الثلاثاء 30 مايو 2017 م - ٤ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الوطن والمواطنة في الإسلام (2 ـ 2)

الوطن والمواطنة في الإسلام (2 ـ 2)

ومن القضايا الحساسة التي تثار أيضا، قضية الجزية، وما ورد في كتب التاريخ من ختم غير المسلمين على أجسادهم.
بداية نود أن نقول كلمة يساء فيها إلى الإسلام والنظام الإسلامي، عندما تذكر كلمة (الجزية) وكأنها سبة في جبيننا كمسلمين أو كنظام إسلامي، إن الجزية اختراع غير إسلامي، لم يخترعه الإسلام ولا المسلمون، بل جاء الإسلام فوجد الجزية نظاما موجودا بين الناس، شأنه في ذلك شأن الرِّق، فهو من مخلفات العصور التي سبقته، وقيل: إن الجزية فارسية معرَّبة وأصلها (كزيت) ومعناها: الخراج الذي يستعان به على الحرب، وأطال العلامة شبلي النعماني المؤرخ الهندي في الاستدلال على ذلك في رسالة خاصة نشرت في مجلة (المنار)، ومما استأنس به في ذلك: أن التاريخ يثبت أن كسرى هو أول من وضع الجزية، فالجزية نظام فارسي، وليس مبتكرا من الإسلام.
لقد كان عقد الذمة الذي يعقد قبل الإسلام يجعل الذمي في ذمة العاقد، أما الإسلام فجاء واحترم آدمية الناس، فجعل عقد الذمة في ذمة الله ورسوله، ليعلم كل من يخرق هذا العقد أو يعتدي على غير مسلم أنه اعتدى على حرمات الله ورسوله؛ ليجمع الإسلام على المعتدي المسلم بين عقاب الدنيا والآخرة.
كما أن ختم غير المسلمين في رقابهم بختم، أو تعليق قطعة نحاسية على صدورهم لتمييزهم، ليس من اختراع المسلمين أيضا، بل هي عادة قديمة ترجع إلى عصر الآشوريين الذين كانوا يعلقون في رقاب العبيد قطعة من الفخار أسطوانية مكتوبا عليها اسم العبد واسم سيده. وكان اليهود في عهد التلمود يعلمون عبيدهم بالختم في الرقبة أو الثوب.
ومع ذلك عندما نقل المسلمون هذه العادة، لم يقصدوا بها الإساءة، بل ميزوا بها من دفع الجزية ممن لم يدفع، حتى لا يعاقب من دفع بالخطأ، وكانت تعلق في رقبتهم علامة تسمى علامة البراءة.
أي: أن تمييز غير المسلم له أهداف، ومنها: تمييزه بعلامة حتى لا يظن أنه محارب، وهذا آمَنُ له، ولما عرف لم يشترط ذلك.
قوله تعالى:(حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون)، قد يسلم القارئ بما مضى من أن الجزية اختراع غير إسلامي، ولكن يشوش عليه ورود نص في القرآن الكريم يدعو لأخذ الجزية من غير المسلم في صورة كلها مهانة ومذلة، وهو قوله تعالى:(حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) (التوبة ـ 29).
(فتفسير (اليد) في قوله: (عن يدٍ) بالقدرة، وفي نصوص القرآن واللغة ما يؤكد هذا المعنى، وقد رأيتهم في عهد خالد لصاحب قس الناطف قوله: “على كل ذي يد” أي قدرة.
وأما قوله:(وهم صاغرون) فيتحتم تفسير الصَّغار هنا بالخضوع لا بالذلة والمهانة، ومن معاني الصَّغَار في اللغة: الخضوع، ومنه أطلق (الصغير) على الطفل لأنه يخضع لأبويه، ولمن هو أكبر منه، والمراد بالخضوع حينئذ: الخضوع لسلطان الدولة).
بقيت مسألة تولي غير المسلم لرئاسة الدولة ذات الأغلبية المسلمة، والحقيقة أني تأملت في هذه المسألة في ضوء النصوص القرآنية والنبوية، وفي ضوء فقهنا الإسلامي، ولي فيها رأي، لعل الكثير من القراء لا يتفق فيه معي، وهو:
إن قضية رئاسة الدولة والتصور والتكييف الفقهي للدولة لم يعد كما كان على عهد أسلافنا من الفقهاء القدامى، فليست الدولة القديمة ببساطتها، ومحدودية أركانها، كما أضحت الآن، فهذا التصور الفقهي للدولة المعاصرة لم يعاصره فقهاؤنا القدامى ولذا علينا أن ننتبه إلى أن الاستشهاد بكتب الأسلاف في هذه المسألة لن يسعفنا كثيرا، فكل من سيتناول هذه القضية سيلجأ إلى كتاب (الأحكام السلطانية) للماوردي، أو للقاضي أبي يعلى، وأقصى ما سمح به أحدهما وهو الماوردي أن قسم الوزارات إلى وزارتين، وزارة تفويض، ووزارة تنفيذ، ولم يبح لغير المسلم من تولي المناصب فيها إلا وزارة التنفيذ، وهي وزارة لا يملك فيها صلاحيات الإنشاء، والإبداع، والحكم المستقل، فالماوردي وكل فقهائنا القدامى أصلوا لعصرهم وزمانهم، فكل واحد منهم خاطب زمانه، وأصل لكل أمر فيه بما يتوافق مع هذا الزمن.
ولنتأمل القضية من حيث النظرة للنصوص، ومن حيث الواقع المعيش، إن النصوص التي تساق لمنع غير المسلم من تولي الرئاسة هي نصوص عامة لم ترد في مقام الرئاسة تحديدا، مثل قوله تعالى: (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) [النساء:141].
أما الواقع الذي نعيشه، فهو الآن لم يعد شخصا وحده يحكم، بل هناك مؤسسات كاملة هي التي يناط بها إدارة الدولة، والحاكم ما هو إلا ترس في آلة كبيرة.
في الماضي كانت الإمامة لها دلالة دينية، فالإمام أو الخليفة أو الحاكم هو الذي يؤم الناس في الصلاة، ويقضي بين المتخاصمين، ويقيم الحدود.
ثم رأينا أئمة الماضي من الأسلاف قاموا بتوزيع هذه المهام على موظفين أو عمال في الدولة الإسلامية، فإمامة الصلاة وخطبة الجمعة، خصص لها العلماء والخطباء وأئمة المساجد، وأجريت لهم أوقاف تنفق عليهم، والقضاء بين المتخاصمين، خصص له قضاة يتولون أمره، وإقامة الحدود ترك للسلطة التنفيذية في الدولة، تقوم مقام الحاكم، أي أن كل هؤلاء صاروا نوابا عن الحاكم، ولم يعد للإمام أو الخليفة إلا إدارة الأمور السياسية في البلاد، وأيضا الأمور الحربية تترك لمسئولين عن الحرب، وإن كان قرار الحرب يعود في النهاية للحاكم.
بل حتى الشروط التي وضعها العلماء في الخليفة هي شروط تخاطب حاكما يجمع بين علمي الشريعة والسياسة، فشرط فيه أن يكون من أهل الاجتهاد في الفقه، ومَن من علماء الشريعة الآن في العصر الحديث استكمل شروط الاجتهاد؟! هذا إن بحثنا في إطار علماء الشريعة.
وقد استشهد أحد المتشددين على المفكر الإسلامي أبي الأعلى المودودي حينما أيَّد ترشيح فاطمة خان لرئاسة الجمهورية في باكستان، بقوله (صلى الله عليه وسلم):(لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)، فرد عليه المودودي بقوله: وهل يفلح قوم ولوا أمرهم طاغية؟! إشارة إلى أن المطلوب الحاكم العادل أينما توافر ووجد.
وما أراه: أن على كل ذوي التوجهات الإصلاحية في المجتمع السعي إلى دولة المؤسسات التي يصبح فيها الحاكم مجرد منفذ للدستور، وحامي للقانون، وحارس للقيم، بحيث يكون كأشبه بمن يملك ولا يحكم، أو هو ترس في آلة كبيرة هي المؤسسات الحاكمة، لا تتوقف عنده أَزِمَّة الأمور في الدولة، بحيث يصبح الفرد الذي يتصرف في كل أمر، وبيده كل شيء، بيده يعدل أو يظلم، يكبت الحريات أو يهبها.
ونحرص على توافر الضمانات التي تمنع استبداد الحاكم أو ظلمه، والتي تحفظ على الأفراد والمؤسسات حقوقها وصيانتها، وتحفظ على الحاكم مكانته وتعينه على أداء رسالته.
وليترك للشعب قراره، عن طريق صناديق الاقتراع، وليختر من يلبي له مصلحته العامة، ويحفظ عليه كيانه وحضارته وتقدمه، وليرض الجميع بما تأتي به صناديق الاقتراع الحر، الذي لا تشوبه شائبة تزوير ولا تلاعب، وليكن من يكون فتأتي به صناديق الاقتراع، رجلا كان أو امرأة، مسيحيا أو مسلما، أو علمانيا أو ليبراليا، أو كائنا من يكون، المهم: أن نوجد نظاما يلتزم به الجميع، ويشرف على تنفيذه الرئيس المنتخب، ويجد على رقبته سيف رقابة الجماهير، وأعينهم المفتحة، فإن أصاب: شكروه، وإن أخطأ قوموا خطأه عبر قنوات التقويم الشرعية والقانونية.
ولا شك أن القارئ بعد قراءته لهذه الصفحة من التسامح والتعامل المثالي من الرسول (صلى الله عليه وسلم) وخلفائه الراشدين، تجعله يقف ليتساءل: فلماذا إذن جاءت هذه النظرة الإقصائية لغير المسلمين، والتي شاع فيها الإمعان في نشر صورة تدل على تعمد الإذلال في أدبيات بعض كتابات المسلمين.
وفي رأيي: أن هذه النظرة الاقصائية الخاطئة التي نراها في كتبنا التراثية، وفي بعض السلوكيات المعاصرة نتجت عن عدة أسباب فيمن تولوا التنظير للقضية قديما وحديثا، وهي:
1 ــ ترك المُسلَّمات والعموميات والأصول الإسلامية: فمن الخطأ القاتل الذي وقع فيه كثير من الباحثين: أنه لجأ للمتشابهات، والنصوص الجزئية مهملا كليات الإسلام، والتي قام عليها تشريعه وحضارته، وهي تعتبر أمهات الفضائل، وعوامل وحدة فهم الأمة للإسلام، من قضايا كلية لا يختلف عليها اثنان، من نحو: البر والعدل والمساواة، فيترك العمل بقوله تعالى:(لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين) الممتحنة: والبر أعلى درجات الخير، والقسط أعلى درجات العدل، ليلجأ إلى قوله (صلى الله عليه وسلم):(لا تبدءوهم بالسلام، وضيقوا عليهم في الطرقات) وهو خاص بالحالة الحربية، لا حالة السلم.
2 ـ عدم ربط النصوص بدلالاتها الحقيقية وملابساتها: كما وقع للأسف بعض الباحثين في الاستشهاد بنصوص لم يقف على عللها، ولا أسبابها، ولا دلالات النصوص، كاستشهادهم بقوله (صلى الله عليه وسلم) عن اليهود:(لا تبدءوهم بالسلام واضطروهم إلى أضيق الطرقات) وهو حديث ورد في حالة حرب النبي (صلى الله عليه وسلم) مع اليهود، ومن دلائل رحمته وسماحته في الحديث: أنه لم يقل: اقتلوهم؛ لأنهم أهل حرب لم يشهروا السلاح.
3 ـ إعطاء الحدث التاريخي حجم النص الشرعي: وهو أمر خطير جدا في الاستدلال الفقهي، والتأصيل الشرعي، وهذا عيب فئة من الكتاب والباحثين: أنهم جعلوا أحداث التاريخ مصدر تفكير، لا موضع تفكير، أو إن شئت قل: مصدر تشريع، فالتطبيق العملي من المسلم ليس تشريعا بحال من الأحوال، ولا يعطي صورة كاملة عن التشريع الإسلامي.
4 ـ إسباغ هالة من التعظيم والتقديس لأصحاب الآراء الفقهية: مع أن الأصل هو النص الشرعي، ورفع سيف اتفاق العلماء، وقول الجمهور في وجه كل مخالف لفكرهم؛ ولذا فرق علماء الإسلام بين أمرين هامين يصيبان دارس الإسلام بالبلبلة والتخبط في تكوين صورة صحيحة عنه وهما: الإسلام، والفكر الإسلامي، فالإسلام هو وحي الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
والفكر الإسلامي: هو فهم المسلمين لنصوص الإسلام من القرآن والسنة النبوية المطهرة، فالملاحظ أن كل ما ورد في هذه القضية من سوء فهم لمبدأ المواطنة معظمه نابع من كتب الفكر الإسلامي، وتطبيقات الحُكَّام، ولا نراه موجودا البتة في مصدري الإسلام المعصومين: القرآن والسنة.
ولنتأمل قضية واحدة من أهم القضايا التي تثار، وهي قضية بناء الكنائس، ولننظر إلى حيرة الباحث المسلم الذي يريد أن يصدر رأيا، سيرى تقسيم الفقهاء إلى البلاد التي فتحت عنوة، والبلاد التي فتحت صلحا، والبلاد التي مَصَّرَها (أي أنشأها وعمرها) المسلمون، وأنه بناء على هذا التقسيم يجوز للنصارى أن يجددوا كنائسهم أو ينشئوا كنائس جديدة أم لا.
وهي أحكام بنيت في معظمها على رد الفعل من غير المسلمين، أو بناء على أفعال صدرت منهم جعلت الريبة في الحكم تسود أحكامهم وأفكارهم، على خلاف عالمين مصريين عاشا في ظل مفهوم المواطنة، وتعاملا مع قضية بناء الكنائس وتجديدها بهذا المبدأ، وهما: الفقيه المصري: الإمام الليث بن سعد الذي يعد من أئمة المذاهب لا يقل علما عن مالك وأبي حنيفة، وعاصر مالكا، وكان بينهما مراسلات، والآخر عالم محدث مصري: عبد الله بن لهيعة، رأيهما في بناء الكنائس من أنضج الآراء؛ إذ يقولان: إن بناء كنائس النصارى، هو داخل في عمارة دار الإسلام.
5 ـ ضلوع بعض غير المسلمين في حوادث خيانة للدولة الإسلامية: مما جعل الحذر يقدم على حسن الظن، وبذلك يلجأ الفقيه المسلم إلى مبدأ سد الذرائع، أو ما يعلنه الفقهاء من القواعد مثل قاعدة: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، فدرء مفسدة الخيانة والاتيان من قبل غير المسلمين، يقدم على توليهم مناصب، أو إعطائهم الثقة الكاملة التي تجرهم إلى عدم الأمان!.
6 ــ تدليل بعض الحكام للأقلية على حساب الأغلبية: كما أن من الأسباب المهمة حَيْف بعض حكام المسلمين بين الرعية، وميلهم إلى طبقة غير المسلمين وتدليلهم تدليلا زائدا عن المعقول، مما يوغر صدور المسلمين، ويتسبب في حالة احتقان بين المواطنين.
7 ــ إرث الحقد التاريخي: في ممارسات غير المسلمين مع المسلمين في البلاد التي خرج منها الإسلام، كالأندلس (إسبانيا) مثلا، فقد خرج الإسلام منها على يد المسيحيين، وما تم بعد الطرد من محاكم للتفتيش، وتضييق على المسلمين في عبادتهم، ثم بعد ذلك تنصيرهم، وإجبارهم على ترك دينهم .. هذه هي المواطنة في اﻹسلام .. من وجهة نظري .. وهي تبقى ..وجهة نظر قابلة للتجديد والتغيير .. على اعتبار توسع واتساع مفهوم المواطنة .. لكن .. يبقى الوطن واحد .. والوطنية .. حب وانتماء ووﻻء .. وإن اختلفت صوره وأشكاله.

أحمد محمد خشبه
إمام وخطيب جامع ذو النورين ـ الغبرة الشمالية

إلى الأعلى