الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الأحماض السياسية العراقية!!

الأحماض السياسية العراقية!!

عادل سعد

”لقد عكست المناقشات والحوارات التي جرت هموم النخب السياسية والثقافية والإعلامية العراقية، ولم يشذ عن ذلك متحدث واحد، غير أن الهم الأكبر بشأن هذه السياسة لم يطرح على بساط التشخيص، ويكمن في أن أغلب المتصدين للسياسة العراقية الخارجية يدعون الفهم، وأنه ينبغي أن تؤخذ آراؤهم على أنها مرجعية وليست وجهة نظر.”

وسط افتقاد البوصلة الوطنية يتطلب الوضع السياسي في العراق أن يكون هناك (بنك أفكار) يخص الحاجات الوطنية في الإطار الاستثماري الذي يجعل الدولة العراقية قادرة على الاستعانة بها وفق ما يحقق الأهداف التي من شأنها أن تدفع العراق بعيدًا عن حالة التشرذم والانغلاق، وسياسات التشفي والنكايات وكيل الاتهامات بين المكونات الحاكمة، وإذا كان الألبان قد قالوا (إن الأحماض القوية تأكل أوعيتها) تظل سداسية الزهد والورع والقناعة والصبر والتوكل والرضا هي التي تخفف من نسبة تركيز الأحماض السياسية العراقية، وإذا كان شكسبير قد قال (إن الطريق الأفضل لا يخضع للمساومة) فإن من الأفضل للساسة العراقيين أن ينتزعوا من أولوياتهم ذلك الانغلاق الطائفي والمناطقي والاثني الذي جر على بلادهم الكثير من الويلات والحماقات، وآخر الحماقات أن يلجأ عراقي كردي إلى إحراق علم بلاده نكاية به.
قد يقول بعضهم إنهم في خدمة مثل هذا (الأفضل)، ولكن قائمة التحديات طويلة، وإن علينا أن نتفق أولًا على مواجهة هذه التحديات، ومن ثم الانصراف إلى قضايا أخرى، وكأنهم بذلك يقتفون أثر تلك الفئران التي ما زالت تتبادل الآراء! على من يتطوع ليعلّق الجرس في رقبة القط لكي يكون صوت الجرس إنذارًا لهم من أجل أن يتدبروا أوضاعهم وينجوا من (غاراته) المتكررة.
لقد كنت أحد المدعوين إلى حلقة تشاورية عقدت في الحادي عشر من الشهر الجاري بمقر مجلس النواب وحضرها رئيس البرلمان الدكتور سليم الجبوري وعدد من أعضاء لجنة العلاقات الخارجية فيه، ومجموعة من النخب الأكاديمية والإعلامية، كان الموضوع عن السياسة الخارجية العراقية، أين هي الآن من الأحداث الإقليمية والدولية؟ ولماذا لم يستطع العراق حتى الآن أن يكون رقمًا مؤثرًا في أحداث الساعة؟ وكما التقينا اختتمنا الورشة بعدد طويل من التوصيات والمقررات التي لم تكن جديدة في كل الأحوال.
لقد عكست المناقشات والحوارات التي جرت هموم النخب السياسية والثقافية والإعلامية العراقية، ولم يشذ عن ذلك متحدث واحد، غير أن الهم الأكبر بشأن هذه السياسة لم يطرح على بساط التشخيص، ويكمن في أن أغلب المتصدين للسياسة العراقية الخارجية يدعون الفهم، وأنه ينبغي أن تؤخذ آراؤهم على أنها مرجعية وليست وجهة نظر، لذلك تجدهم تحت طائلة الادعاء المطلق أنهم قادة هذه المهمة.
لقد تفتت النفوذ العراقي القائم على المصالح المشتركة، سواء أكانت ثنائية منها، أو في الإطارين الإقليمي والدولي تحت لافتة التنافس بين السياسيين العراقيين في نقل صور متناقضة بغلاف خارجي مادته العراق، وبمضمون ما تريده هذه الطائفة أو تلك، وأستطيع أن أجزم هنا أن كل العواصم في الإقليم الذي يضم العراق سمعوا من مسؤولين عراقيين آراء ومقترحات وتمنيات متباينة في الطرح، وتلك هي إحدى مصائب السياسة العراقية الحالية، مع ملاحظة أن الأطراف الإقليمية هي بالضرورة تستجيب لما يطرحه هذا الطرف العراقي أو ذاك تبعا لمصالحها.
وليس من السر أن نقول إن أغلب الأطراف الإقليمية والدولية وجدت في هذا (البازار) السياسي العراقي ما يريح تصوراتها، وليس في تلبية المطالب العراقية الوطنية، بل في استرخاص واضح لصالح علاقات مع هذا الطرف أو ذاك، وهكذا نجد أن هناك سياسيين عراقيين يمتدحون السياسة التركية إزاء العراق، وآخرين يصفونها بالخرقاء وتمثل تدخلًا في الشؤون العراقية، وكذلك الحال بالنسبة للتعامل مع سياسات دول إقليمية أخرى، وهكذا، ومن محتوى البناء على الموضوع بمقتضاه، أقول إن المجمل العام للسياسة الخارجية العراقية ما زال يتعاطى الشأن الدبلوماسي على أساس التفاطن، وردود الفعل، الوضع الذي أتاح لبعض القوى الدولية أن تتجرأ بطرح الفكرة الواهية التي تقول إن خلاص العراق بتقسيمه إلى ثلاث دول وهم ينسفون بذلك كل التاريخ الحضاري الراسخ والمعروف للعراق الواحد.

إلى الأعلى