الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / واشنطن وتل أبيب الارتباط والتحالف العضوي

واشنطن وتل أبيب الارتباط والتحالف العضوي

علي بدوان

”إن التساوق الأميركي ـ الصهيوني لا يعني أبدًا أن ليس هناك بعض التباينات التي جرت في محطات معينة، لكنها كانت تباينات مَسّت بعض التفاصيل ولم تمس الجوهر، فالضمانات السنوية التي تتلقاها دولة الاحتلال من الولايات المتحدة تبلغ قيمتها تسعة مليارات دولار، تمكّنها من أخذ قروض من المصارف العالمية بفائدة منخفضة، تضاف إليها المنح المالية الكبيرة التي تحصل عليها عند الحاجة.”

على العكس من التقديرات والتخوفات التي ساقها بعض الإعلاميين الصهاينة وحتى البعض من العرب الرسميين، جاء اللقاء الأخير بين الرئيس الأميركي باراك أوباما ورئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو في العاشر من تشرين الثاني/أكتوبر 2015 الجاري، مُتطابقًا تمامًا. فمخرجات اللقاء كانت صارخة حين أعلن الرئيس الأميركي “أن حماية وتعزيز أمن إسرائيل هو من أولوياته في ظل تدهور البيئة الأمنية في الشرق الأوسط”، الأمر الذي يعني تبنيه الرواية الصهيونية التي تقول “إن إسرائيل في ظل التغيرات الأمنية الكبيرة والتهديدات الإرهابية باتت تحتاج المزيد من المساعدات الأمنية والعسكرية والمالية لتستطيع مواجهة التحديات الناشئة”.
وصَلَ نتنياهو إلى واشنطن في زيارته الأخيرة، وهو على ثقة أن الظروف الراهنة في الشرق الأوسط تلعب لصالحه، فرئيس البيت الأبيض في سنته الأخيرة، وسياسته في الشرق الأوسط مُنيت بفشلٍ كبير، في وقتٍ باتت واشنطن تحتاج فيه لتل أبيب مع زيادة حدة الفشل الأميركي، كما أن نتنياهو يُدرك أن ليس لأوباما ما يراهن عليه كبديل له في الكيان الصهيوني بعد الجنوح المتزايد للمجتمع الصهيوني نحو التطرف، وصعوده في الانتخابات الأخيرة للكنيست بتفوق كبير على عموم منافسيه في الخريطة الحزبية داخل الكيان الصهيوني.
الولايات المتحدة الأميركية، بإداراتها المُتعاقبة، وهذه الإدارة تحديدًا، هي الداعم والحامي المطلق للاحتلال “الإسرائيلي”، وليست في وارد ممارسة أدنى ضغط على دولة الاحتلال لتنفيذ ما عليها من استحقاقات من أجل تحقيق مبدأ حل الدولتين المُتوافق عليه دوليًّا، وهو الحل الذي تُجهز عليه إسرائيل يوميًا تحت سمع وبصر المجتمع الدولي والإدارة الأميركية وبما تقدمه الأخيرة لها سنويًّا من دعم مالي وعسكري.
نُشير وعلى غاية من الأهمية، إلى أن التساوق الأميركي الصهيوني لا يعني أبدًا أن ليس هناك بعض التباينات التي جرت في محطات معينة، لكنها كانت تباينات مَسّت بعض التفاصيل ولم تمس الجوهر، فالضمانات السنوية التي تتلقاها دولة الاحتلال من الولايات المتحدة تبلغ قيمتها تسعة مليارات دولار، تمكّنها من أخذ قروض من المصارف العالمية بفائدة منخفضة، تضاف إليها المنح المالية الكبيرة التي تحصل عليها عند الحاجة. كما أن الإدارات الأميركية المتعاقبة قامت بتقديم مساعدات لوجستية اقتصادية ضخمة لدولة الاحتلال منذ عام 1948، ولكل مرحلة مرت بها صفاتها الخاصة التي دفعت باتجاه تقديم مساعدات أميركية ملائمة، وقد بدت المساعدات الأميركية خلال الفترة (1948-2002) وكأنها مؤشرًا أساسيًّا عن العلاقات الاستراتيجية كنقطة ارتكاز للمصالح الأميركية في منطقة الشرق الأوسط، كما لهذه المنطقة من أهمية جيواستراتيجية، فيها منابع النفط في المقام الأول، ناهيك عن دور إسرائيل في الإبقاء على التخلف العربي ليسهل الانقضاض على أية دولة عربية في المنطقة.
وتبعًا لذلك تراكمت المساعدات الأميركية حتى وصلت خلال الفترة (1948 ـ 2002) إلى نحو (80) مليار دولار، منها (61%) على شكل مساعدات عسكرية، و(39%) على شكل مساعدات اقتصادية، وقد ساعدت تلك المساعدات الكيان الصهيوني في حروبه ضد العرب خاصة عام 1966 حيث بلغت قيمة المساعدات العسكرية للدولة الصهيونية خلال ذلك العام نحو (90) مليون دولار تمثل (71%) من إجمالي قيمة المساعدات الأميركية البالغة (126,8) مليون دولار في العام المذكور، كما عوضت الولايات المتحدة الأميركية دولة الاحتلال عن خسائرها العسكرية عام 1973، في الجبهتين السورية والمصرية، فبلغ مجموع قيمة الدعم العسكري نحو (2482,2) مليون دولار، أي ما نسبته (66%) من مجموع المساعدات العسكرية خلال الفترة (1965ـ1974). وخلال النصف الثاني من عقد الثمانينيات قدمت الولايات المتحدة الأميركية، وبالتحديد في عام 1985، نحو (1500) مليون دولار كمساعدات اقتصادية طارئة لإنقاذ الاقتصاد الصهيوني، والتخلص من أزمات التضخم آنذاك، كما قدمت مساعدات طارئة عسكرية في بداية عقد التسعينيات خلال اندلاع حرب الخليج الثانية، كتعويض للكيان الصهيوني عن أضرار القصف العراقي لبعض التجمعات الصهيونية في فلسطين المحتلة بنحو (37) صاروخًا، ولاستيعاب مزيد من المهاجرين اليهود من دول الاتحاد السوفييتي السابق، وبقيت المساعدة الأميركية بحدود (3) مليارات دولار، منها (1,8) مليار دولار مساعدات عسكرية و(1,2) مليار دولار مساعدات اقتصادية، خلال الفترة (1989ـ2002)، ومن المتوقع أن تتعدى قيمة المساعدات في الأعوام اللاحقة القيمة السنوية للمساعدات خلال الفترة السابقة.
وتجدر الإشارة إلى أن عام 1967 كان منعطفًا في العلاقات الأميركية مع دولة الاحتلال في الجانبين السياسي والاقتصادي، فبات الفائض التجاري عنوانًا بارزًا للعلاقات التجارية مع الولايات المتحدة، وقد حدَّ ذلك من تراكم العجز التجاري المتحقق منذ عام 1967 خاصة مع الدول الأوروبية، والملاحظ أن المساعدات الأميركية لدولة الاحتلال منذ عام 1948 أدى إلى الاعتماد الكبير عليها، وبات من الصعوبة بمكان انطلاقة الاقتصاد الصهيوني وتوازنه دون تلك المساعدات، وكل حديث عن التخلص منه هو بمثابة ضرب من ضروب الخيال. ويشار إلى حجم المساعدات الأميركية وصل إلى (90) مليار دولار حتى عام 2006، منها (60%) مساعدات عسكرية وأربعين في المئة مساعدات اقتصادية.
أما فيما يتعلق بالمساعدات العسكرية، فإن دولة الاحتلال تتلقى من الولايات المتحدة كل سنة مساعدات بمبلغ (2,75) مليار دولار، مخصّصة لشراء وسائل قتالية متطورة من إنتاج الولايات المتحدة، كما أن جيش الاحتلال مبنيّ بمعظمه، إن لم يكن كله، على الوسائل المتطورة من إنتاج الولايات المتحدة، وتحصل من منظومة الأقمار الاصطناعية الأميركية على الإنذارات المبكرة بإطلاق الصواريخ، كما الكيان الصهيوني حصل على وعد رسمي مُكرر من الولايات المتحدة بالحصول على مظلة في حال مهاجمتها بسلاح غير تقليدي، إضافة إلى وجود اتفاق للتعاون الاستخباري مع الأميركيين، وتقاسم المعلومات الحرجة معها، واتفاق يفيد أنه في وقت الحرب تقيم الولايات المتحدة قطارًا جويًّا لتزويد إسرائيل بقطع الغيار، المعدات العسكرية والذخيرة. وعلى رأي الخبير العسكري الإسرائيلي أليكس فيشمان، فإن “السند الاستراتيجي الأميركي، هو الذخر الأمني الأكبر والأهم، الذي لدى إسرائيل اليوم”. مضيفًا قوله إن “إسرائيل تعرف كيف تخرج إلى الحروب وحدها، لكنها لا تعرف كيف تنهيها من دون الأميركيين، وهذا ما يسمّونه التعلق الاستراتيجي”.

إلى الأعلى