الخميس 14 ديسمبر 2017 م - ٢٥ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / رئيس المجمع الجزائري للُّغة العربية: أحاول جعل اللُّغة العربية في مقام يُضاهي اللُّغات الأوروبية اليوم
رئيس المجمع الجزائري للُّغة العربية: أحاول جعل اللُّغة العربية في مقام يُضاهي اللُّغات  الأوروبية اليوم

رئيس المجمع الجزائري للُّغة العربية: أحاول جعل اللُّغة العربية في مقام يُضاهي اللُّغات الأوروبية اليوم

أقترح إنشاء مدوّنة تُمكّن الباحث من مراقبة الاستعمال الحقيقي للمصطلحات وتُسهم في توحيدها
الجزائر ـ العمانية
يقف الدكتور عبد الرحمن الحاج صالح (مواليد 1927 بوهران) على رأس المجمع الجزائري للُّغة العربية منذ عام 2000، وهي المهمّة التي كلّفه بها الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، من أجل إعطاء هذه المؤسسة العلمية البحثية دفعاً قوياً لتؤدي دورها في المساهمة في الرفع من مستوى اللُّغة العربية في الجزائر.
والمجمع الجزائري للُّغة العربية هو المؤسسة الوحيدة التي تمّ تأسيسها بقانون صادق عليه المجلس الشعبي الوطني (البرلمان) سنة 1986، ليوضع تحت الوصاية المباشرة لرئيس الجمهورية بوصفه هيئة ذات طابع علمي وثقافي تهدف إلى تحقيق الأهداف المُحدّدة في القانون المنظّم لعمله، وعلى رأسها إثراء اللُّغة العربية، والعمل على مواكبتها العصر، وإحياء استعمال المصطلحات الموجودة في التراث العربي الإسلامي، هذا إضافة إلى عدد من الأهداف الأخرى.

دور

وفي حديث أجرته “وكالة الأنباء العُمانية” معه، يكشف الحاج صالح أنّ مجمع الجزائر للُّغة العربية، كغيره من المجامع الموجودة في الدول العربية، هو جهاز مؤلّفٌ من عدد من الخبراء في اللُّغة العربية، دوره الأساسي هو دعم اللُّغة العربية والمحافظة عليها بجميع الوسائل. ويوضح أن المقصود بالدعم: “التنمية، والتطوير، وجعل هذه اللُّغة تتجاوب مع روح العصر وتستطيع أن تنافس اللُّغات الأخرى في نقل العلوم والتكنولوجيا والثقافة عامة، وذلك بالإسهام في حركة وضع المصطلحات الجديدة ونشرها وجعلها تسدُّ كلّ الحاجات في ميدان المصطلح العلمي والتقني”.
ويؤكد الحاج صالح أن المجمع يُحاول أن يجعل اللُّغة العربية في مقام يُضاهي ذلك الذي تتبوأه اللُّغات الأوروبية اليوم، “وهذا يحتاج إلى دعم ماديّ ومعنويّ كبير، خاصة من قبل السلطات المعنية”.
وكان الحاج صالح قد حصل على شهادة ليسانس في اللُّغة العربية وآدابها من جامعة بوردو بفرنسا سنة 1958 وشهادات علمية أخرى عديدة آخرها دكتوراه الدولة في اللّسانيات من جامعة باريس الرابعة سنة 1979، الأمر الذي أهّله للنهوض بالشأن اللُّغوي في الجزائر عبر العديد من المؤلفات والبحوث المنشورة، وأيضاً عبر المناصب التي شغلها وتدرّج فيها عبر مساره الطويل في الجامعة الجزائرية مدرّساً وباحثاً ومديراً.

ترقية

وحول الاستراتيجيات التي تبناها الحاج صالح لتحريك “المياه الراكدة” في مسألة ترقية لغة الضاد في الجزائر، يقول: ” طلبتُ من الدولة أن تسمح للمجمع بالاندماج الرسمي في اتحاد المجامع العلمية اللُّغوية العربية، وطلبتُ أيضاً أن يتمَّ تطوير كلّ المجامع وألاّ تكتفي بما تقوم به الآن من وضع المصطلح، وذلك بإجراء بحوث نظرية وميدانية خاصة حتى تترقّى اللُّغة العربية بالفعل، أي بمتابعة مستمرة لكي نعرف إلى أين وصل هذا الترقّي، ومن دون ذلك فلا نستطيع بالضبط معرفة واقع اللُّغة العربية، لأنّ الكثير من المجامع اللُّغوية العربية مثلاً تضع المصطلحات مكتوبة أو منشورة في وثائق، وقد لا تصل هذه الوثائق إلى الذين يحتاجونها، ومعنى ذلك أنّها تكتفي بالوضع فقط، دون أن تهتمّ بوضعية تلك المصطلحات واستعمالها الميداني”.
ويضيف الحاج صالح بقوله: “هذا العيب والنقص كنتُ أول من لفت نظر الدول العربية إليه بكيفية فعلية ورسمية، وأيّدني في ذلك رئيس مجمع القاهرة وغيره من رؤساء المجامع العربية. ومع ذلك لم يحصل شيء من الإصلاح والتطوير إلى الآن”، ويستشهد ببحثٍ له نشره في مجلة المجمع المصري تزامناً مع نشره بمجلة المجمع الجزائري، تساءل فيه عن سبب عدم قيام اتحاد المجامع العربية بدوره الأساسي الذي من أجله وُجد، وهو “التوحيد الفعلي” ـ الميداني – للمصطلحات العربية.

مدونة

ويتابع قائلاً في هذا السياق: “إلى اليوم لم يحاول الاتحاد تجسيد ذلك، وبقي مشغولاً منذ سنوات بمشروع واحد فقط، لا علاقة له بتوحيد المصطلحات، وهو إعداد المعجم التاريخي للُّغة العربية، وإن كان هذا المشروع مفيدا، إلاّ أنّه ليس في الاستعجال وفي الإفادة الكبرى بمنزلة توحيد المصطلحات، وهذا من الأسباب التي جعلتني أقترح إنشاء مدوّنة لغوية ضخمة أساسها الإنترنت والحاسوب، أطلقتُ عليها اسم “(الذخيرة العربية)”.
هذه المدوّنة، بحسب الحاج صالح، “هي التي تُمكّن الباحث من مراقبة الاستعمال الحقيقي للمصطلحات، ومن شأنها أن تُسهم أيضاً في توحيدها، لأنّ الباحث يسألُ دائماً عن اللفظ السائد في الاستعمال، وهي تُغطي استعمال كلّ العرب ولا تكتفي باستعمال الشعب المصري أو الجزائري فقط، فالعربية لغة العرب جميعاً، وبالتالي فإنّ المدوّنة بالضرورة، جدُّ ضخمة، وإنجازها يحتاج إلى أن تشترك فيه كلُّ الدول العربية من خلال كلّ المؤسسات العلمية والثقافية التي تجمع الملايين من النصوص الحيّة المأخوذة من الاستعمال”.
وفي سؤال حول كان مشروع “الذخيرة العربية” جاء من دون مقدّمات و لم تسبقه مراحل تحضير قبل أن يضع المشروع قاطرته الأولى على السكة يُجيب الحاج صالح: “فكرة الذخيرة العربية مشروعٌ قديمٌ وهذا اقتضى وقتاً طويلاً بداية بإعداد الوسائل التقنية خصوصاً”، وهنا ينبّهُ إلى أنّ العرب ليس لهم في الوقت الحاضر المستوى نفسه من التكنولوجيا الموجود لدى الدول الغربية، واللُّغة العربية نفسها لم تستفد إلى الآن من هذه التكنولوجيا، ونحن كعرب “نبدأُ من الصفر”.
وبسبب تدني المستوى التقني والعلمي، “لم يتمكّن أيّ مشروع ثقافي أن يجد طريقه إلى التجسيد على أرض الواقع بكيفية طبيعية مثلما تُنجز مشاريعٌ مشابهة بسهولة ويُسر في أوروبا وأميركا”.

أهمية

وللوقوف على أهمية مشروع الذخيرة العربية وأثره على اللُّغة العربية، يوضح الحاج صالح: “علينا أن نعرف أنّ اللُّغة الإنجليزية، وهي اللُّغة السائدة عالمياً، لم تكن لتحظى بتلك المكانة والمنزلة لو لم تكن منفردة بالمحتوى الرقمي دون غيرها، ويُبيّنُ عدد الصفحات على الإنترنت بالنسبة لما بلغته اللُّغة الإنجليزية مليارات بنسبة تفوق 4ر68 % يليها المحتوى باللُّغة اليابانية بنسبة 9ر5% فالألمانية 8ر5 %والصينية 9ر3 % والفرنسية 3 % أما المحتوى العربي الآن فلا يتجاوز 1ر0 % من المحتوى العالمي. كما يُبيّنُ أهميّة اللُّغة أيضاً عددَ مستخدمي الإنترنت بالنسبة إلى اللُّغة الواحدة”.
في سنة 2006، تبنّت جامعة الدول العربية “الذخيرة العربية” كمشروع، وفي 2009 أصدر المجلس التنفيذي الوزاري لجامعة الدول العربية قراراً يقضي بإنشاء الهيئة العليا للذخيرة العربية، واجتمعت هذه الهيئة في الجزائر، ثم في سلطنة عُمان، ثم في الأردن، وأيضاً في سلطنة عُمان مرة أخرى، لكنّ العرقلة الكبيرة تمثّلت في أنّ الكثير من الدول العربية لم تُوقّع على مشروع النظام الأساسي، الذي هو القانون الأساسي لهذه المؤسسة، و”لا يُمكن أن تسير الأمور بشكل حسن إلا على أساس النظام الداخلي”، لذا فإن المأمول “أن يتم طرح هذه المسألة على القمة العربية المقبلة حتى يُتّخذ فيه قرارٌ على أعلى مستوى”.
وحول ماهية “الذخيرة العربية” التي دافع الدكتور عبد الرحمن الحاج صالح سنوات طويلة من أجل تجسيدها على أرض الواقع وماهية ما مصادر التمويل التي يُراهن عليها المشروع ليرى النور يقول رئيس المجمع الجزائري للُّغة العربية: “هي ذخيرة آلية، بمعنى أنّه يُمكن لمستعملها أن يطرح أيّ سؤال ثقافي أو علمي وتُجيبه الذخيرة على الفور، كأن يسأل الواحد مثلاً عن كلمة معيّنة وعن استعمالاتها في الأدب العربي، أو في أيّ كتاب، وما هي الكتب التي وردت فيها هذه الكلمة، وبأيّ معنى، وما هي السياقات التي ذُكرت فيها، وكم مرة، وما هي المعاني التي كانت تدلُّ عليها في صدر الإسلام، إن وردت أو بعد ذلك وفي الوقت الحاضر، وما هي البلدان التي تستعملها وما هو تواترها”.
وكما يوضح الحاج صالح: “كلُّ هذه الأسئلة لا يمكن أن يُجيب عنها إلا الحاسوب القويُّ، وكلُّها مفيدة بالنسبة للُّغة العربية، فهي مدوّنة للاستعمال الفعلي من أقدم العصور إلى زماننا هذا، بما في ذلك العصر الذي نعيش فيه. والحاسوب وحده يستطيع أن يمسح الملايين من النصوص في بضع دقائق، وهذه هي المرة الأولى التي نجعل فيها اللُّغة العربية تستفيد من المستوى العالي الذي وصلت إليه التكنولوجيات الحديثة. كما أنّ هذه الذخيرة من شأنها أن تدفعنا إلى القيام بحركة ترجمة واسعة على مستوى ما يصدر عبر العالم لإثراء هذه الذخيرة بأحدث البحوث العلمية والتقنية التي تغتني بها اللُّغات العالمية الحية بشكل يومي، وتبقى اللُّغة العربية محرومة منها بسبب عدم فعالية الحركية اللُّغوية عندنا”.
أما بخصوص مصادر تمويل، فتنقسم بحسب الحاج صالح إلى قسمين: “داخلي خاص بكلّ دولة من الدول الأعضاء بجامعة الدول العربية التي تُسهم من خلال تخصيص مبلغ معيّن للذخيرة العربية يُحدّد في شكل بند بحسب الميزانية السنوية لكلّ بلد. ويُصرف هذا المبلغ على عدد من العمليات الأولى، ومنها الرقمنة، أي تحويل النصوص إلى لغة يفهمها الحاسوب، وهذا عملٌ كبيرٌ جداً يحتاج إلى مشاركة كلّ الدول العربية. والعملية الثانية تتعلق بصنع برمجيات تُمكّن من الإجابة عن الأسئلة المطروحة على الذخيرة آلياً. وهناك تمويلٌ آخر تتكفل به الدول ضمن إطار جامعة الدول العربية، ويعتمد على التنسيق بينها لإنجاز بعض الأعمال الأخرى الخاصة بالمشروع”.
يُذكر أن الجزائر تحتضن المقر الرسمي لمشروع “الذخيرة العربية” بموجب اتفاقية وُقّعت بين الجزائر وممثلي الدول العربية المنضوية تحت إطار جامعة الدول العربية، وقد انتخب ممثلو تلك الدول الأعضاء بالهيئة العليا للمشروع الدكتور عبدالرحمن الحاج صالح رئيساً للمشروع لفترتين كل منهما أربع سنوات.

إلى الأعلى