الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / نعمة الصحة والعافية (2 )

نعمة الصحة والعافية (2 )

إنَّ الصحَّةَ نِعمةٌ كبرى يمنُّ اللهُ بها على عِبادِه، بل يَعدُّها أعظمَ نعمةً بعدَ نِعمة الإيمان، والصحَّةُ مَسؤوليَّةٌ عَظيمَة أمامَ الله عزَّ وجلَّ ولذلك، كانَ من واجِب المُسلِم أن يحافظَ على هذه النِّعمَة، ويَحذَر عليها من التَّبديل والتَّغيير بإساءَة التصرُّف، وإلاَّ حلَّ به العِقاب جزاءً وفاقاً على ذلك، بِمقُتَضى سنَّة الله الثَّابتة وقَوانينه، يَقولُ الله عزَّ وجلَّ: (ومن يُبدِّل نِعمةَ الله من بَعدِ ما جاءَته فإنَّ اللهَ شديدُ العِقاب) (البَقَرة ـ 211)، (ذلك بأنَّ اللهَ لم يَكُ مغيِّراً نعمةً أَنعَمَها على قَومٍ حتَّى يُغيِّروا ما بأَنفُسِهم) (الأَنفال ـ 53).
إن تصرف نعم الله في طاعته، وبالخصوص من عنده الصحة والعافيه وله فراغ، عليه أن يقيم العبادة والطاعة وكل أعمال الخير والصلاح، ليسعد في أيام البقاء في الدنيا والآخرة.
ويقول كذلك الإمام ابن القيم: (لله على العبد في كل عضو من أعضائه أمر، وله عليه فيه نهي، وله فيه نعمة، وله به منفعة ولذة، فإن قام لله في ذلك العضو بأمره واجتنب فيه نهيه، فقد أدى شكر نعمته عليه فيه، وسعى في تكميل انتفاعه ولذته به، وإن عطل أمر الله ونهيه فيه عطله الله من انتفاعه بذلك العضو، وجعله من أكبر أسباب ألمه ومضرته. لأننا سنُسأل عنها يوم الدين عند الوقوف بين يدي رب العالمين).
فيا من رزقكم الرحمن نعمة الصحة والعافية في الأبد ان استثمروها واغتنموها في طاعة المنان، قبل فوات الأوان كما أمركم بذلك رسول العزيز العلام ـ عليه أفضل الصلاة والسلام، فعن عبد الله بن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال لرجل وهو يعظه: (اغْتَنِم خمسًا قبل خمسٍ: شَبَابكَ قَبل هَرمِكَ، وصِحَتَكَ قبل سَقَمِكَ، وغِنَاكَ قبل فَقْرِكَ، وفراغَكَ قبل شُغلِكَ، وَحياتَكَ قبل موتِكَ)، يقول المناوي: (اغتنم خمساً قبل خمس) أي: افعل خمسة أشياء قبل حصول خمسة: (حياتك قبل موتك) أي: اغتنم ما تلقى نفعه بعد موتك، فإنّ من مات انقطع عمله، (وصحتك قبل سقمك) أي: العمل حال الصحة فقد يعرض مانع كمرض، (وفراغك قبل شغلك) أي: فراغك في هذه الدار قبل شغلك بأهوال القيامة التي أوّل منازلها القبر،(وشبابك قبل هرمك) أي: فعل الطاعة حال قدرتك وقوّتك قبل هجوم الكبر عليك، (وغناك قبل فقرك) أي: التصدّق بفضول مالك قبل عروض جائحة تتلف مالك، فتصير فقيرا في الدارين، فهذه الخمسة لا يُعرف قدرها إلا بعد زوالها. وأن الجزاء من جنس العمل! فمن حفظ جوارحه واستغل صحته فيما يرضي ربه جل جلاله، رجع عليه نفع ذلك يوم يقف أمام خالقه، بل إن الله ـ جلًّ وعلا ـ من كرمه سيحفظ له قوته عند كبره وتقدم سنه. وإن من حسن استثمارها أن يجعل منها عوناً له على طاعة الله تعالى، وأن يسعى بها في خدمة مجتمعه ووطنه، فخير الناس أنفعهم للناس.
يقول الإمام ابن رجب: (ومن حفظ الله في صباه وقوته، حفظه الله في حال كبره وضعف قوته، ومتعه بسمعه وبصره وحوله وقوته وعقله)، وكان بعض العلماء قد جاوز المائة سنة وهو ممتع بقوته وعقله فوثب يوما وثبة شديدة فعوتب في ذلك فقال: هذه جوارح حفظناها عن المعاصي في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر، وعكس هذا أن بعض السلف رأى شيخاً يسأل الناس فقال: إن هذا ضعيف ضيع الله في صغره فضيعه الله في كبره.
ولعظم نعمة العافية كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يسألها لنفسه كل يوم، فقد روى ابن عمر ـ رضي الله عنهما: أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لم يكن يدع هؤلاء الدعوات حين يمسي وحين يصبح: (اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي اللهم استر عورتي).
وكان (صلى الله عليه وسلم) يعلم أصحابه أن يسألوها، وكان الرجل إذا أسلم علمه النبى (صلى الله عليه وسلم) الصلاة، ثم أمره أن يدعو بهؤلاء الكلمات: (اللهم اغفر لي وارحمني واهدني، وعافني وارزقني).
ومن الأذكار الواردة قبل النوم أن يقول الإنسان:(اللهم خلقت نفسي وأنت توفاها، لك مماتها ومحياها، إن أحييتها فاحفظها وإن أمتها فاغفر لها، اللهم إني أسألك العافية).
وللمحافظة على نعمة الصحة والعافية شرع الإسلام جملة من الآداب الصحية التي تدفع عن الإنسان أسباب المرض، وتديم عليه العافية، فشرع الطهارة والنظافة والاغتسال، والوضوء والسواك والمضمضة والاستنشاق وإزالة النجاسة .. وغير ذلك من الوسائل الوقائية.
إن الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى، فاشكروا الله على نعمة العافية، وحافظوا عليها، واعتبروا بمن ابتلي بالأمراض والأسقام، فعن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه: أن النبي (صلى الله عليه وسلم) مر بقوم مبتلين، فقال:(أما كان هؤلاء يسألون الله العافية؟).
فالعافية مطلب كل مؤمن، فإن ابتلي فليطلب العلاج والدواء، فقد حض رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على التداوي التماساً للعافية فقال: (تداووا فإن الله عز وجل لم يضع داء إلا وضع له دواء غير داء واحد، الهرم» وعليه أن يصبر ويرضى بقضاء الله تعالى، ويسأل الله تعالى أن يكشف عنه، ويعلم أن في الابتلاء تكفيرا للسيئات، وزيادة في الحسنات، قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (ما من شيء يصيب المؤمن حتى الشوكة تصيبه إلا كتب الله له بها حسنة أو حطت عنه بها خطيئة) وعليه أن يصبر ويرضى بقضاء الله تعالى، ويسأل الله تعالى أن يكشف عنه، ويعلم أن في الابتلاء تكفيرا للسيئات، وزيادة في الحسنات، قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(ما من شيء يصيب المؤمن حتى الشوكة تصيبه إلا كتب الله له بها حسنة أو حطت عنه بها خطيئة).
اللهم إنا نسألك العفو والعافية في ديننا وأنفسنا وأهلينا يا رب العالمين، ونسألك أن توفقنا لطاعتك وطاعة من أمرتنا بطاعته، عملا بقولك: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم).

إعداد ـ مبارك بن عبدالله العامري

إلى الأعلى