الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن

شـذرات مـن هـدي القـرآن

تكـريـم الله للإنسان (56)

الحمـد لله رب العـالمـين، والصـلاة والسلام عـلى سـيـد الخـلـق أجـمعـين، وعـلى آله وصحـبه ومـن تـبعـهـم بإحـسان إلى يـوم الـدين وبعــد:
فـلا شـك أن الإنـسان يـأخـذه الـغـرور (الشـيطـان) يـمـنة أو يـسـرة، إذا رأى نـفـسه بحـجـم أكـبر مـن حجـمهـا، إما بـمالٍ أو بأولاد أو بمـنـصـب، والشـيطـان يـراقـب الإنـسان يبحـث عـن نـقـاط الضـعـف فـيه، فإذا ما تمـكـن مـنـه وأسـلكـه مـسالـكـه تـركـه يتخـبط في ظـلمـات التـيه، ولـذلك قـال الله تعالى مـحـذراً: (إن الـشـيطان لـكـم عـدو فاتخـذوه عـدواً إنـما يـدعـو حـزبه لـيـكـونـوا مـن أصـحـاب السـعـير) (فاطـر ـ 6)، وقال تعالى: (وقـل لـعـبادي يقولوا التي هي أحـسن، إن الشـيطانَ ينـزغُ بـينهـم، إن الشـيطانَ كان للإنسـانِ عـدواً مـبيـناً) (الإسـراء ـ 53).
وإذا كان الإنـسان يتعـلـق بالأسـباب أكـثر مـن تعـلـقه بالله، ويـظـن أن المال يـغـنيـه عـن خـالقـه الـذي مـقـالـيـد الأمـور بـيـده ، وحـين تـنـتـفي أسـباب الاسـتغـناء لا يسـلـم نفـسه عـبثا، ولكـن فـماذا عـساه أن يـفـعـل عـنـدئـذٍ؟.
لا يجـد أمامه إلا الله يـلجـأ إلـيه، لأنـه لا مـلجـأ مـن الله إلا إلـيه، وقـد ضـرب الله لـنا الأمثـال المـتـعـددة ، في كـتابه الـعــزيـز لحـالة الإنـسان، قال الله تبارك وتعـالى: (وإذا مس الإنسانَ الضـرُّ دعانا لجنبه أو قاعداً أو قـائـماً، فـلما كشـفـنا عـنـه ضـره مـر كـأن لـم يدعُـنا إلى ضُـرٍّ مسـه، كـذلـك زُيّـن للمسـرفــين ما كانـوا يعـملـون) (يـونس ـ 12).
تلـك هـي حـالة الإنسان وطـبيعـته، إذا مسه ضـر لجأ إلى الله لا يخجـل أن يلجـأ إلى الله، إذ لا مـلجـأ مـن الله إلا إليه وحـده فإذا مـا نـفـدت أسـباب الاسـتـغـناء، لا يـظـل عـلى حـاله تلك بـل سـرعـان ما يتـخـاذل ويشـعـر بأن له ربا يـلجـأ إليه، لـيـكـشـف ما به مـن ضـر.
والإنسان المـؤمـن دائـما يكـون ثابـتا، ثـبـوت الجـبال الـرواسي، ذلـك لما يتمتع به مـن إيمان قوي راسـخ، فـهـو بحـق مـن الـذين كـتـب الله في قلوبهـم الإيـمان، وأيـدهـم بـروح مـنه.
وقـد يكـون الـكافـر مـعـذوراً، أو الـذي لـم يكـن إيمانه قـويا أن يجـزع وإن تـبـقى أحـوالـه مـذبـذبة، يمـيـل حـيـثما مالت به الـريـح، قال الله تـبارك وتعـالى: (وإذا مسَّ الإنـسانَ ضــرٌّ دعـا ربـه منيـباً إلـيه، ثـم إذا خوله نعـمة مـنه نسي ما كان يـدعـو إلـيه مـن قـبـل، وجـعــل لله أنـداداً ليضـل عـن سـبيله، قـل تمـتـع بـكـفـرك قـليـلاً إنـك من أصحاب النار) (الـزمـر ـ 8).
وإذا بحـثـنا في أسباب انحـلال كل الحـضارات، التي قـص الله عـلـينـا أخـبارهـا في كـتابه العـزيـز، نجـد أن تـلك الأسـباب تـرتـبـط بـغـياب القـيـم المـوصـولة الأرض بالسـماء حـيـث تعـتـمـد تـلـك الحـضارات عـلى عـنصـر الغــرور المـوصـول بـذاتـية النفـس وأنا نيتها لأنها أمارة بالسـوء، ذلك لأن ذاتيـة النفـس متغــيرة، وما يـرتبـط بالمتغـير كـذلك يـبـقى دائـماً مـتـغــيراً.
قال الله تبارك وتعـالى في كتابه العـزيـز: (وإذا أردنا أن نُـهـلِك قـريةً أمـرنا مُتـرفـيها فـفـسقـوا فـيها فحـقَّ عـليها القـولُ فـدمـرناهـا تـدمـيراً) (الإسـراء ـ 16).
فـالله تبارك وتعـالى في هـذه الآية الكـريمة يعـطـيـنا مـثالا لعـاقـبة الخـروج عـن منهـج الله تعـالى، لأنه سـبحانه حـينـما يـرسـل رسـولا ليبلـغ منهجه إلى خـلقه، فـلا عـذر للخارجـين عـنه، لأنه منهج من الخـالق الـرازق المنعـم، الـذي يسـتحـق مـنا الطاعـة والانـقـياد، وكـيف يتـقـلـب الإنسان في نعـم ربه ثـم يعـصيه، إنه رد غـير لائـق للجـمـيـل، وإنـكار للمعــروف الـذي يسـوقه إليـك لـيـل نهـار، بـل في كل نفـس مـن أنفـاسـك.
والمتأمـل في قـضـية التكلـيـف يــرى أن الله سـبحانه وتعـالى أمـر بعـضـنا أن يكلـف بعـضا كما قال الله تعـالى: (وأمـر أهـلك بالصلاة واصطـبر عـليها لا نسـألـك رزقـاً نحـن نـرزقـك والعـاقـبة للـتقـوى) (طـه ـ 132)، وقـد شـرح لنا النبي (صلى الله عـليه وسـلم) هـذه القـضية، إذ جـاء في الحـديـث النبـوي الـشـريف: (مـروا أولادكـم بالصلاة لسبع، واضـربـوهـم عـليها لعـشـر، وفـرقـوا بـينهـم في المضاجـع) ـ أخـرجـه أبو داود.
وهـذا التـكلـيـف وإن كان في ظـاهـره مـن الأهـل لأولادهـم، إلا أنه في حـقـيقـته مـن الله تعـالى، فـهـو الآمـر للجـمـيع، ولـكـن أراد الله أن يـكـون التكـليـف الأول في العـمـر مـن الـقـريـب المباشـر الـمـدرك أما الطـفـل، فأبـوه هـو صاحـب النعـمة المحـسة حـيـث يـوفـر له الطـعـام والشـراب واللباس، وكل متطـلـبات الحـياة، فـإذا مـا كلـفـه أبـوه كان أدعى إلى الامـتثـال لأوامـره والطـاعـة له لأن الـولـد في هـذا السـن المبكـرة لا تـتـسع مـداركه لمعـرفـة المنعـم الحـقـيـقـي الـذي هـو الله.
فالله لا يـأمـر إلا بمـا فـيه خـير للإنسـان في الـدنيا والآخـرة، ومعـنى الآيـة يـقـول الله تعـالى أمـرنا متـترفـيهم بـطاعـتنا واتـباع منهـجـنا، ولكـنهـم خـالفـوا وعـصـوا وفـسقـوا لـذلك حـق عـليهـم العــذاب والتـدمـير.
قـال الله تبارك وتعـالى: (فـكـلاًّ أخـذنا بــذنـبـه فـمنـهـم مـن أرسـلـنا عـلـيـه حاصـباً ومـنهـم مـن أخـذتـه الصـيحـة، ومـنـهـم مـن خـسـفـنا به الأرض، ومنهـم مـن أغـرقـنا، ومـا كان الله ليــظـلـمهـم ولـكـن كانـوا أنفـسهـم يظـلـمـون) (العـنكـبـوت ـ 40).
تلك كانـت نهاية أولـئك الـقـوم، الـذين طـغــوا وبغــوا ، وعـاثـوا في الأرض فـسـادا، فأخـذهـم الله أخـذ عـزيـز مقـتـدر، فـرجـعــوا إلى الله مثـقـلـين بالـذنـوب والأوزار فـما فائـدة عـمـر الإنسان إن كان لا يـذهـب إلا في العـصـيان والطـغـيان، فأي فـائـدة إذا كانت تلك هـي نهاية المطـاف، وهـي حـقـا عـبرة للمـعـتـبرين.
إذن فـلا ينبغي أن يعـتـقـد الإنسان أنه أفـلـت مـن الله باستغـنائه، فـلسـوف يـرجـع إلى الله حـين تصـيـبه النكسات والمضـرات، التي لا يقـوى عـلى تحـمـلهـا، وإذا كان لابـد مـن الـرجعى إلى الله، فالـرجعى إلى الله أولى أن تكـون في الـدنـيـا قـبـل الآخــرة حـتى يسـتـطـيع الإنسان أن يحاسب نفـسه قـبـل فــوات الأوان ، ويقـدم عـملا يـنـفـعـه، يـوم لا ينـفـع مال ولا بـنـون إلا مـن أتى الله بـقـلـب سـليـم، إذ لا سبـيـل إلى الفـرار إلا إلى الله وحـده، إذ مـنه المـبـدأ وإلـيه الـرجـعـى، وقـد قـيـل إنه لا خـير في خـير بعــده الـنـار ولا شـر في شـر بعــده الجـنة.
قال الشـاعـر:
خرجـنا إلى الـدنيا بـغـير اخـتيارنا
وعـشـنا بهـا أعـمارنا لاخـتبارنـا
شـغـفـنا بها في ليلنا ونهـارنا
سـنخرج مـنها راغـمـين إلى القـبر

وقال الشـاعـر:
لقـد رفـع الإسـلام سـلمان فارس
وقـد وضـع الكـفـر الـشريف أبا لهـب
.. وللحديث بقية.

ناصر بن محمد الزيدي

إلى الأعلى