الخميس 27 يوليو 2017 م - ٣ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / كيري المنقذ ونتنياهو المشترط!

كيري المنقذ ونتنياهو المشترط!

عبداللطيف مهنا كاتب فلسطيني

ما الذي أتى بكيري إلى فلسطين المحتلة في هذه المرة؟ وما هو المختلف فيها عما سبقنها من المرات؟ سؤالان سبقت إجابة كيري عليهما قبل قدومه. حدد سلفًا ما هو آتٍ بشأنه. كان المقتصر على المناشدة بـ”التزام الهدوء”، وبحث “سبل وقف دوَّامة العنف”، و”الحؤول دون انهيار السلطة” الأوسلوية. هذا يعني أن الأميركان في هذه المرة كادوا أن يكونوا الأكثر وضوحًا والأقل كذبًا لخلو قبَّعة حاويهم مما سبق وأن عهدناهم قد درجوا على تسويقه من أوهام تسووية وأحابيل تصفوية من تلك التي تحبل بها مقولة “إعادة الطرفين إلى طاولة المفاوضات” بزعم تحقيق خرافة “حل الدولتين”، والتي تجاوزها الواقع التهويدي مستظلًا بعبائتها، وبالتالي يُلاحظ سحبها التدريجي من بازار التداول، وإن لم يجد كيري بدًّا من أن يتمتم بتمسُّكه بها وفقط في رام الله… وأيضًا يعني أن مهمَّته في هذه المرة هي فزعة إنقاذية وتضامنية، إنقاذية لإسرائيله من نفسها ومحاولة لانتشالها من ارتباكات وارتكابات وعواقب ورطتها الراهنة، وتضامنية مع نتنياهو في إدارته لمواجهتها ومساعدته في الخروج من ورطتها.
…فكرة الفتى أو الفتاة الفلسطينيين، اللذين يقرر واحدهما في أية لحظة، ودونما استئذان من تنظيم أو توجيه من قيادة، أن يواجه بفدائية غير مسبوقة في تواريخ المقاومات عدوه المدجج بكل أسباب قوة الفتك المتطورة بسكين مطبخ أو عجلة سيارة، ويقدم ولا يتراجع وهو يعلم سلفًا أن مصيره الشهادة، ترعبهم، وتربكهم، وتقض مضاجعهم، وتفضح هشاشة كيانهم المصطنع، وتثير كوامن فوبياهم الوجودية القاتلة، فكيف إذا ما استولدت هذه اللحظة النضالية الفلسطينية المصيرية الفارقة مقتضاها فأفرزت لهذا الفدائي، أو هذه الفدائية، تنظيمه الثوري التحرري الملتزم فحسب باستراتيجية تحرير، وقيادته الموثوقة التي توجه فدائيته فحسب وفق برنامجها المقاوم وذي النفس الطويل والمنسجم مع مؤشِّر بوصلتها التحريرية؟!
ما أتى بكيري هو أن الأكثر من هبَّة والأقل قليلًا من الانتفاضة سوف تبدأ بعد أيام قليلة شهرها الثالث، وأن من سماتها التي باتت تتفرد بها أن حجارتها تحولت إلى سكاكين يردفها الدهس فإرهاص بتحوِّلهما إلى الكلاشينكوف. وإذ هي المستمرة وإلى تعاظم، فلا من سبب موضوعي لتوقفها، أو منع تعاظمها، أو ثمة ما هو بقادر على أن يحول طويلًا دون اقتراب تحوُّلها إلى انتفضة شاملة، بل وحتى ولو هي انحسرت هنا أو هناك فهي موضوعيًّا إلى اشتعال، إذ لا تخضع إلا إلى قانون ما دام هناك احتلال تكون مقاومته… وإذ هذا هو الحال، فقد كشفت وقائعه حتى الآن أن قدرة المحتلين على القمع قد بلغت حدودها، وأن سياسة التقتيل والتنكيل والاعتقالات وهدم البيوت لم تأتِ إلا بعكس المراد منها، أي ما لا يصب إلا في صالح مزيد من تثوير وتطوير وزيادة وتائر الفعل الفلسطيني المقاوم، أو ما يستدعي منهم مزيدًا من اللجوء لاستدعاء الاحتياطات ومكابدة الاستنزافات بأوجهها المادية والمعنوية، إلى جانب ما أشرنا إليه من افتضاح هشاشة كيانهم المفتعل وارتفاع منسوب سعار فوبياهم التي لازمت قيامه ولن تفارق وجوده.
أول ما كان من كيري بعيد وصوله هو ترداده لذات اللازمة الأميركية التليدة، أو ما سبقه إليه رئيسه أوباما وجرى على مثله أسلافهما، والقائلة دائمًا إن للاحتلال الصهيوني “الحق والواجب” في “الدفاع” عن نفسه في مواجهة “الاعتداءات الإرهابية” من قبل ضحيته الفلسطينية، وتأكيد ما لا حاجة لتأكيده وهو أنه “يدين بشكل مطلق” ما ينفِّذه الفلسطينيون المقاومون من عمليات ضد المحتلين… وإذ لا يختلف معنى “التهدئة” عنده عن ما هو عند نتنياهو، أي الحفاظ على أمن الاحتلال، فإنها تعني بالتالي وقف الهبَّة ووأد الانتفاضة، الأمر الذي يستوجوب عنده الحفاظ على سلطة “أوسلوستان” والحؤول دون انهيارها بـ”تعزيز” حالها عبر “تسهيلات” شكلية أقصاها لا يتجاوز سقف “سلام نتنياهو الاقتصادي”، كتحسين البنى التحتية لكانتوناتها، مع تسهيلات للحركة التجارية، والسماح ببناء المنطقة السياحية المُعطَّل إقامتها في البحر الميت، ومنح تصاريح العمل للعمال في مجالات خدمة الاقتصاد داخل الكيان الصهيوني، و”تحسين الظروف الأمنية”، بمعنى تخفيف حدة القمع والتضييق على التجمُّعات الفلسطينية، إذ دون ذلك، وفي ظل راهن الحالة الفلسطينية النضالية المحتدمة، يخشى كيري ومعه عقلاء الصهاينة انهيارها، أو تمرُّد أجهزتها،أو التحاق قواعدها التنظيمية بالانتفاضة، الأمر الذي يعني فقدان دورها القائم في خدمة الاحتلال بمحاصرتها الراهنة لما هو الأقل من الانتفاضة الشاملة والحؤول دون تحوُّله المتسارع إليها… كررت تقارير التلفزة الصهيونية إشادات جيش الاحتلال بدورها هذا، وكشفت عن مطالبته بتزويد أجهزتها بأسلحة خفيفة!
عطفًا على ما تقدم، كان كل ما يريده المنقذ والمتضامن الأميركي من نتنياهو لا يعدو خطوات شكلية مسكِّنة على غرار ما تعرف بتفاهمات كيري حول الأوضاع الراهنة في المسجد الأقصى، والتي لا تتعدى منع وزرائه وأعضاء الكنيست من قيادة متواصل الاجتياحات المبرمجة للحرم القدسي، أو المشاركة فيها، وترك قطعان غلاة المستعمرين يسرحون ويمرحون آن هم شاءوا في ساحاته، ومع هذا فإن هبَّته الإنقاذية ونخوته التضامنية هذه قد قوبلت من نتنياهو باشتراطات تريد ثمنًا مقابل تعزيزاته المرادة لـ”أوسلوستان” لدرء احتمالات انهيارها وهو اعتراف معلن من كيري بشرعية المستعمرات في الضفة!
…أما في رام الله فكان كلما استقبل به كيري هو مما لم يك غير ذاك الذي ظل يتوقعه ويلقاه في كل مرة كان يغشاها، ألا وهو الشكوى… وفقما قاله عريقات، غادرها هذه المرة محمَّلًا بخمسة “ملفات انتهاكات”!

إلى الأعلى