الخميس 27 يوليو 2017 م - ٣ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / المقومات السياحية في السلطنة .. واقع الاستثمار في القطاع السياحي 1/13

المقومات السياحية في السلطنة .. واقع الاستثمار في القطاع السياحي 1/13

سعود بن علي الحارثي

” ما هذه المغامرة غير المحسوبة؟ ولماذا استسلمنا لفكرة عابرة بزيارة هذه المنطقة دون خبرة أو المام بهذا الطريق ومخاطره المبهمة ؟ متى سينتهي هذا الكابوس الذي أوقعنا فيه أنفسنا؟ أوليس لهذه الجبال المغلقة والأخاديد الساحقة والأودية الملتوية من نهاية؟ لماذا بات الزمن ثقيلا بطيئا لا يكاد يتحرك؟ إلى أين سينتهي بنا المطاف؟”
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
في عشر زيارات سياحية أو رحلات استكشافية قمت بها خلال هذا الصيف 2015 إلى عدد من المواقع والمناطق السياحية العمانية كانت فيها الصور المعبرة والمشاهد الطبيعية والمعالم والآثار التاريخية في تنوعها وتزاحمها وانسجامها تشكل بحق لوحة بديعة, وتقدم عمان إلى المشاهد والمكتشف والسائح والزائر باعتبارها بلدا سياحيا بامتياز. ويسعدني في سلسلة المقالات هذه أن أقدم وصفا عن زياراتي لتلك المواقع والأماكن السياحية الجميلة, والانطباعات عنها وأوجه القصور والخلل التي رصدتها وبعض المقترحات المتواضعة والأهمية العالمية التي يتبوأها قطاع السياحة, وذلك على النحو التالي:
أولاً: وادي بني عوف – بلاد سيت – الحمراء عبر طريق الجبل الشرقي:
في الزيارة الأولى انطلقت بنا سيارة الدفع الرباعي مع عدد من الأصدقاء من محافظة مسقط مرورا بوادي بني عوف بولاية الرستاق، ومع مراحل التقدم المحسوبة بالثواني والدقائق كانت العين تلتقط عشرات المشاهد والصور التي تستقبلها الذاكرة فورا لتتفاعل مباشرة مع الجديد منها وتتمازج في قالب مشترك يعبر عن جماليات المكان ومشاعر الأنس والود التي تتعمق وتتآلف معه، فعناصر الطبيعة هنا وانجازات الإنسان العماني ومسيرته الحافلة بالعطاء والعمل وملامح حياته العامة وما أسسه من قيم وتقاليد وشواهد متوارثة تشكل في مجملها لوحة متجانسة في تفاصيلها الدقيقة وألوانها الباهرة ومعالمها المتناثرة، إنها الحياة تتجدد وتتشكل وتتفاعل مع تلك العناصر والمكونات جميعها, فكل ملمح أو مظهر أو سمة من سمات المكان لها معنى وقيمة ودلالة تستأثر بالاهتمام وتستقطب جوارح ومشاعر الإنسان وتدعوه إلى التدبر والتعليق بكل ما هو جميل من الكلمات للتعبير عن الأحاسيس التي تنمو باستمرار مع نمو المشاهد، خرير الماء المتدفق من بين الصخور، حفيـف الشجر المتجاوب مع نسمات العليل، زقزقة العصافير، هديل الحمـام، نقيق الضفادع، رغاء الماعز، منظر الواحات الخضراء، شذا العطر المنبعث من أشجار السفرجل والليمون والسمر والأعشاب البرية والذي يجري مجرى النسيم العليل فتشتمه الأنوف وتبتهج به النفوس … ولأنني لست شاعرا لأصف كل ذلك الجمال استعنت بذاكرتي فجرى على لساني قول الشاعر: نفحات مسك أم شذا الأزهار … في جنة الأشجار والأنهار, كيف سيكون الليل هنا في الهواء الطلق تحت سماء تتلألأ بالنجوم؟ لولا الظروف وضيق الوقت والرغبة في المزيد من الاكتشاف لما فوتنا مبيتا هنا بين هذه الفيافي. كانت مداخل الطريق وانعطافاته المفاجئة ومساراته بين الجبال الشاهقة توحي للإنسان في مشاهد متكررة وخادعة أنه أمام مسار مغلق، سرعان ما سيكتشف بأن خداع المكان وتداخل الجبال الشماء وتعرجات الطريق وضيقها كانت أسبابا لهذا الاعتقاد والخداع، ولكن جهد الآلة الحديثة التي شقت ومهدت وسوت وفتت الحجارة وعالجت وأخضعت الجبال لإرادتها أعدت المخارج والمنافذ لتعبر منها السيارات، اكتشاف يتأكد ويعلن عن نفسه بمجرد ما أن تبرز المنافذ تباعا بين حواف الجبال الشامخة وهي مشكلة أخاديد ضيقة المسالك بين تلكم الجبال، في وادي بني عوف تتناثر القرى الجميلة ونخيلها المهيبة وزراعاتها الموسمية الخضراء على طول مجرى الوادي والتي تبوأت مواقعها على سفوح الجبال المحيطة والمطلة على ضفافه الخضراء المتدفقة مياهه من أعالي تلك الجبال تمد الأفلاج بما تحتاجه من ماء الحياة وتروي الأرض والزرع والطير والإنسان وقطعان الماشية وتضفي على المكان جمالا فوق الجمال ولونا آخر يضيف الى اللوحة الفنية مزيدا من الإبهار لا يحتمله إنسان يعشق الجمال … ودعت عجلات السيارة الطريق المعبد لتنتقل مع ذلك الوداع من عالم إلى آخر كدنـا ننســاه، من عصر الألفية الثالثة في حداثته وعصرنته ورفاهيته وبناه التحتية بما فيها الطرق المعبدة والسهلة، إلى عصر ما قبل الثمانينيات من نهاية الألفية الثانية عندما كانت معظم طرق عمان غير مرصوفة ولا حتى ممهدة وكانت السيارات وركابها من البشر يعانون الأمرين جهدا ووقتا وصراعا مع مخاطر الطرق ومنزلقاتها التي لا تعد ولا تحصى وخوفا من عطل السيارة وتوقفها بسبب رداءة الطريق … بدأت المركبة ذات الدفع الرباعي بالصعود التدريجي ولا قدرة لغيرها من السيارات مواصلة المسير هنا، وزادت مع هذا الارتفاع معدلات الخطر، ارتفعنا وانخفضنا عشرات المرات, ومع حركة السيارة ومسار الطريق المتسم بالوعورة وبالانحدارات الشديدة والمنعطفات الحادة والمخاطر المتكررة التي نصادفهـا، فقد ارتطمت أجسادنا بسطح السيارة وجسمها الحديدي مرات ومرات، وكاد الخوف أن يقتلنا قبل أن نصل إلى الموت الحقيقي الذي يحيط بنا من كل جانب ونستشعره في كل مكان هنا في سلسلة الجبل الشرقي، خاصة بعد أن وجدنا أنفسنا معلقين بين السماء والأرض في طريق وعر وضيق تحيط به الأخاديد والأودية الساحقة في موقف يعتبر فيه الراكب بأن أي حركة غير محسوبة أو خطأ ما يرتكبه السائق يعني موتا محدقا قد يكلفنا الحياة. ما هذه المغامرة غير المحسوبة؟ ولماذا استسلمنا لفكرة عابرة بزيارة هذه المنطقة دون خبرة أو المام بهذا الطريق ومخاطره المبهمة ؟ متى سينتهي هذا الكابوس الذي أوقعنا فيه أنفسنا؟ أوليس لهذه الجبال المغلقة والأخاديد الساحقة والأودية الملتوية من نهاية؟ لماذا بات الزمن ثقيلا بطيئا لا يكاد يتحرك؟ إلى أين سينتهي بنا المطاف؟ كانت الأنظار مركزة جهدها في الاتجاه الذي تسلكه السيارة تتشبث بأمل أن ترى قرية أو مدينة أو مؤشرا على أننا قد اقتربنا من وجهتنا أو نهاية لهذا الطريق المميت، بعد جهـد جهيد ها نحن نصل إلى لوحـة معدنية كتب عليها ( بلاد سيت) باللون الأحمر تأكيدا على أن القرية منطقة سياحية، وقد شاهدت قبل ذلك صورا معروضة لهذه القرية الجميلة، انعطفنا مع مؤشر اللوحة، فلا مجال أمامنا إلا أن نستطلع معالم هذه الواحة التي أسرت الكثيرين بجمالها بعد أن نجحنا بحمد الله في الوصول إليها وإلا ما فائدة هذا العناء والجهد والتعب الذي تستشعره عظامنا وسائر أعضاء الجسد إن فوتنا هكذا فرصة؟. شدت انتباهي عند مدخل الطريق إلى بلاد سيت صخرة مسطحة هائلة الحجم تطل من الجبل الشامخ على شكل لسان إلى الخارج، يمكن أن تتسع لخمسة أشخاص لو وقفوا على سطحها ، تمثل بإطلالتها الجميلة على القرى البعيدة والجبال والأودية السحيقة والسهول المنخفضة قيمة سياحية كبيرة خاصة لمن يعشقون المخاطرة والتقاط صور الذكريات في هكذا مواقع آسرة، وفي لحظات الشروق والغروب التي لا تفوت في هـذا المكان، جمال وأي جمال؟. ظهرت بلاد سيت من بين تلك الجبال الصماء كعروس في مقتبل العمر تلبس حلة خضراء فاخرة تحيط بها الوصيفات فلا تمل العين من التركيز والنظر إليها، بدت المدرجات الجبلية الخضراء من بعيد تحيط بها النخيل وتتخللها المنازل القديمة وتحرسها الأوتاد من الأعداء والدخلاء كلوحة سيرالية من القرن الماضي. كيف نشأت هذه القرية الجميلة في هذا المكان المنعزل عن العالم ؟ وكأنها ليست جزءا منه، لماذا اختار الآباء المؤسسون هذا الموقع للسكنى وتركوا الشواطئ والسهول والمدن والأرض السهلة ؟ كيف تمكنوا من استصلاح وتسوية هذه المدرجات وزراعتها وإخراجها بهذه الهندسة البديعة مع غياب الوسائل والأدوات الحديثة والآلة العصرية؟ كيف أقاموا هذه المساكن الجميلة التي يصل بعضها إلى طوابق ثلاثة؟ وصمموا هذه الواحة التي بدت غريبة واستثنائية ووحيدة في قمم هذه الجبال بطرقها الضيقة بين الحارات والبساتين وسواقيها المتعرجة ومساجدها البسيطة المعبرة عن المسحة الروحية والإيمان المطلق والارتباط العميق بين الانسان وعقيدته ؟ كيف شقوا قنوات الفلج المتدفقة مياهه العذبة وربطوها بالبساتين والمدرجات الزراعية ؟ وسائل التنقل في الماضي، أساليب وطرق توفير المواد الأساسية الاستهلاكية, الحياة المعيشية كيف كانت … ؟ أسئلــة كثيرة لا يتوقف نشاطهـــا تبحث عــن إجابات لن يكون الوصــول إليها بأيسر مـن بنـاء بـــلاد سيت، إنه الصراع مع الطبيعة وتحدي الإنسان وتصميمه على البقاء وقدرته على التغلب على التحديات وبحثه المتواصل عن أمكنة أكثر أمانا وقدرة على الدفاع والحماية وتوفر الماء … أخذنا جولة في أنحاء القرية بين البساتين والحارات القديمة ، شربنا من ماء الفلج واغتسلت وجوهنا من الأتربة العالقة فيها فاغتسلت معها الأرواح والقلوب, واستنشقنا الهواء العليل وشذا الأشجار الفواح، لمحنا تجمعات نسائية وأخرى رجالية ليس ببعيد عنها تعبر عن الانسجام والتآلف والود وحياة القرية القائمة على التعاون والتجمعات المسائية والصباحية حيث تبادل الأخبار والعلوم والأحاديث الودية وسرد القصص وذكريات الماضي واحتساء القهوة العمانية وتناول التمر … سلمنا على بضعة رجال يتحاورون حول حصص الفلج ومنسوبه بعد الأمطار وجودة التمور والحصاد ، سألونا عن الأخبار والعلوم ومن أين مقدمنا وإلى أين وجهتنا وإلى أي العرب ننتمي … ؟ أبوا إلا أن يقوموا بواجبات الضيافة, بعد الحاح منهم واعتذار منا مبرر سمحوا لنا بمغادرة القرية التي تحولت إلى ذكرى جميلة في نفوسنا وصور ستبقى تؤرخ لهذا اليوم الاستثنائي في حياتنا. بدأنا في الهبوط التدريجي من الجهة المقابلة ( قمة شرفة العلمين ) نحو ولاية الحمراء التي لم تتأخر اطلالتنا عليها من الأعلى حيث بدت واحة خضراء في أرض جرداء وقد احتلت جزءا كبيرا من السهل المنبسط في حين أن جزأها الآخر ينام على سفح الجبل، حمدنا الله وشكرناه بمجرد ما أن أحسسنا أن عجلات سيارتنا لامست الشارع المسفلت، فهدأ جسدها وعاد إليها توازنها فاستعدنا معها الراحة والاستقرار والطمأنينة. في استراحة ( العلمين ) المقامة على سفح هذا الجبل الشامخ وفي درجة حرارة لا تتجاوز الثلاثين في منتصف النهار فيما تجاوزت في ذلك اليوم الأربعين في مسقط والمحافظات الشمالية الأخرى، احتسينا أكواب الشاي في البهو الخارجي مستمتعين ما أمكننا ذلك بالنسمات العليلة فيما كان الحديث في مجمله يدور عن روعة المكان وجمال عمان وهذا التنوع الذي تتميز به ، والفرص السياحية المهدرة … من هنالك أخذنا جولة في ولاية الحمراء باحثين عن مطعم مناسب نتناول فيه غداءنا، ولأن الخيار الذي نبحث عنه غير متوفر فقد واصلنا طريقنا إلى ولاية نزوى وبعد جهد وجدنا مطعما مناسبا تناولنا فيه ما تيسر من الطعام … ومرورا بولايات منح – ازكي – سمائل وعشرات القرى الجميلة كانت المواقع السياحية وجماليات الأمكنة والواحات الخضراء والمعالم الأثرية والأفلاج المتدفقة بالمياه العذبة تدعونا لزيارتها ، وكنا أكثر شوقا ورغبة لتلبية الدعوة لكن الوقت والظرف والجهد جميعها لا تسمح بذلك ، وعل فرص المستقبل تمكننا من القيام بزيارات أوسع وأشمل ، فالسياحة الداخلية أولى وأدعى وأجدى نفعا للمواطن على المستويين الوطني والفردي .

إلى الأعلى