السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / لماذا ترتعش هذه الأميركية كلما سمعت عبارة “الله أكبر”؟

لماذا ترتعش هذه الأميركية كلما سمعت عبارة “الله أكبر”؟

أ.د. محمد الدعمي

لاحظت في كتابي الموسوم (الإسلام الآخر) بيروت: الدار العربية للموسوعات، 2014، أن أصل جاذبية الدعوة المحمدية لحظة انبلاجها المباركة قد كمنت في انتفاضتها ضد “الصنمية”، وليس ضد الأصنام الملموسة التي حشيت الكعبة المكرمة بها وطوقتها لقرون. ومن هذه الأصنام الاعتيادية، انتخبت أصنام المال والتمييز على أنواعه: بين الغني والفقير والعربي والأعجمي والرجل والمرأة، من بين سواها من الأصنام غير الملموسة، وليست المادية فقط. لذا يتوجب علينا، مسلمين، التشبث بثورية الانتفاض ضد الأصنام الأصل، كي نقضي عليها ونمنع ظهور أصنام جديدة في المستقبل، خاصة وأن تاريخ الإسلام قد دلّ، على نحو لا يقبل الشك، على أن للأصنام قابلية عجيبة على التناسل والتكاثر من حقبة لأخرى، متنوعة حسب معطيات الحركة التاريخية.
والمعنى النهائي الجدلي الذي أبسطه في أعلاه هو أن إرادة الإله فرضت على المسلمين حالا من الحركية والثورية الدائمتين، نظرًا لتوالد الأصنام من عصر لآخر، وتجدد روح الإسلام الحق على نحو متوازِ تبعًا لذلك.
لي أن ألاحظ تعاقب هذه الآلية التاريخية التي أنتجت أنماط تكرار لا تخفى على كل من قرأ التاريخ بتمعن، وليس ببغائية متعامية. والحق، فإن هذا هو ما حدا بي إلى استذكار ما أطلق عليه جزافًا، عنوان “الإسلام الأسود”، في الولايات المتحدة الأميركية بمعنى الإسلام الذي انتشر في خمسينيات وستينيات القرن الماضي بين السكان الأفارقة السود عبر أميركا الشمالية، فاكتسب صفة “الأسود” كناية عن ظاهرة انتشاره بين الأميركان السود، وليس البيض ولا الحمر!
في السنوات التي أعلن بها بطل العالم للملاكمة، محمد علي كلاي، اعتناقه الإسلام، بلغت الموجة العالية لـ”الإسلام الأسود” أوجها عندما انتشرت الأسماء العربية والإسلامية بين السود، كناية عن رفض نظام الفصل والتمييز العنصري هناك، ولوذًا بعدالة الإسلام المثالية.
وإذا كان محمد علي قد جسّد التغيير الأميركي أعلاه على نحو مؤثر ذي أصداء عالمية عالية، فإنه سرعان ما عزز فكرة اعتناقه الإسلام علنًا، برفضه لواحد من أصنام تلك الحقبة، وهو صنم الحرب في فيتنام، إذ قبل دخول السجن جزاء رفضه الخدمة العسكرية الإلزامية في حرب رآها حربًا غير عادلة. ولم تزل ترَ في المدن الأميركية الكبرى رجالًا ونساءً سودًا يحملون أسماء عربية مثل محمد علي وجمال وعبدالله من بين سواها. وهي تخدم تذكيرًا بعصر كان قد طوي، عصر كان يمنع فيه جلوس المواطن الأسود إلى جانب الأبيض في حافلة النقل العام، ناهيك عن الفصل العنصري الذي طال حتى المدارس والأسواق ومراكز الخدمات والترفيه، للأسف. وما زال الأميركان، سودًا وبيضًا، يستذكرون تلك الحقبة بالكثير من المرارة، أملًا بأن لا تتكرر، وبأن يكون تقادم السنين قد قضى عليها الآن وإلى الأبد.
لقد لاحظت في أكثر من مقالة لـ(الوطن) خلال الأشهر القليلة الماضية ظاهرة الانتفاض والثورة التي قام بها المواطنون السود في العديد من المدن الأميركية، احتجاجًا على التمييز العنصري، إذ إنهم مقتنعون في دخيلتهم أن التمييز لم يزل موجودًا، لدى مواطنيهم البيض، وأنه يتجلى من آن لآخر في عدد من المحكات، وأبرز هذه المحكات هو التعامل المفرط باستخدام القوة الذي تتعمده قوى فرض النظام (الشرطة والشرطة السرية) ضد السود من المواطنين، درجة قتل العديد من السود أو إصابتهم بإعاقات دائمة، أو بإرسالهم إلى السجون (أحكام ثقيلة) بناء على التعذيب وعلى جعلهم يعترفون بجرائم لم يقترفوها تحت التعذيب، بدعوى مساعدتهم على التبرئة. وهكذا راحت أحداث الاحتقان والاحتكاك العنصري تتزايد بسرعة مذهلة، كما حدث قبل أشهر في مدينة “فيرجسون”.
وإذا كانت حالات الاحتكاك والارتطام بين السود والبيض (شرطة أو سواهم) لا تستبق خيرًا في معظم المدن الأميركية، فإني أتوقع أن تنطلق موجة إسلام جديدة بين السود، لوذًا بهذا الدين الحنيف من شرور التمييز العنصري بناء على لون البشرة. وبالرغم مما يعانيه ديننا الحنيف اليوم من تعمية وتشويه بسبب أفعال شبكات المنظمات الإرهابية، فإن تشبث المظلومين والمستضعفين بالإسلام، أداة للرفض ولهدم الأصنام، يبقى قائمًا بوصفه الملاذ الذي جعل بلال الحبشي وسلمان الفارسي يتمسكان بدين العدالة والسلام قبل عدة قرون! لذا ترتعش مجالستي، كلما سمعت تعبير “الله أكبر”، بسبب ما يحمله هذا اللفظ من دلالات كبيرة.

إلى الأعلى