الإثنين 23 يناير 2017 م - ٢٤ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / تركيا تلعب بالنار.. وروسيا سترد!

تركيا تلعب بالنار.. وروسيا سترد!

د. فايز رشيد

” .. في أعقاب ضرب المقاتلات الروسية لمواقع التكرير وأسطول نقل البترول من سوريا إلى ميناء “جيهان” التركي على سواحل المتوسط, لتهريبه للخارج، خرجت تركيا لتعلن احتجاجها على العملية الروسية، وادعت أن المقاتلات الروسية قصفت مواقع التركمان في سوريا. وأن القصف كذلك طال قرى ومواقع تركية.”
ــــــــــــــــــــــــــــ
ما كادت تنتهي الزيارة الناجحة بكل المقاييس للرئيس الروسي إلى طهران حتى جاء خبر إسقاط تركيا لطائرة مقاتلة روسية, ادّعت أنها خرقت المجال الجوي التركي وبأنها قامت بتحذيرها! حتى قال الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين في مؤتمر صحفي عقده مباشرة بعد الحادثة، “إن الطائرة الروسية التي أسقطتها تركيا كانت على بعد أربعة كيلومترات عن الحدود التركية داخل الأراضي السورية, ولم تشكل أي تهديد”، وذلك بعد إعلان الجيش التركي إسقاطه لمقاتلة روسية ادّعى أنها اخترقت أجواءه. وتابع بوتين في تصريح صحفي، “إن الحادث المأساوي هو طعنة في الظهر, وسيكون له تبعات وخيمة على العلاقات بين روسيا وتركيا”، لافتا إلى أن “الطرف التركي توجه إلى حلف الناتو”.. وتابع قائلا: “أفهم أن كل دولة لها مصالحها الإقليمية ونتعامل مع ذلك بكل احترام, ولكن لن نتحمل حصول جرائم مثل ما حصل اليوم”. وبين بوتين أن الطائرة الروسية كانت في مهمة ضد تنظيم “داعش”, مشيرا إلى أن “تركيا من المفترض أن تكون في صفوف هؤلاء الذين يقاتلون التنظيم .. سنقوم بالتحقيق وتحليل كل ما جرى.”
جاء حادث إسقاط تركيا لطائرة روسية مقاتلة فوق الأراضى السورية، ليصب الزيت على النار في الأزمة المشتعلة بين روسيا من جهة، وبعض الدول الرافضة للضربات الجوية الروسية للإرهابيين فى سوريا, وعلى رأسها تركيا, بما وحي بأجواء توتر تسود غالبا قبل حرب كبيرة. فقد جاء الحادث بعد أيام قليلة من نجاح المقاتلات الروسية فى ضرب مواقع تكرير وخطوط تصدير البترول, التى يديرها “داعش” الارهابى, في شرق سوريا وشمال العراق، ويعتمد عليها “داعش” اعتمادا رئيسيا فى تمويل عملياته وشراء الأسلحة.
ففى أعقاب ضرب المقاتلات الروسية لمواقع التكرير واسطول نقل البترول من سوريا إلى ميناء “جيهان” التركي على سواحل المتوسط, لتهريبه للخارج، خرجت تركيا لتعلن احتجاجها على العملية الروسية، وادعت أن المقاتلات الروسية قصفت مواقع التركمان فى سوريا. وأن القصف كذلك طال قرى ومواقع تركية. فى الوقت نفسه اتهمت روسيا الجانب التركى، بأنه يستفيد من النفط الذى تهربه عناصر “داعش” للخارج، كونه يمر بالأراضي التركية ,ويُصدّر من ميناء جيهان التركي, بأسعار تقل عن الأسعار العالمية بنسبة 500 % ، حيث لا يزيد سعر البرميل عن 15 دولارا فقط. كما أن تركيا ترى أن الضربات الروسية تطول جماعات وتنظيمات سورية مسلحة, تحظى بالدعم التركى. تسارعت الأحداث كثيرا التي تتراوح بين ردود الفعل الروسية الغاضبة على إسقاط تركيا للطائرة الروسية من طراز سو-24 فوق الأراضى السورية إلى ارتفاع أسعار النفط وإجراء الناتو لمشاورات عاجلة بين دوله. بعد الطلب التركي لاجتماع الحلف.
قد تتطور الأحداث فى الأيام المقبلة بشكل مفاجىء، في ظل محاولات تركيا، بقيادة رئيسها رجب طيب أردوغان، تدويل المشكلة الأخيرة وتوريط حلف الناتو فى الأزمة، وهو ما يعنى مواجهة محتملة بين روسيا وتركيا ومن خلفها حلف الناتو. من المؤكد أيضا أن روسيا (وبناء على معرفتي بالوضع الروسي) لن تكتفي ببيانات الشجب والإدانة والتهديد بل سترد ردا حازما ومؤلما على الهجوم التركي! ذلك ينبع من أنها الحادثة الأولى, التي تُسقط فيها دولة من دول الناتو, طائرة مقاتلة روسية! بوتين سيعتبرها سابقة ربما تتكرر, إن لم ترد روسيا. كذلك الرد الروسي سيحمل رسالة حازمة إلى حلف الناتو وإلى تركيا بشكل خاص عنوانها الرئيسي، أن روسيا باتت تشكل قطبا عالميا ثانيا في مواجهة الولايات المتحدة وعموم الدول الغربية. لكل ذلك ربما يتطور الأمر لرد انتقامى داخل الاراضي التركية، وهو ما يعنى اندلاع مواجهة عسكرية قد تكون شرارة لحرب قادمة. يتوجب أن لا يغيب عن الأذهان ما قاله الرئيس الروسى بوتين خلال مشاركته مؤخرا في قمة العشرين بتركيا، حيث قال بالحرف ” يوجد معنا هنا في هذه القاعة دول وقيادات تدعم الارهاب “، في إشارة الى تركيا وبعض الدول الأخرى, وهي المعروفة بمساندتها لداعش, والتي لم يجرأ أحد من زعمائها على الرد, ذلك مما تبين فيما بعد, من امتلاك روسيا لوثائق مصورة عن هذا الدعم. يرى العديد من الخبراء والمراقبون أن التحركات الروسية الأخيرة وزيارة بوتين إلى إيران، والتنسيق بشكل واسع مع العديد من الدول العربية المؤثرة فى المنطقة مثل مصر والأردن والأمارات، ينذر بأن هناك تكتيكا لخطوة كبيرة قادمة في المنطقة، وربما أن حادث اسقاط الطائرة الروسية من قبل تركيا سيعجل بما تخطط له روسيا لإنهاء الأزمة السورية, وتوجيه ضربة حاسمة للجماعات الارهابية, والدول الراعية لها. وهناك آراء غير موضوعية ترى بأن تركيا وروسيا ربما يتجنبان الانزلاق إلى مواجهة مباشرة، بتدخل حلفاء تركيا في الناتو الذين يرون أن المواجهة مع روسيا في الوقت الراهن، غير مجدية.
وربما تسعى تركيا جاهدة (بعد ذهاب السكرة وورود الفكرة) لاحتواء الأزمة مع روسيا عن طريق المساعدة في تسليم الطيار الروسي، الذي وقع قتل نتيجة اطلاق النار عليه من قبل الإرهابيين المتمركزين في ذات المنطقة، وبذلك تخفف الضغط على الرئيس بوتين, الذي سيحاول الظهور بمظهر القوة والانتقام أمام الرأي العام الروسي والعالمي. على العموم, أدت الحادثة كما أشرنا إلى ارتفاع أسعار النفط, وإلى إجراء الناتو لمشاورات طارئة. غير أن ما يتوجب معرفته أن مرحلة ما قبل الحادثة ستكون غير ما بعدها.
مجمل القول: أن الدعم التركي لـ “داعش” قد اتضح بما لا يقبل مجالا للشك. وأن تركيا تلعب بالنار, وأن روسيا سترد.

إلى الأعلى