السبت 21 يناير 2017 م - ٢٢ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / سوريا المستباحة، ومن غدا؟

سوريا المستباحة، ومن غدا؟

أحمد مصطفى

” من الصعب القول بأن أي تسوية او حل في سوريا سيكون نتيجة هذا التدافع المزدحم لقصف داعش، إنما ستكون محاولة لتحقيق استباحة سوريا بالتفاوض بدلا من القوة العسكرية والإرهاب. وما تصاعد الحديث عن تدخلات برية بحجة مكافحة الإرهاب سوى إشارة على ذلك، بل إن عدم تقاطع مصالح الراغبين في التدخل قد يعقد أي تسوية أو حل سياسي.”
ــــــــــــــــــــــــــــ
فيما عززت فرنسا غاراتها على سوريا، مستهدفة كما تقول داعش التي اعتبرتها مسؤولة عن هجمات باريس الاسبوع الماضي، بدأت بريطانيا تحركا لتوسيع مشاركتها في تحالف مكافحة الإرهاب ليشمل غارات على سوريا. كذلك اعلن الأميركيون أن قوات خاصة أميركية ستبدأ في غضون أيام عمليات ضد داعش في سوريا. يبقى الأهم هو الحشد التركي على الحدود السورية وتكرار التصريحات حول تدخل بري تركي بحجة حماية الأقلية التركمانية. لكن الهدف هو ما ترغب فيه تركيا منذ بداية الصراع في سوريا من فرض منطقة عازلة بطول حدودها الممتدة مع سوريا وبعمق 30 كيلومترا. وسبق أن صرح الأتراك أنهم اتفقوا مع الأميركيين على منطقة عازلة شمال حلب، لكن الأميركان نفوا ذلك. وليس هدف الأتراك محاربة داعش، كما تقول التصريحات العلنية، بقدر ما هو كسر شوكة الأكراد في شمال سوريا.
جاء كل ذلك التصعيد في استباحة الأجواء السورية، واحتمال أراضيها، ليس فقط بسبب هجمات باريس التي تبنتها داعش إنما بعد التدخل العسكري الروسي وقصفهم المكثف والموجع لداعش وبقية الجماعات الإرهابية في سوريا. وبغض النظر عن موقفنا من النظام السوري، أو من كامل الصراع في سوريا، يبقى أن التدخل الروسي هو الوحيد الذي يمكن أن يكتسب صفة “الشرعية” حسب القواعد السياسية للعلاقات الدولية (وإن أصبحت تلك القواعد حبرا على ورق الأمم المتحدة عديم الجدوى). فالتدخل العسكري الروسي تم بطلب من الحكومة السورية الشرعية في دمشق، ولا يوجد هناك بديل حتى الآن يمكن القول أنه يمثل الشعب السوري استدعى بقية التدخلات.
أما موضوع مكافحة الإرهاب و”القضاء على داعش” فقد اصبح نكتة سخيفة ممجة بعد أكثر من عام من جهد حربي لأكثر من أربعين دولة في تحالف مكافحة الإرهاب لم يسفر إلا عن تمدد داعش وتوسيع التنظيم لرقعة الأراضي التي يسيطر عليها في العراق وسوريا. والحقيقة أنه ربما كشف التدخل العسكري الروسي فشل تلك الجهود الدولية. لنأخذ على سبيل المثال قصف الروس مؤخرا لمقدرات داعش النفطية في سوريا، ما استدعى أن يقوم الأميركان بالمثل ـ كي لا يبدو أنهم يسمحون لداعش بالحفاظ على مصدر تمويلهم. المثير، ان الأميركيين كانوا يحذرون مهربي نفط داعش مسبقا قبل قصف الصهاريج والحاويات التي تنقل النفط إلى تركيا ليباع في السوق السوداء ويوف الملايين لداعش. وبدا كأن الأميركيين يحذرونهم ليس كي لا يسقط المهربين وإنما تفجر الصهاريج وتشتعل فتكون مادة فيلمية جيدة للعلاقات العامة في مكافحة الإرهاب.
بالنسبة للأتراك، فهمهم الأساسي هو درء ما يعتبرونه “الخطر الكردي”، ومع الدور الذي يلعبه الأكراد في مقاومة داعش يكسبون نفوذا في شمال سوريا كما في العراق. وهذا يقلق الترك كثيرا ويثير مخاوفهم من تصاعد الشعور القومي لدى الأكراد. أما بقية الخواجات، فينطبق عليهم المثل الشائع: “كل يغني على ليلاه”. فالفرنسيون وغيرهم، ومنذ بداية أزمة سوريا يستهدفون، الإرهابيين الأوروبيين الذين انضموا لداعش ويشكلون خطرا على بلدانهم حال عودتهم إليها. وحين ازداد عد هؤلاء وخطرهم حاولت تلك الدول الأوروبية حث تركيا على منعهم ـ سواء من الذهاب إلى سوريا أو العودة منها ـ ولم يجد ذلك نفعا. وهكذا الحال بالنسبة لكل من يشارك في التحالف الدولي، إلا قليلا ممن يعنيهم الأمر مباشرة ويرغبون فعلا في التخلص من خطر داعش كليا لأنه لا مصلحة لهم في وجود التنظيم. لكن يبدو أن ذلك النفر القليل لا يجد بقية دول قصف داعش على نفس خطه (ربما لأن لها مصلحة في عدم القضاء نهائيا على التنظيم).
من الصعب القول بأن أي تسوية او حل في سوريا سيكون نتيجة هذا التدافع المزدحم لقصف داعش، إنما ستكون محاولة لتحقيق استباحة سوريا بالتفاوض بدلا من القوة العسكرية والإرهاب. وما تصاعد الحديث عن تدخلات برية بحجة مكافحة الإرهاب سوى إشارة على ذلك، بل إن عدم تقاطع مصالح الراغبين في التدخل قد يعقد أي تسوية أو حل سياسي. ولربما يكون من المنطقي أن يتصور المرء أن هذا التصعيد هو بداية حل، باعتباره المرحلة الأخيرة من استعراض القوة من جانب كل طرف لتحقيق أكبر مكسب له ـ على حساب سوريا في النهاية طبعا ـ في أي عملية تسوية. فغالبا ما تجري الأمور هكذا في كل صراع: حرب تعقبها مفاوضات. وكلما اقتربت مفاوضات الحسم اشتعلت حدة الحرب لفرض واقع على الأرض يعتبر ورقة في يد صاحبه من أطراف المفاوضات.
إنما المقلق حقا، والذي يجب التفكير فيه من الآن والتحسب له، هو أن سوريا ربما لا تكون آخر من يتم استباحته من بلدان المنطقة ـ وهي لم تكن الأولى كذلك. وأيا كانت الأدوات والمبررات والمقدمات فإن الإرهاب عامل أساسي بين تلك الذرائع. وبما أنه لا تكاد تخلو دولة من دول المنطقة من مخاطر الإرهاب، فإن الدور غدا على من سيتم استباحته قد يبدو ضربا من التخمين. إلا أن هناك من المقدمات الواضحة، والأسباب الجلية، ما يدفع للاعتقاد بأن دولة بعينها هي هدف الاستباحة القادم غدا. ربما نحول الإجابة في مقال الأسبوع المقبل بإذن الله.

د.أحمد مصطفى
كاتب صحفي مصري

إلى الأعلى