الخميس 23 مارس 2017 م - ٢٤ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / كلمات إلى عبدالرزاق عبدالواحد

كلمات إلى عبدالرزاق عبدالواحد

علي عقلة عرسان

فيال أولئك الكبار من حَمَلَةٍ أمناء، لخلاصات التجارب، التي تؤول مع الزمن حكمة. ويالهم من وعَّاظ، في حياة تكثر فيها الزلات والعثرات، وتكثر فيها الدروس والعِظات، ولا يكف الناس مع ذلك عن الفوران واللجاج في دروب ومواقف، هي صُوىً على طريق لاحبةٍ، تفضي إلى النهايات، حيث الباقيات الصالحات. إننا في تلك الطريق المفضية إلى “بلد مَجْهَل، أو عالمٍ مَجْهَل”، لا نكف عن الحبو والركض والقفز والكَبو، ونسقط في الحُفَر ذاتها التي سقط فيها السابقون..

في الزمن الذي كان فيه العراق يَحْكُم بإرادة عربية لها وعليها، رافقتُ ثلاثة من شعرائه الكبار إلى مثايهم الأخيرة، حيث كانوا في دمشق ووارهم ثراها، وهم: محمد مهدي الجواهري، ومصطفى جمال الدين، وعبدالوهاب البياتي.. الأولان أُسْكِنا ثرى السيدة زينب، أما الثالث فزُسكن سفح جبل قاسيون. وكانت لي مع كل منهم علاقة مودة، وحين مشيت في جنازته، كان ألمي يمتد بين دمشق وبغداد، وأرى في الخلاف الطويل بينهما جراح الأمة ودموعها، على ما يشبه تمازج الدمع بالدم. وفي الزمن الذي أصبح العراق فيه يُحْكَم بغير إرادته، وعليه أكثر مما له، في تقدير كثيرين من أبنائه وغير أبنائه.. قربتني الظروف، وفي دمشق، من شاعرين عراقيين عزيزين، وأصبحت على صلة وتفاهم مع ثالث، الأولان هما: عبدالرزاق عبدالواحد، وساجدة الموسوي، أما الثالث فحميد سعيد، الذي أقام في عمَّان، ولها موقع في نفسه، وله موقع فيها. هذا إضافة إلى زملاء كثر، من الشعراء والكتاب والأدباء العراقيين الأعزاء، بينهم أصدقاء كثر، منهم الدكتور نجْمان ياسين، والدكتور علي جعفر العلاق، لم أعد أعرف عنهم شيئًا، لأن الأيام عبثت بنا جميعًا.
مناسبة هذا الحديث ساقتها وفاة الشاعر عبدالرزاق عبدالواحد، في أحد مشافي العاصمة الفرنسية باريس، صباح يوم الأحد 26محرم 1437هـ/8تشرين الثاني 2015م، عن عمر ناهز 85 عامًا، وواراه ثرى عمَّان، كما طلب. وقد نشأت بيني وبين المرحوم عبدالرزاق عبدالواحد علاقة امتزج فيها الود بالشعر، أو العكس، سمعت منه وسمع مني، وتبادلنا قراءة الشعر، وأستعيد “يا صبر أيوب”، ويسمع مني “البوسفور”، ونتبادل الحديث في الكثير من شؤون الأدب والسياسة.. ودامت علاقتي به، والعلاقة بين زوجته وزوجتي، مدة أطول مما كان لي مع غيره، ممن أقدر وأحترم من شعراء العراق وكتابه وأدبائه. وقريب من تلك العلاقة، من حيث المدة والبعد الأسروي والاهتمام الشعري، كانت علاقتنا مع نخلة العراق، كما يسميها عراقيون، أي الشاعرة ساجدة الموسوي.
في السنوات الأخيرة، وفي الحرائق السورية، التي شاكهت حرائق العراق، وفاقتها في حالات.. كنت أذكره، وأذكر أحاديثنا عن بغداد، فيمتشق حزني رماحَه، ويطعن مني الروح والجسد، كيف شاء وأنى شاء، ويغمر الدم المتفجر من شرايين الحياة، جسمًا وروحًا، صارا “الشوق، والحسرة، والألم” في قَرَن “ثلاثي” واحد، إن صح التعبير. وأنا أجيز هذا القَرَن الثلاثي، لرؤيتي إياه واقعًا، في مواطن من أرض الشام، في وقت مضى من زهو الشام.. ويتجدد ذلك الحزن على مصير عاصمتين حضاريتين كانتا للعرب والمسلمين، وللعالم أجمع، هما دمشق وبغداد، اللتان حل بهما ما حل، في زمن عربي رديئ هو سوأة الزمن.
في السنوات الأخيرة طال افتقادي للصديق عبدالرزاق، وحاولت معرفة أراضيه، وطير الغربة نقّال، فشبِّهت لي أمكنة في الأرض، لكن لم أتحقق من وجوده في مكان ممما شبه لي منها، لأسباب وأسباب وأسباب.. والنتيجة أنني لم أحظ بفرصة التواصل معه، قبل رحيله، رحمه الله، حيث قرأت خبره.. وآلمني ألا يكون، وألا نكون في الشام، أو في بغداد، يمتعني بحيدثه وشعره، وعلى لسانه عذب دجلة، وألا أسامره في دمشق، وفي مقلتي خضرة ضفاف بردى.. قبل الرحيل، الذي بدأه، من أرض غربة هي باريس. وخلته هناك وحيدًا، مشتاقًا، محاصرًا بالوحدة والغربة، يقول:
لا هم يلوحون.. لا أصواتُهم تصلُ
لا الدار، لا الجار، لا السمار، لا الأهَلُ
وأنتَ تنأى، وتبكي حولك السُّبُلُ
ضاقت عليك فِجاج الأرض يا رجلُ!
يا نائيَ الدار.. كل الأرض موحشةٌ
إن جئتها لاجئًا ضاقت به الحِيَلُ
سالت نفسي حسرة عليه، وعلى أمثاله وأمثالنا في الغربة، واستعدت بعض غصص تلك الغربة.. “الغربة عن الوطن، وفي الوطن.. والغربة عن الناس.. وبين جموع الناس، والغربة عن الذات في لحظات توهّج الذات!!.. ولا أعرف كيف أطبقت عليّ الغربة، ولي معها، ولها معي صحبة، “ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى..”، وقد سجّلت بعض لفحاتها النارية في ديواني “تراتيل الغربة”، كما لا أعرف كيف حاصرني الأجداد الجاهليون، ببعض ما أصابهم من مصاب الدهر، ومن غربة، وببعض ما سال من حكمة في شعرهم. في تللك اللحظات خلتهم يتناوبون عليّ، إنما واقع الحال أن نفسي كانت تستدعيهم، أو تستنجد بهم، لما حل بها وبالأصدقاء، وبالعواصم، والأوطان، والناس من نائبات.. كنت أصغي إليهم، وبي ما بي من لوعة وحسرة وخوف، وفي دواخل النفس اهتزاز اعتزاز بما تركوه لنا.
كان المجلي بينهم، في الحضور، ذو القروح، تراءى لي يلوح بجراحه من أنقرة، زمن إيابه من بحث عن نُصرة، ليثأر لأبيه ويسترد ملكه.. لكنه ابتلي بما ابتلي به من داء، وها هو يشكو ويعظ، حيث يقول:
تَأَوَّبَني دائي القَديمُ فَغَلَّسا أُحاذِرُ أَن يَرتَدَّ دائي فَأُنكَسا
وَما خِفتُ تَبريحَ الحَياةِ كَما أَرى تَضيقُ ذِراعي أَن أَقومَ فَأَلبِسا
فَلَو أَنَّها نَفسٌ تَموتُ جَميعَةً وَلَكِنَّها نَفسٌ تُساقِطُ أَنفُسا
وَبُدِّلتُ قَرحًا دامِيًا بَعدَ صِحَّةٍ فَيا لَكِ مِن نُعمى تَحَوَّلنَ أَبؤُسا
وكان الحاضر بعده، قول من لبيد بن ربيعة، الذي رسم صورة قاتمة لما بعد الفَقد، في رثائه لأخيه، فقال:
ذهب الذين يُعاش في أكنافهم وبقيت في خلْفٍ كجلد الأجربِ
لكن لبيدًا جاءني ليعظ، وليذكِّر، وليضيف قولًا على قول ذي القروح، هو من خلاصات الحوادث والتجارب، ودروس الزمن، قال لبيد:
فَإِن تَسأَلينا فيمَ نَحنُ فَإِنَّنا عَصافيرُ مِن هَذا الأَنامِ المُسَحَّرِ
عَبيدٌ لِحَييِّ حِميَرٍ إِن تَمَلَّكوا وَتَظلِمُنا عُمّالُ كِسرى وَقَيصَرِ
هَلِ النَفسُ إِلّا مُتعَةٌ مُستَعارَةٌ تُعارُ فَتَأتي رَبَّها فَرطَ أَشهُرِ
يا الله، هل يرانا لبيد بن ربيعة اليوم، يا عبدالرزاق، موزّعين بين واشنطن وموسكو، كما كان أجدادنا الأوائل موزَّعين بين كسرى وقيصر؟! وهل يغفر لنا أن نشتري بدمائنا وثرواتنا ولاء يقتلنا قتلًا، حيث يتقاتل بنا الأقوياء، ليبلغ كل منهم غايته، بينما ندفع نحن ثمن الولاء أرواحنا.. لكن “بإباء، وبكم لا يُستهان به من الغباء.”؟!آه عفوك يا جدنا لبيد، عفوك وعفو الجاهليين الآخرين من أمثالك.. كأن الزمن دار دورة بعد دورة، فأعادنا، بعد أن غلَبْنا الفرسَ والروم، وبعد أن أقمنا منارات الحضارة الممتدة بشموخ، بين خَوارزم وقرطبة وغرناطة.. كأن الزمن أعادنا إلى وراء الوراء، وإلى تبعية مقيتةٍ لإمبراطوريات لا ترحم، وقوى ذات شوكة ونفوذ، عداؤها لنا مقيم، وإلى إمرة قياصرة وأكاسرة جدد؟!.. فصرنا إلى ضعف ومقت وذل وظلم، وفساد، وطغيان.. وكلٌّ مهَّد الطرُقَ إلى فتَنٍ دواهي، وأشعل نارها ظلمُ ذوي القربى، ذاك الذي أضعف وأدمى، ودمَّر وأفنى، وقرَّب العدو وأبعد الصديق.. ظلم صوَّر طَرَفَةُ بن العبد وقعَه في النفس وعليها، فأجاد وأوفى، حيث قال:
وظلمُ ذوي القربى أشدُّ مضاضة ً على المرءِ من وَقْعِ الحُسامِ المُهنّدِ.
ولم ينس جدنا ابن العبد ذاك، أن يعظ كل حي ويذكره، بأن الدهر دولاب، وأنه قهّار غلاب، وتلك رؤيته، وذاك قوله:
أرى العيش كنزًا ناقصًا كلَّ ليلة ٍ وما تَنقُصِ الأيّامُ والدّهرُ يَنفَدِ
لعمرُكَ إنَّ الموتَ ما أخطأ الفتى لَك الطِّوَلِ المُرخى وثِنياهُ باليَدِ.
ولم يتأخر عليّ، وأنا في وضعي المأساوي ذاك، جدي الهُذَليِّ الذي مات في أرض غريبة، ودفن في صحراء غربة، لم يتأخر علي، وهو القائل:
هل الدهرُ إلا ليلةٌ ونهارُها وإلا طلوع الشمس ثم غِيارُها
وفي رواية “غيابها”.. فقد طرق أبو ذؤيب، خويلد بن خالد، السمعَ والقلبَ بقوة، وشمخت صورته أمامي، شاحب الوجه، مشدوخ الصوت، يشخُبُ جرحُ قلبه دمًا على بنيه الخمسة، ومنهم “نُشَيْبَة”.. فقال، بعد أن ذكر فقيدَه والقدَر القهار:
يقولون لو كان “بالرَّمل”لم يمت “نُشيبةُ”، والطُرَّاق يكذب قيلُها
ولو أنني استودعتُه الشمسَ لارتقت إليه المنايا عينُها ورسولُها
ثم وعظ شيخ الهذليين، وهو المجرِّ الملتاع:
وإذا المنيةُ أنشبت أظفارها ألفيتَ كل تميمةٍ لا تنفعُ
لا بدَّ من تلفٍ مقيمٍ فانتظر أَبِأرضِ قومك أم بأخرى تُصرَعُ
والنفس راغبة إذا رغَّبتها فإذا تُردّ إلى قليل تقنعُ.
فيال أولئك الكبار من حَمَلَةٍ أمناء، لخلاصات التجارب، التي تؤول مع الزمن حكمة. ويالهم من وعَّاظ، في حياة تكثر فيها الزلات والعثرات، وتكثر فيها الدروس والعِظات، ولا يكف الناس مع ذلك عن الفوران واللجاج في دروب ومواقف، هي صُوىً على طريق لاحبةٍ، تفضي إلى النهايات، حيث الباقيات الصالحات. إننا في تلك الطريق المفضية إلى “بلد مَجْهَل، أو عالمٍ مَجْهَل”، لا نكف عن الحبو والركض والقفز والكَبو، ونسقط في الحُفَر ذاتها التي سقط فيها السابقون، وهي حُفَرٌ كَتب عليها المجربون تجاربهم، وأبقوا كتابتهم وضاءة على جبين الدهر، أبقوها صفحات لمن يقرأ، وعِبَراَ لمن يعتبر.. لكن هيهات.. هيهات.؟!! ومع ذلك، يبقى علينا أن نحلُم، ونأمل، ونعمل. ولأننا لا نملك اليقين المطلق، ولأن الحقيقة ضالة المؤمن، ينشئها ويبحث عنها دائمًا، ولأن الحياة تكليفٌ، وخبرة، وكشف.. ولأننا لم نُخْلَق سدى، ولأننا لا نعرف المآلات النهائية معرفة يقينية تشبه القابض على الحقيقة.. اللهم إلا فيما يتصل بأن هناك حياة وموتًا، وما بينهما، وما يُبنى عليهما.. فربما جاز لنا أو لبعضنا، أن يقول: لعل في الغفلة عن بعض ما يُكتَب في صفحات العيش، دفعٌ للناس في مسارات الحياة، بشيء من الأمل، أو بما توفره الغفلة من استمرارية في السير على الطريق المفضية إلى.. إلى..؟! هل هناك من يعرف، ويدرك، بيقين تام..؟! وحتى لو كان السير نوعًا من النوم، أو فعل المنوَّمين..؟! ففي ذاك المدى يستمر العيش، وتتابع القافلة سيرها في صحراء الزمن المنهكة.
تنفست قليلًا في فضاء حكمة الأجداد الجاهليين، وهدأت نفسي حين أشرقت في ذاكرتي الآيتان الكريمتان، من سورة لقمان: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّـهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّـهِ الْغَرُورُ (٣٣) إِنَّ اللَّـهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّـهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)
وفئتُ نفسي، وإلى المناسبة التي كان بسببها هذا الومض، في زمن عربي لا يجد فيه الميت كفنًا، في بعض المناطق المنكوبة بأعدائها وببعض أبنائها، لا سيما الآن، وفي أرض الشام وبغدان. فئت إلى نفسي، وآل بي الحال، بعد بعض راحة البال التي أسبغتها علي الآيتان الكريمتان.. آل بي الحال إلى صديقي المرحوم، المندائي العراقي، العربي: “لسانًا، وقلبًا، وعقلًا، وبيانًا”، الشاعر عبدالرزاق عبدالواحد. الذي فاضت روحه في باريس غريبًا، وبعيدًا عن العراق الذي أحب، وعن الشام الذي لم ينس ودَّها ولا ذكرها، وعن أرض ما فارقتها روحه في الحياة، هي أرض الوطن الكبير.. فقلت على البعد، بوجدٍ وإحساسٍ عميقٍ بالفَقد: طب نفسًا يا صديقي، ولتهدأ روحك في ضريحك.. أنت في عَمَّان، وعَمَّان أيضًا من أرض الشام، والعراق والشام بيت واحد، بل هما بعض غرف بيت العرب الكبير الواحد، الذي أنت أحد أعمدة شِعْره الجميل، الأصيل، الحامل للحدث والمعنى، في سحر بيان، و”إن من البيان لسحرا”، والمعبر عن الحال ببهاء وجمال وجلال، والموغل في روعة هي الإبداع.. وهو مما سيبقى، ويعيد على مسامع الأجيال، بعض ما أعاده ويعيده على مسامعنا الجاهليون وغيرهم من شعراء العرب والعربية.. أولئك الذين يعرفون قيمة هذا اللسان العربي القويم، فيفخر بما قدموه المنتمون لهذا اللسان، من أهل الفصاحة والأصالة والبيان.. وشعرك يا صديقي هو في صلب البديع الباقي من تراث الأمة العرب، التي لن تذل ولن تفني، وسوف تستعيد ذاتها وحضورها بعون الله.
الرحمة لك، والصبر والسلوان لذويك.. وسلام عليك حيًّا وميتًا.

إلى الأعلى