الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / التعصُّب لغاء للعقل!

التعصُّب لغاء للعقل!

جواد البشيتي

”نحن نظلُّ في ثقافتنا الحقيقية من أحفاد عبس وذبيان مهما تسربلنا بسرابيل “القومية” و”الليبرالية” و”العلمانية” و”اليسارية”، فكلُّ متسربلٍ بسربال منها، أو من غيرها ممَّا يشبهها، يكفي أن تَسْتَفِزَّ “الجاهلي” الكامن فيه حتى يرجع القهقرى إلى “قبيلته” و”قبليته”، وإلى ما تفرَّع منهما من دولٍ وأوطان وأحزاب..”

هل تريد أنْ تَعْرِف ماهيَّتك الحقيقية، ومَنْ أنتَ حقًّا، أو أنْ ترى نفسكَ على حقيقتها العارية من كل ما خلعته عليها من ثياب وأقنعة جميلة؟
الإجابة في منتهى البساطة، فإنَّكَ يكفي أنْ تَعرِف ما الذي يَسْتَفِزُّكَ، ويهيِّجكَ، ويُخْرِجكَ عن طورك، ويجعل لكَ عينًا لا تُبْصِر، وأُذنًا لا تَسمع، ورأسًا من نارٍ حامية، حتى تَعْرِف مَنْ أنتَ.
إنَّ خَدْش عصبية (تستبدُّ بكَ) أصبحت، في عالم الأمم الحيَّة المتحضِّرة، أثرًا بعد عين؛ لكنَّها جَعَلَت لها منكَ “مَتْحَفًا”، هو ما يَسْتَفِزُّكَ، وهو، من ثمَّ، المفتاح الذي به نفتح المُغْلَق منكَ، انتماءً وهويةً ووعيًا وشعورًا.
إنَّنا نتزيَّن ونتبرَّج بفكرٍ وثقافةٍ، من صُنْع غيرنا، ويَكْمُن فيهما “الرَّاقي” و”الحضاري” من “الانتماء” و”الانحياز” و”الهوية”؛ لكننا، في أوقات الضِّيق والشدة، أي عندما يُسْتَفَز “الجاهلي” الكامن فينا، نُسْرِع في الارتداد إلى الميِّت، الحي أبدًا في نفوسنا ومشاعرنا، وفي “الباطن”، أي الحقيقي، من وعينا.
نحن نظلُّ في ثقافتنا الحقيقية من أحفاد عبس وذبيان مهما تسربلنا بسرابيل “القومية” و”الليبرالية” و”العلمانية” و”اليسارية”، فكلُّ متسربلٍ بسربال منها، أو من غيرها ممَّا يشبهها، يكفي أن تَسْتَفِزَّ “الجاهلي” الكامن فيه حتى يرجع القهقرى إلى “قبيلته” و”قبليته”، وإلى ما تفرَّع منهما من دولٍ وأوطان وأحزاب..
تعصَّبوا وانحازوا؛ لكن ليس لأشياء لم تختروها اختيارًا، كالقبيلة والطائفة الدينية، وإنَّما لأشياء اخترتموها بأنفسكم، كالفكر الذي تتسربلون به تسربلًا.
“العصبية”، على وجه العموم، من “العُصْبَة”، وهي “الجماعة” من الناس، أو الحيوان، أو الطير.. “إذْ قَالُوا ليُوسُفُ وأخُوهُ أحَبُّ إلى أبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةُ إِنَّ أبَانَا لَفِي ضلاَلٍ مُبينٍ”، أمَّا معناها فهو تمادٍ ومغالاة وإفراط المرء في الميل والانحياز والانتصار لعُصْبَته، أي للجماعة البشرية التي ينتمي إليها بالدم، أو بغيره؛ وهذا “التعصُّب” هو كالتعصُّب العشائري والقبلي، والتعصُّب الديني، والتعصُّب الطائفي والمذهبي، والتعصُّب القومي.
“التعصُّب” مذموم، ولو كان من قبيل تعصُّب المرء لأفكاره، فالمرء المتعصِّب (المتعنِّت) لأفكاره، التي هي عادة، أو على وجه العموم، ليست من صُنْعه هو، يبدي دائمًا إعجابًا شديدًا بها، لا يتنازل عنها ولو ثَبت لديه بالدليل القاطع بطلانها؛ إنَّه من مدرسة “عنزة ولو طارت”!
وإيَّاكم أنْ تظنُّوا أنَّ “الآخر” لا وجود له حيث تسود وتزدهر “العصبية” و”التعصُّب”؛ إنَّه موجود دائمًا؛ لكن على هيئة “عدوٍّ لدود”، أو “شيطان رجيم”؛ وبعض المتعصِّبين قد يوظِّفون “السماء” في “شيطنة” هذا “الآخر”، حتى يَسْهُل عليهم تحرير “الطاقة الإيمانية الدينية” لدى أتباعهم في معركة “القضاء على الآخر”.
وإيَّاكم أنْ تظنُّوا أيضًا أنَّ مجتمعًا تستبدُّ بأبنائه عصبية عشائرية، أو قبلية، أو دينية، أو قومية، ويَنْظُر إلى “الآخر”، ويعامله، على أنَّه “عدوٌّ مبين”، أو “محتَمَل”، يمكن أنْ يُنْجِب أشخاصًا من أمثال القائل “قد أخالفكَ الرأي؛ لكنني لن أتردَّد في أن أدفع حياتي ثمنًا لحرِّية رأيكَ”، فمجتمع كهذا لا يُنْجِب إلاَّ من هم على شاكلة القائل “مَنْ ليس مِنَّا ومعنا، فهو ضدَّنا وعلينا”.
“التعصُّب” ينطوي على “الانتماء” و”الانحياز”؛ لكنَّه لا يَعْدِلهما، فكل “تعصُّب” يكمن فيه “الانتماء”، أو “الانحياز”؛ لكن ليس كل “انتماء”، أو “انحياز”، يجب أنْ يكمن فيه “التعصُّب”، فالمرء إذا “تعصَّب” لـ”عُصْبَتِه”، أي لجماعته، فلا بدَّ له من أنْ يصبح أعمى البصر والبصيرة، له عين لا تبصر، وعقل لا يعقل؛ ولا بدَّ له، أيضًا، من أنْ يغدو كالجاهِل لجهة عدائه لنفسه (الجاهِل عدو نفسه) ذلك لأنَّ “التعصُّب” لا يسمح له بوعي حقوقه ومصالحه الحقيقية (ومَنْ لا يعي حقوقه ومصالحه لا يمكنه أبدًا الدفاع عنها) ويَزُجَّ به في كل صراعٍ أو حرب؛ لكن بصفة كونه وقودًا له أو لها، أي يجعله (هذا التعصُّب) جنديًا دائمًا في معارِك لا ناقة له فيها ولا جَمَل، إذا لم يكن هو نفسه الناقة أو الجَمَل.
و”سؤال الانتماء”، الذي بحسب إجابة المجيب عنه نميِّز “الانتماء الحضاري” من “نقائضه”، إنَّما هو: هل أنتمي (أنا ابن القرن الحادي والعشرين بعد وليس قبل الميلاد) إلى ما لم أخْتَر، وما لم أُرِدْ، أم إلى ما أختار، وما أُريد؟
أنتَ لم تَخْتَر، ولم تُرِدْ، أنْ تكون من عُصْبَةٍ ما (من عشيرة أو قبيلة أو جماعة دينية..) لكن يمكنكَ أن تختار، وأنْ تريد، انتماءً آخر، فيه، وبه، تُحقِّق، أو تتحقَّق، ذاتكَ.
في “التعصُّب”، وبه، يرتفع (حتمًا) منسوب الوحشية في صلتنا بـ”الآخر”؛ فـ”الآخر” لا يَظْهَر في مرآة المتعصِّب إلاَّ على هيئة شيطان رجيم، أو على هيئة عدوٍّ مبين، نَسْتَحِلُّ، بفضل “ثقافة التعصُّب” التي رضعناها رضاعةً، حتى قتله، فنقتله وكأنَّنا نقتل حشرةً ضارةً، ونخترع لتمجيد قتله ما تطمئنُّ له نفوسنا من أخلاق وعقائد، فهذه “الثقافة” لا أهمية تُذْكَر لها إنْ هي لم تجعل أصحابها (أي ضحاياها) مؤمنين بأنَّ الخير، كل الخير، يكمن في هذا الشر الإنساني، أي في معاملة “الآخر”، وجودًا وحقوقًا، على أنَّه الشيطان الرجيم.

إلى الأعلى