الثلاثاء 26 سبتمبر 2017 م - ٥ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / فيديريكو جارسيا لوركا Fedrico Garcia Lorca (1)

فيديريكو جارسيا لوركا Fedrico Garcia Lorca (1)

علي عقلة عرسان

من قرص النار الملتهب كان فان جوخ يستمد حرارة ألوانه ليعبر عن دفق الدم الحار في عروقه.. وكان يقف تحت ضوء الشمس ونارها المحرقة، لتنتقل حرارتها، وخصب الأرض التي يقف عليها، إلى فرشاته. وليمتزج ذلك مع ألوانه، في لوحة. وإلى تاهيتي سافر بول جوجان ليمتزج بالأرض البكر، وبسمراوات تاهيتي، ليخرج، بعد ذلك، الخَمرة والسُّمرة والدم المشتعل، في لوحة. ومن الأحمر المشتعل المذاب على أرضية من النار، مزج جويا ألوانًا رسم بها لوحة الحرية..
ولكن لوركا جمع صوفية فان جوخ واندفاعه الجنوني، وجوجان وبدائيته، وألوان جويا الحارّة، ليخوض الحياة بدم يغلي، وروح ثائر لا يعرف الهدوء.
جمع لوركا في قلبه الدافئ، قلب الشاعر، قلب الريفي والغجري، قلب الطبيعة الحية التي تستمد من الشمس نارها، ومن القمر سحر ضيائها.. جمع لوركا في قلبه كل ما من شأنه، لو مس الوجود، لأحاله إلى لوحة جميلة ساخنة ساحرة وجذابة. وكان الموت يحرك كل شيء في عالمه.. الموت يدفع الدم في العروق إلى الغليان، والموت يجعل القلوب تهفو إلى الخلود، في الحب والنسل والإخصاب والحرية والمتعة.
وكان يرى في الموت نفسه، الخلودَ والحرية..”إن الإنسان أسير ولا يمكن أن يتحرر.. أيتها الحرية في الأعالي.. أيتها الحرية الحقيقية أوقدي لي نجومك البعيدة.. وداعًا وجففوا النشيج”. هكذا تصيح ماريانا إحدى شخصياته عندما تقبل على الموت.
مرَّ لوركا في الوجود مرور سهم النار في حلكة الليل.. وغرس على سفوح الروابي في إسبانيا، وعلى شفاه الأطفال والفلاحين ونساء الأرياف، أغان وذكريات خلد فيها الأندلس “الأرض.. والشعب”، وروح غرناطة وقرطبة. مسرحه لون من الأحاسيس للذين ما كانوا ليطمحوا يومًا إلى الوصول لمجرد الإحساس بها في أشعار.
في عالم لوركا الشعري كل شيء يتحول إلى لون حيٍّ، وصورة طافحة بالجمال، ونبع صفاء ثر العطاء. كل شيء يتحرك، وكل شيء يتكلم، وكل شيء ينقل للإنسان صورة عن أحاسيسه ورؤاه.. القمر يتحول إلى خنجر عندما يندلق ضياؤه على الهاربين الملاحقين في عرس الدم، ويشارك في الجريمة فهو قاتل، شأنه شأن القاتل تمامًا.. وهو حي تمور في عروقه دماء من ياسمين. والصفصاف يرسم في الأماسي صورًا ذات ظلال، تشارك في إسباغ السحر المرغوب فيه على الوجود. والزيتون الأخضر عند لوركا يمتد على عيني الغجرية، مشكلًا أحلامها وشَعرها وجسمها ورؤاها، والدماء الزكية لها في شعر لوركا رائحة تُشمّ مع الحرف، وهي تتدفق من العروق كلما التقت مدية صغيرة بيد رجل. والمدية..”المدية الصغيرة التي لا تعيها اليد.. ولكنها تنفذ بيسر في فلذات اللحم المباغت، لتقف في الموضع الذي تختلج فيه، متشابكة مع جذور صرخاتنا..”المُدية في شعر لوركا، وفي حياة لوركا، أصبحت شيئًا تقشعرّ منه أبدان الأمهات، ويرتبط في الأذهان بالدم المهراق.. بالموت، بالخناجر، والزيتون الذي تمتزج خضرته بدماء الشباب.
هذه العناصر متلازمة في شعر لوركا، وهي نتيجة حتمية في عالم يزخر بالحب وتدفع قوة الإخصاب فيه النساء إلى الجريمة. ويقف الشرف حائلًا دون بلوغ الارتواء عند العطاش..”فما فائدة الحياة، وما طعم الحياة بدم فاسد”؟!.. إن دمًا ينزف من العروق، ويسقي الرمل والصفصاف والزيتون، لهو خير من دم فاسد يبقى في العروق، ويمنح الإنسان حياة قد لا يطيقها.
في عالم لوركا.. تعبق الغريزة برائحة الدم، ويعبَق الدم برائحة الليمون والتفاح، وينسكب على كل المشاعر ضوء القمر، فتزهر الصورة، وتخضل، وتتضمخ بالدم والشوق والعطر.
لقد استقى لوركا صوره وموضوعات مسرحياته من واقع الريف الإسباني، من جماعة الغجر الذين يرتبطون بالبدائية، بالغريزة المتفجرة.. بالاندفاع وراء الأحاسيس المزهرة المزدهرة. وكما صوّر جوجان التاهيتيات صوّر لوركا حياة الغجر، فأبدع.. ولم يكن بوشكين بعيدًا عن هؤلاء في إبداعه المتميز، وغجريته التي لا تُنسى. إن الغجري يرتبط بالحب.. بالدم الحار.. بالطبيعة، وبالغريزة المنطلقة. وقد غمرت هذه الأشياء شعر لوركا، ولكنه لم يقصُر شعره ومسرحه على تصوير الغجر، فهو في الواقع شاعر الحرية، وشاعر الأسطورة الشعبية، ذات الجذور الواقعية العنيفة، المرتبطة بالأرض والتقاليد الشعبية المعيشة.
فلوركا يصوّر الريف الإسباني ويجد فيه موضوعات جيّدة وموحية لشعره ومسرحياته. وفي الريف نجد نماذج شخصيات مسرح لوركا: نرى المرأة العاقر، شوكة الصحراء التي ذاب جسمها شوقًا لطفل، وهي تغنّي وتدور، والدمعة في عينيها، ودمها يغلي.. تريد طفلًا، وزوجها منصرف عنها إلى العمل في الحقل، راض بعُقمه وعقم امرأته، لا يريد سوى أن يُصان شرفه، وأن تكف أعين الناس عن النظر إليه بريبة. وفي الريف نرى العجائز اللاتي يمتهنَّ أعمال السحر، ويجمعن رأسين على وسادة، ويداوين العقم بالخيانات الزوجية، ونجد أيضًا الشرف الذي يدفع الناس إلى القتل.
في الريف نجد أمثال برنارد ألبا، الأم التي مات زوجها ولها خمس بنات عوانس، وتريد أن تحفظ شرف بناتها، وأن تزوجهن من رجال ذوي حسب ونسب، يتماشى مع حسبها ونسبها هي. وفي الريف نجد أمثال أرديلا ابنة برناردا ألبا، التي لا تريد أن تجف وأن يذبل شبابُها، ولا تستطيع أن تصبر على دفق الدم الحار في جسدها، واشتعال قلبها بنار الغيرة والشهوة.
وفي الريف نجد شخصيات مسرحية عرس الدم وحوادثَها، وشخصيات الإسكافية العجيبة وحوادثَها.. فقد أخذ لوركا الموضوعات الشعبية، وصاغها في قالب شعري، أكسب تلك الموضوعات جمالًا، وكساها بحلل من الصور الزاهية، جعلت للحب طعمًا جديدًا، وللشوق والانتظار والدوران حول بيت الحبيبة، بل وللموت في سبيل الحب، معنى.. وأكسب الزيتون والصفصاف والهضاب وضوء القمر والخناجر، حياة كحياة البشر، وحرّك كل شيء في لوحة جميلة متينة يتمكن الفنان منها.

“ولد فديريكو جارسيا لوركا عام 1899 في قرية فوينتيجا كيروس قرب غرناطة بالأندلس، لعائلة ميسورة. وكان والداه يملكان أراض زراعية في تلك المنطقة، ويعيشان منها. وقد ورث لوركا عن أبيه الحرارة الخاصة بالروح الأندلسية السخية دائمًا، والمتحدية أحيانًا. وبسبب هذا الإرث أصبح جزءًا حيًا من الشعب وابنًا لغرناطة. أما أمه فقد ورث عنها الذكاء، والمواهب الفنية المتنوعة الجوانب”.
وقد ارتبط لوركا بأرضه وشعبه بعد ذلك، وحافظ على خيال الطفل، وروح الريفي وقلبه. وعندما أنهى دراسته الابتدائية والثانوية في مدرسة “إلميريا”، وانتقل إلى كلية غرناطة ليدرس الحقوق والآداب، وليقيم بعد ذلك في مدريد، بقي يحمل قلب الريفي وخيال الطفل. وقد تأخر حتى نال شهادة الحقوق، لأنه لم يكن يجد في نفسه ميلًا للدراسة الأكاديمية.
أقام لوركا في مدريد، وكان يتردد على غرناطة في أيام الامتحانات، وفي الصيف كان يقيم في منزل والده الريفي. وأنتجت وقدة الشباب لديه أول ديوان شعر له في عام 1920 وكان قد نشر في عام 1918 قطعًا نثرية بعنوان “مناظر وانطباعات”. وفي منزل الطلبة بمدريد كانت أخصب الفترات التي كونته أو بنته ثقافيًا، فقد اجتمع هناك بمشاهير عصره من الأدباء والشعراء والرسامين والموسيقيين، فتعرف على سالفادور دالي، الرسام السريالي المشهور، وعلى الشاعر الإسباني خوان رامون خيمينيث، وانطونيو ماتشادو، ورافائيل ألبرتي، وبدرو روزاليس. وفي منزل الطلبة كان يستمع لوركا للمحاضرات والمناقشات. ولم تمض أشهر قليلة حتى اشتهر لوركا في مدريد كشاعر، من أنبغ الشعراء الشباب، فقد كان يلقي شعره بنفسه بحماسة بالغة، ويطلع على الناس كل يوم بصوره الأخاذة الساحرة، فيُدهش ويُعجب ويثير في النفوس كوامن الأحاسيس. وفي مدريد كان لوركا “ومضة طبيعية، وطاقة في تحول دائم، وفرحًا، وألقًا متوهجًا، وحنانًا فوق طاقة الإنسان. ولقد كان شخصه ساحرًا أسمر ينادي بالهناء.”كما يقول عنه بابلو نيرودا.
وقد احتل لوركا مكانته الشعرية بين شعراء زمانه، بفضل انسكابه شعرًا من أعماق الريف الإسباني، والتقاليد الأندلسية وما فيها من أمشاج إبداعية، تنحدر من تفاعل حضارات عريقة، منها العربية. لم يكن لوركا يسير خلف المدارس أو المذاهب الأدبية، ولم يشأ أن يتبع طريقًا شقها غيره، وفضّل أن يخوض التجربة بكل أبعادها، وأن يكتشف. وربما لم يصدّع رأسه بالتفكير في التيارات الأدبية وخصائصها، وأطلق نفسه الغنية على سجيتها، فأبدعت فيه الفطرة وأبدع بالفطرة، حيث سلك طريقًا جعلته شاعرًا عالميًا، بالرغم من محلية صوره وموضوعاته، أو بسبب من ذلك. لقد تناول الأغاني الشعبية الإسبانية، وأغاني الأطفال، وأغاني أعياد الميلاد، وتراتيل القديسين.. وصاغ كل ذلك شعرًا بلغة اللون واللحن والكلمة مجتمعة، وحافظ في ذلك كله على جو الأسطورة البدائية، وعلى الإحساس الريفي المتدفق عبر الكلمات، من خلال جمال أجواء الأندلس، وما توحيه غرناطة: قصر الحمراء.. وجنة العريف، والغروب الجميل، والريف الغرناطي، والزيتون الغارق في الخضرة، والتلال البنفسجية الساحرة، تلك التي جعلها صاحب الزهراء، في يوم من الأيام، مساحة ثلج من زهر اللوز، ليُسعد حبيبته.
صوّر لوركا عواطف راسخة وخالدة في الإنسان، استقاها من ريف بلاده، وأعطاها صورة العمومية بوصفها عواطف وأحاسيس إنسانية باقية ما بقي الإنسان، موجودة أنى وجد الإنسان. ولذلك عندما خرج ديوانه “أغان غجرية” تُرجم إلى عدة لغات، وعندما كتب مسرحياته تسابقت على تقديمها أكثر مسارح العالم.
سطع نجم لوركا الأدبي بعد ديوانه “أغان غجرية”، وكان قد كتب من قبل ثلاثة دواوين هي:
قصائد ـ أناشيد ـ وقصيدة ألكانت هوندو.
وفي عام 1924 كتب لوركا مسرحيته ماريانا بنيدا التي وجهت إليه أنظار الناس في مدريد بوصفه كاتبًا مسرحيًّا. وقد عرضت هذه المسرحية في وقت كان فيه الحديث عن الحرية ممنوعًا، والنضال بين الجمهوريين والملكيين على أشده، وشوارع مدن إسبانيا وطرقاتها تنغل بدبيب خطا الثورة التي تقترب بصمت. في هذا المناخ قدمت “ماريانا بنيدا”، وهي مسرحية تدور حوادثها في عام “1850″ وبطلتها ماريانا بنيدا شاركت الجمهوريين مبادئهم، وأخذت تطرز لهم علم الثورة، وأحبت منهم رجلًا كان هو الذي دلّها على طريق الحرية، أحبته فكان هو الحرية، وحبها له جعلها تحب المبدأ، فانطلقت في النضال معه بإصرار. وعندما قُبض عليها وهددت بالإعدام، لم تلن، وحكم عليها بالموت شنقًا، فسارت للموت وهي واثقة من أنه الملجأ الأخير، والمكان الذي يمكن أن يبلغ فيه الإنسان الحرية الحقة. وهكذا توسعت دائرة أفكارها ونظرتها للحياة.
فقد كانت تدافع عن وجهة نظر معينة، وتدعو إلى الحرية في ظل الجمهوريين ومعهم، وعندما حُكم عليها بالموت وجدت أن وجود الإنسان على قيد الحياة، في أي شكل، وأي عهد، يُعتبر تجميدًا لحريته وأن الحرية الحقة، الحرية الصحيحة، لا تكون إلا في الموت؟! ولذلك قالت في آخر المسرحية: “الآن أعرف ما يقول البلبل والشجر، إن الإنسان أسير ولا يمكن أن يتحرر.. أيتها الحرية في الأعالي، أيتها الحرية الحقيقية أوقدي لي نجومك البعيدة.. وداعًا وخففوا النشيج”.
ولا تعتبر مسرحية “ماريانا” من المسرحيات القوية من حيث البناء المسرحي، فهي مسرحية تشتمل على كثير من الاستطرادات الشعرية، التي قُصِد فيها التغني بالحب أو الحرية، من دون أن تساهم في دفع الصراع المسرحي، والحركة، والأحداث المسرحية، إلى الأمام.. ولذلك نحس ببعض الفجوات في البناء الفني للمسرحية. ولم يكن لوركا قد كتب قبلها للمسرح إلا مسرحية واحدة هي: “سحر الفراشة”، وإن كان قد شدّه للمسرح رباط وثيق منذ صباه، فقد كان مولعًا برؤية مسرح العرائس، وكان في صغره يشتري بما يدخره لعبًا، ويقوم بحفلات خاصة، ويقلد أمام والديه الخطباء، والقسيس، والناس.
وبعد ماريانا بنيدا، وأغان غجرية، وصل لوركا إلى شهرة واسعة، وأخذ يبحث عن ينابيع جديدة للإلهام. فسافر إلى أميركا عام 1929 وأقام هناك، طالبًا في جامعة “كولومبيا”. وفي أميركا بقي معزولًا عن صخب المدينة، يعيش مع الزنوج في حي هارلم، محنتهم السوداء. وبعد إقامة في أميركا، ألقى خلالها بعض المحاضرات، أخرج ديوانًا من الشعر بعنوان “قصائد إلى ملك هارلم”، جديدًا في نكهته ولونه وأسلوب أشعاره، صوّر فيه محنة السود. ومما جاء في نشيد من الديوان بعنوان: “نشيد إلى ملك هارلم”، قول لوركا:
“آي هارلم.. آي هارلم.. آي هارلم
ليس من هلع يحاكي هلع عيونك المضطهدة
ودمك المختلج في الكسوف القاتم
وعنقك القاني، الأعمى، الأصم، في الظل
وملكك الكبير الأسير في ملابس البواب”.
وبعد عودة لوركا من رحلته إلى أميركا عام 1930 عمل على إنشاء مسرح متجول في الأرياف، وحصل على مساعدة الدولة، وأسس مسرح العربة المتجوِّلة، وألّف فرقة من شباب الجامعة، وبدأ يطوف القرى ويقدم مسرحياته، والمسرحيات الكلاسيكية الإسبانية من تأليف بدرو كالدرون ولوب دي فيجا. وكان يعمل مديرًا للفرقة منذ نشأتها عام 1931 ومخرجًا فيها، وقد صادفت الحركة إقبالًا عظيمًا من الفلاحين في الريف الإسباني. وقد استفاد لوركا من هذه الرحلة استفادة عظيمة، فقد تشبع بروح الشعب في الريف، وازداد خبرة وإطلاعًا على خفايا الناس وما يحركهم وما يعجبهم وما يشغلهم، وازداد فهمًا لبواطن الأمور. وعندما عاد من رحلته تلك سافر إلى أميركا مرة أخرى عام 1933, وألقى عدة محاضرات في نيويورك، واتصل برجالات الفكر والأدب في أميركا من الشبان. وقد عاد بقصيدة رائعة من نظمه في هذه الرحلة، أهداها لوالت ويتمان الشاعر الأميركي. ويقول أحد النقاد الإسبان عن هذه القصيدة، إنها “أهم آثار الشاعر الوجدانية وأصدقها إلهامًا”. وبعد أميركا سافر إلى كوبا، ومكسيكو، وبوينس آيرس. وكان يستقبل هناك على أنه أعظم شاعر إسباني.
ولم يؤخذ لوركا بسحر هذا النجاح، وإنما عاد يجهد النفس في شق طريق جديدة، وإظهار عبقريته من جديد. فلم يكتف بكونه شاعرًا مجددًا، ورسامًا، وموسيقيًّا، ومغنيًا، بل أراد أن يصبح كاتبًا ومخرجًا مسرحيًّا، ونزل إلى المسرح بمسرحية “عرس الدم”، أو الزفاف الدامي. وهي مسرحية تعتمد على الأشعار، والمناظر المسرحية، والأجواء والظلال المثيرة المخيفة، وكأنما خلْف كل دغل من أدغال مناظرها يكمن فهد يريد أن ينقض. إننا نحس بذلك وكأنه شبح يلاحق المشاهد من أول المسرحية، وينبئ بالجريمة الفظيعة، أو المشهد الأليم في نهايتها.
تدور القصة في الريف، حيث يكثر الحب والعراك، وتسود عادات الثأر. شابان يحبان فتاة واحدة، وبين أسرتيهما عداوات، وثأر قديم، ودم مراق. أحدهما يتزوج وينجب طفلًا من فتاة غير التي أحبها، والآخر بعد مضي وقت، يخطب الفتاة التي أحباها معًا. وفي ليلة الزفاف يعود الحبيب الأول المنافس، والزوج الذي عنده ولد، ويخطف الفتاة التي لم تستطع أن تقاوم صوته الهامس، وتذكيره لها بالأيام السابقة، والحب العميق.. فقد كانت تحبه هي بالفعل، وطلب إليها أمرًا ولكنها رفضت، ولذا غضب وتزوج غيرها؛ أما هي فقد أبقت على حبه، وأخيرًا أرادت أن تهرب من حبه إلى أحضان رجل آخر، فقبلت الزواج من منافسه. هربت الخطيبة والعروس، في ليلة الزفاف، من حوزة زوجها الجديد، قبل أن يمسها، وعلى رأسها إكليل أزهار الليمون.. هربت مع حبيبها الأول. وبدأت المطاردة عنيفة، وقوية، ومؤلمة، تحمل في طياتها الثأر القديم. فإن أهل الحبيب الهارب بالعروس، كانوا قد قتلوا أخا العريس ووالده ـ تذكر، إن شئت، روميو وجولييت لشكسبير ـ واستمرت المطاردة عبر الأدغال، وتدخّل القمرُ في الأمر، فالظلام حالك، وهو سيبزغ، وببزوغه سينسكب الضوء على الهاربيْن، وسيراهما الناس، وسيموتان. وهاهو القمر يتحرك وفي عروقه دم الياسمين، ليشارك في الجريمة وليقررها. إن الخناجر تشتاق إلى الدماء، والعروق مشتعلة بالحقد، بالحب، بالثأر، بالشهوة.. لدى الهاربين والمطاردين. والعروس مع حبيبها تشتعل حبًا، وتذوب شوقًا، وترتعد هلعًا.. إنها تريده ولا تريد الفضيحة، فالشرف في الريف ـ وعند من يقدر الشرف ـ ثمين.
ويبزغ القمر، وينسكب ضوؤه القاتل على إكليل الليمون، فوق رأس العروس، وهي جاثية تنظر في عيني حبيبها المشتعلتين بنار الشهوة.. فترات وتبرز الخناجر، ويتفجّر الدم من العروق، وتزين الزنابق الحمراء صدغي شابين، ويرتوي الزيتون بالدم الحار. وتعود الفتاة إلى القرية وترى حماتها، أو المرأة التي كان يمكن أن تكون حماتها، وقد انهدّ عزمها، ونزلت عليها طمأنينة غريبة، وهي تقول:”هنا سأظل مقيمة.. هادئة مطمئنة، فقد ماتوا جميعًا. وعند منتصف الليل، بعد الآن، سوف أنام، دون أن أخشى شيئًا من الخناجر والمسدسات. الأمهات الأخريات سوف ينحنين على النوافذ والشرفات، يلسعهن المطر بسياطه، في انتظار عودة أولادهن؛ أما بالنسبة إليّ، فقد انتهى كل شيء. سوف أعمل من رقادي حمامة باردة من العاج، تحمل أزهار الكاميليا الندية إلى المقبرة. مقبرة؟ لا.. بل مثوى من التراب يحميهم ويهديهم في السماء. إن أيامًا رهيبة سوف تأتي. وأنا لا أريد أن أرى أحدًا.. الأرض وأنا، دموعي وأنا، وهذه الجدران الأربعة”.
لوركا في هذه المسرحية يبلغ، في تصوير عادات الناس في الريف، وفي تصوير الأحاسيس الإنسانية العميقة، والدوافع والعواطف المتضاربة، لدى من يملكون الدم الحار، حدّ الروعة. إنه يخوض في قلوب الأمهات، والعذارى، والزوجات، ويصوّر مأساة الوجود كله، من خلال أحاسيس المرأة، ونظرتها، وانفعالها، أمًا وزوجة وحبيبة.
الأم تنجب، ويرتعش دمها كل ليلة ألف مرة، خوفًا وقلقًا على ابنها.. إنها تخاف المُدية التي تغوص في أعماق اللحم، وتحيل رجلًا كالثور إلى جثة بلا حراك.. وتخشى الرصاصة التي توزع الزنابق الحمراء على الجسم البشري الغض.
والزوجة تعيش الغيرة على زوجها، والقلق على أطفالها.. والحبيبة يأكلها الشوق، وتذيبها أغان ونظرات.. يتمزق قلبها كل مساء، فهي مشدودة بين شوق الحب ولذة الشهوة، وبين الشرف والخوف من التقاليد والأعراف المرعيّة.. إنها تخاف الناس وألسنتهم، فتعيش صراعًا مرًا مع دمها الحار، وإذا ما انطلقت ملبية نداء الغريزة للحظة،فإنها تعيش بعد تلك اللحظة عمرًا من الألم، وربما تفيض دماؤها الحارة على الرمل، لتسقي حبال الشوق الرمادية.
إن لوركا في “عرس الدم” كما في سائر مسرحياته، يصوّر المشاعر الرقيقة، وصراع أحاسيس تضرب جذورها في عمق الجسد والروح، وفي صلب الحياة، وجوهر الوجود الإنساني. وهو لا يصوّر ذلك بغية إثبات فكرة، كما أنه لا يمسك هذه الأحاسيس وتلك العواطف بقبضة العقل، وبيد رجل الفكر، وإنما يمسّها بقلب الشاعر وعِرقه النابض بالحس الرقيق، إنه يعيش العاطفة ويحييها ويجسمها لذاتها، ولا يقتلها في سبيل إثبات فكرة.
ولوركا شاعر العاطفة الجياشة والدم الحار.. شاعر الطبيعة الحية المتشابكة مع القلب البشري بكل عنفوان دمه.. لوركا الإنسان، والشاعر، والكاتب المسرحي، والموسيقي، والمصوّر، والمخرج المسرحي الفنان، يحافظ على بدائية العاطفة وتدفقها، ويصوّر روح ابن الريف، ويسري في عروقه الدم الحار، والإرث الجليل للدم العربي والأعراف والتقاليد العربية التي حرثت وغرست وأنبتت في إسبانيا الأندلس.
ومسرحية عرس الدم مسرحية حارة، الانفعال فيها ينسيك تدفق الحياة والنار في الكلمات، ويكاد يطغى هذا الجانب الشاعري المتمثل في الكلمات والشخصيات، على متطلبات البناء الدرامي، وينسينا جوانب الضعف فيه. إن الكلمات ترهص بالمأساة، وتساهم الخناجر والمُدَى والانطلاقات العارمة للشباب فوق الخيول التي توحي:
_ بقوة الغريزة واندفاعها وجموحها وإصرارها على الارتواء.
_ وبعنف العراك بين قوى الشباب.
_ وبسرعة تأكيد سطوة القدر.
ترهص هذه العناصر، إلى جانب الألوان وقصائد الشعر المبثوثة في النص، بالمأساة وتمهد لها.
وعندما يجسم لوركا شخصيةَ القمر، في مُحاور على المسرح، ويدَ المنية ونذير السوء وغراب البين في متسولة عجوز.. تبلغ رمزيته الشاعرية آفاقًا رحبة، ويحلق خيالُه مع خيال شكسبير في الذرى البعيدة.
إن الأشعار في عرس الدم لم تضعف النص، ولم تكن عبئًا يشل الحركة الدرامية، إلا في لحظات عابرة لا تستأهل الذكر، وكانت فيما عدا ذلك عنصرًا فعالًا في رسم جو المأساة وتعميقها والتمهيد لها. وقد رسم لوركا شخصياته بحيث تكون مؤهّلة فعلًا لأداء الحدث المسرحي الذي تعيشه، وتستطيع أن تسير به إلى قمته أو نهايته الحتمية.
وحتى لو أن لوركا كان قد رسم خطة للحوادث، فإن الشخصيات تحمل في داخلها دوافع الحوادث ونتائجها. إن التكوين النفسي والجسمي والاجتماعي للشخصيات، يجعلها على استعداد لأن تخوض الحوادث ذاتها، وتقع في الأزمات ذاتها.فالجو الاجتماعي العام الذي بدأت فيه حوادث المسرحية، جو مهيّأ لنمو الحوادث وتطورها: العداء متأصل وقوي بين آل فينيكس وأهل العريس، فهناك ثأر قديم وعداوات، فقد قتل آل فينيكس أبا العريس وأخاه. هنا نجد الفريقين مشحونين، قابلين للإثارة والانفعال بأي حدث بسيط، يكفي أن تلمع شرارة ليتقد الجو.. إنهم آل كابيوليت وآل مونتاغو كما في روميو وجولييت.
والشخصيات مبنية بناء دراميًا يتفق والأعمال التي ستقوم بها، أو بالأحرى إن الحوادث التي نبعت من الشخصيات تتفق والتكوين العام للشخصيات. فهناك الأم التي لا تترك فرصة إلا وتعيد على مسمع ولدها ومسمع الناس، أن آل فينيكس قتلوا زوجها وولدها البكر، وأنها لا تطيق رؤيتهم، وبودها أن تنتقم، ولكنها تخاف أن تخسر ابنها في النزاع فتكون عندئذ الطامة الكبرى. وهذا ما حدث في النهاية.
والعريس الشاب، بحرارة دمه وصلابة عوده، واندفاعه وحقده على آل فينيكس، وحبه للفتاة التي خُطِفت منه في ليلة زفافه، هذا الرجل مهيّأ لمطاردة من خطف زوجه، لاسيما إذا كان الخاطف عدوًا سابقًا، ومهيّأ أيضًا، بحكم الثأر والجو الدامي الذي أسبغه لوركا على الريف، لأن يلقى مصيره المؤلم.
وليونارد الزوج الذي يحب العروس ويخطفها.. هذا الرجل يحمل قلبًا دافئًا لا يعرف الجمود، وحبه للفتاة لا يزال مشتعلًا، وكراهيته المنطقية للعريس ـ التنافس في الحب والثأر القديم ـ تجعله مؤهلًا لأن يقدم على ما أقدم عليه ويلقى حتفه.
وشخصية الفتاة، التي يضطرم في قلبها حب ليونارد، ولم تقبل الزواج من الشخص الآخر إلا لتدفع عن نفسها الهلع الذي يفرضه عليها شبح ليونارد وقوته وسلطانه عليها.. إنها تراه، وترقبه، وتعرف أنه يمر بالقرب من بيتها، وأن قلبها يشتعل شوقًا إليه.. ولكنها تقاوم، وتكابر، خشية الفضيحة. إن الشرف غالٍ.. وليونارد طعنها في كرامتها عندما تزوج من غيرها، وهي تريد أن تثبت له، أنها يمكن أن تتزوج من غيره هي الأخرى. ولكن ذلك كان مجرد قناع سطحي، إذ إنها تحب ليونارد ولا تستطيع أن تقاوم همساته، وتريد أن تهرب إلى أحضان الآخر، كي تحتمي به من ليونارد.. إنها في صراع مميت، إنها تقول لأم العريس القتيل مبررة هربها: “لقد كنت أشتعل مسربلة بالجراح من داخل ومن خارج.. وكان ابنك الماء العذب الذي كنت أنتظر منه الأولاد والعافية. لقد كنت أركض مع ولدك، الذي كان باردًا كطفل مائي صغير. والآخر كان يقذف إليّ بالمئات من الطيور التي كانت تمنعني من السير، وتخلف الندى المبترد على جراحي، أنا المرأة الذابلة، أنا العذراء التي تداعبها النار.. لم أكن أريد، اسمعي جيدًا، لم أكن أريد.. لقد كان ابنك خلاصي، فلم أخنه، ولكن ساعد الآخر جرفني كما يجرف صندوق في البحر، أو كما تدفعك ضربة من رأس بغل. وحتى لو أصبحت عجوزًا يتعلق بشعري كل ولائدي المنتهين إليَّ من ابنك، لكان جرفني.”.
والفتاة، كما رُسمت شخصيتها بهذا الشكل، مهيأة لأن تهرب مع ليونارد في أي وقت.. فجميع الخطوط العامة للشخصيات واضحة ودقيقة وسليمة، ولكنَّ لوركا لم يستفد من هذه الميزة، وفاته أن يستفيد من وحدة الأضداد استفادة كاملة. إنه لم يصل بنا إلى الصراع المسرحي وقمته، الذروة، إذ فاته أن يجمع بين الضدين في مشهد واحد ـ أي ليونارد والعريس ـ إنه لم يجمع بينهما في مشهد يلهبان فيه المسرح بنارهما، ويجعلان الجمهور يشعر بعنف الأزمة، وقوة الحدث، وشدة الصراع المتوقع بينهما، وبنتائجه المحتملة. كان من الممكن جدًا الاستفادة من شخصين متنافرين، يجمع بينهما موضوع بهذا الشكل وبهذا العمق. لقد جمعهما لوركا في مشهد غير مرئي، ليقتل كلٌ منهما الآخر. ولذا تخلد في أذهاننا بعد قراءة هذه المسرحية شخصيات لوركا وكلماته وحرارة انفعاله.. أما عنف الحدث والصراع القوي، اللذان هما عصب المسرح، فإننا لا نذكر منهما شيئًا.
وعلى الرغم من هذا، تبقى عرس الدم مسرحية ناجحة، وجيّدة، تمثل أصالة لوركا.. ريفيًا وشاعرًا وإسبانيًا يحمل أرث أندلس العرب.

إلى الأعلى