما يسيء بفضل هذه التّربية غير العنيفة، فأصبحوا يبشّرون بخير وهم في الرّضاعة، ويتنافسون في الإبداع ومجاراة الأمم المتقدّمة، ولكن كيف حالنا مع هذا التّطوّر التّكنولوجيّ عامّة وتربيتنا العائليّة تجاهه على وجه الخصوص؟.
الحقّ يقال، إنّ التّكنولوجيا أصبحت لدينا سلاحاً ذا حدين، سلاح يحمل العلم والخير والانفتاح وآخر معاديا لقيمنا ومبادئنا ودخيل على أفكارنا فبات عدوا يعادينا، بيد أن نفوسنا باتت عدو تعادينا، فلم ادرك عدو أعدى من النفس على ذاتها، خصوصا متى ما جهلت وانغمست في ملذاتها وشهواتها فسقطت خانعة ذليلة منقادة لعثراتها وسقطاتها وفي حقيقة الأمر تلك مزاحمة زاحمتنا بها سوء أخلاقنا فغوينا الطريق وضللنا ذلك بعينه ما نسمع ونشاهد عن مآس خدشت الحياء في البيوت وطلقت القيم في بعض الأحياء والسكنى، فما أخبركم به ليس من نسج الخيال بل واقع في المجتمعات حين ينقاد أبناؤنا خلف النكات الشاذة والمقاطع المرعبة والمشينة للخلق وينجروا خلف الألعاب المباحة بأخطائها ومحرماتها وشذوذها.
إنّه من علامات التّباهي بالمظهر دون الجوهر ما نراه اليوم من السّعي الدءوب إلى اقتناء الثّمين من الهواتف النقالة وأجهزة اللعب للأطفال دون حسيب أو رقيب في البيوت ضاربين عرض الحائط ثمين القيم ومكارم الأخلاق فتركنا لهم الحبل على غاربه يتراقصون كيما شاءوا ومتى ما ارادوا، وإذا اقتصر الأمر على حبّ المظهر والتّنافس في الثّمين “فلا ضرر ولا ضرار”، لأنّ ذلك حق طبيعي.
غير أنّ الأمر يتجاوز هذا المستوى ليصل إلى تهديد ثقافتنا ومحاولة استئصالها، وإفراغنا ممّا جبلنا عليه من احترام وأخلاق، حيث نلحظ مؤخرا أطفالا وشبابا يحملون هواتف نقالة مثقلة بمآسي إباحية لا تمتّ إلى الأخلاق بصلة رحم. والكلّ يدرك ذلك والصّمت عليه أصبح تدريجيّا يدمّر صغارنا من الدّاخل، فيروّجون ثقافة غير ثقافتنا، فهل مردّ الأمر إلى تقصير الوالدين في أداء واجبهم المتمثّل في مراقبة هواتف الأولاد بانتظام وتوجيه الصّغار نحو التوظيف الأمثل، أم مسؤوليّة جماعيّة وعلى الكلّ المساهمة في صدّ تياره؟ إنّ هذا ضريبة التطور التقني حقّا..!!
كل إنسان مسئول عن تصرفاته، إلا انها أساءت للجميع ونحن مطالبون في هذا المجتمع تحمل أعباء الأمانة وتربية هذا الجيل تربية قيّمة والوقوف على تربيتهم تربية سليمة.
نعم هذه حقيقة لا يمكن السكوت عليها وأن ننتبه إلى تصرّفات الأبناء الخاطئة، ولندرك بأن الابن الجاهل والسيء غمّ لأبيه، ومرارة للتي ولدته.

د . خلفان بن محمد المبسلي
Khalfan1oman@gmail.com

إلى الأعلى