الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الاقتصاد / القانون والناس : حرية الرأي والتعبير عنه في النظام الأساسي للدولة

القانون والناس : حرية الرأي والتعبير عنه في النظام الأساسي للدولة

نعاود قراءتنا في النظام الأساسي للدولة لبيان الحقوق والحريات التي أقرها النظام الأساسي. وكفل لها من الضمانات التي تعينها وتحميها… ونخصص مقالتنا هذه للحديث عن “حرية الرأي والتعبير عنه” باعتبارها من الحريات ذات العلاقة المباشرة بالحرية الشخصية للفرد كما أنها تعتبر- وفق أغلبية الفقه الدستوري- بمثابة الأم لسائر الحريات الفكرية والمظهر الحضاري لأي أمة، والمرآة العاكسة لأي مجتمع يقر بحقوق وحريات أفراده… فماذا تعني حرية الرأي والتعبير عنه؟ وما هي الضمانات التي كفلها النظام الأساسي للفرد لممارسة هذه الحرية…؟ وهل يحدها قيود، أم أنها حرية مطلقة…؟ كل هذه التساؤلات نجيب عليها في مقالتنا هذه… فحرية الرأي والتعبير عنه تعني “قدرة الفرد على التعبير عن آرائه وأفكاره بحرية تامة وبوسائل مختلفة سواء بالقول أو بالنشر أو بالكتابة أو عن طريق الوسائل المسموعة والمرئية أو المقروءة (الصحافة).”… وهنا يجب التفرقة بين حرية الرأي وحرية التعبير عنه، فالأولى: مسألة داخلية كامنة في النفس البشرية لا تحتاج إلى نص أو حماية وبالتالي فهي حرية مطلقة لا تنفع معها رقابة، باعتبار أن للإنسان أن يعتنق ما يقتنع به من آراء وأفكار… في حين الثانية أي حرية التعبير عن الرأي تتم ممارستها من خلال طرح الشخص رأيه على الآخرين بإحدى أو أكثر من وسيلة من أجل إقناعهم بما هو يؤمن به، ولذلك فهذه الحرية تحتاج إلى حماية وضمانة لممارستها ويقابلها في ذات الوقت واجبات على الفرد الذي يمارسها بحيث تكون هذه الحرية في حدود القانون… والقارئ للنظام الأساسي العماني يمكنه – وبلا شك – القول بأنه نظام أقر حق حرية الرأي والتعبير عنه. وأوجد له من الضمانات التي تعينه… وذلك كله وفق القانون. ويمكننا الإحاطة بذلك من خلال النقاط الآتية:
(أ) حرص النظام الأساسي للدولة على ضمان حرية الرأي والتعبير عنه، وكفل لكل إنسان حق التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة وسائر وسائل التعبير كالتصوير مثلا. وهذا ما أكدته المادة (29) منه بالقول “حرية الرأي والتعبير عنه بالقول أو الكتابة وسائر وسائل التعبير مكفولة في حدود القانون.”
(ب) أكد النظام الأساسي للدولة على بعض الوسائل وخصها بذلك باعتبارها أقدم وأقدرها على التعبير عن الرأي (الصحافة والنشر) بدلالة ما صرحت به المادة (31) من النظام الأساسي للدولة “حرية الصحافة والطباعة والنشر مكفولة وفقا للشروط والأوضاع التي يبينها القانون ويحظر ما يؤدي إلى الفتنة أو يمس أمن الدولة أو يسئ إلى كرامة الإنسان.”
(ج) مقابل هذه الحرية – أجاز النظام تقييد حرية التعبير عن الرأي بمقتضى القانون ويدلل على ذلك استخدامه لعبارة “في حدود القانون” وبما يحقق غايات هذه الحرية وبما لا يعطل مضمونها ولا يتناقض والأغراض المقصودة من إرسائها… وعلى هذا فإن حرية التعبير عن الرأي لا تتم بشكل مطلق وإنما تخضع لقيود قانونية تستهدف حماية وحرية الآخرين والصالح العام… ولذلك فإن النظام الأساسي أوجب على السلطات العامة في الدولة ضمان وكفالة ممارسة هذه الحرية في حدود القانون… ومن بين هذه القيود والحدود: (1) عدم جواز إبداء الرأي بالقول أو الكتابة أو بالنشر بوجه يمس أمن الدولة أو النيل من هيبتها وإلا وقع الشخص تحت طائلة العقاب… بدلالة المادة (135) من قانون الجزاء العماني “يعاقب بالسجن مدة لا تقل على ثلاثة أشهر ولا تزيد على ثلاث سنوات وبغرامة لا تقل على مائة ريال ولا تزيد على خمسمائة ريال كل من حرض أو أذاع أو نشر عمدا في الداخل أو الخارج أخبار أو إشاعات كاذبة أو مغرضة أو بث دعايات مثيرة وكان من شأن ذلك النيل من هيبة الدولة أو إضعاف الثقة بمكانتها المالية.”. (2) عدم جواز المساس بسلامة الأفراد وكرامتهم سواء كان ذلك بالقول أو الكتابة أو أي طريقة أخرى… وبمعنى آخر يجب على الفرد وهو يعبر عن رأيه أن يحترم حرية وآراء الآخرين… فالتهديد والتحقير والذم والتشهير والقدح جميعها تستوجب الحكم على فاعلها بالعقوبات المحددة في قانون الجزاء العماني أو أي قانون آخر… نخلص من ذلك أن قوانين الدولة كفلت لكل عماني التعبير عن رأيه وفي حدود القانون وهذا ما أكده جلالة السلطان وفي أكثر من مناسبة “لقد كفلت قوانين الدولة وأنظمتها لكل عماني التعبير عن رأيه والمشاركة بأفكاره البناءة في تعزيز مسيرة التطور التي تستهدفها البلاد… غير أن حرية الرأي لا تعنى بحال من الأحوال قيام أي طرف باحتكار الرأي ومصادرة حرية الآخرين في التعبير عن آرائهم…”.

د. سالم الفليتي
أستاذ القانون التجاري والبحري المساعد- كلية الزهراء للبنات
محام ومستشار قانوني
كاتب وباحث في الحوكمة
والقوانين التجارية والبحرية والاتفاقيات الدولية
Salim-alfuliti@hotmail.com

إلى الأعلى