الأربعاء 26 يوليو 2017 م - ٢ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / كلمات: ثمانون فيروز
كلمات: ثمانون فيروز

كلمات: ثمانون فيروز

لاصبح بدون فيروز ، كأنما ولد صوتها من ندى الفجر وغرد فيه عصفور .. كيفما قلبت الإذاعات صباحا ستسمع صوتها ..حتى المحطات الفضائية لها مع سفيرة لبنان الى النجوم موعد . هنالك من استبدل جملة صباح الخير بصباح فيروز .. كأنما هي الصباح ، وفي كلام متواضع كأنما ولد الصباح من أجلها .. ما أمتع ان تنهض من فراشك كل يوم والصوت الآلهي اول ماتسمعه فتترنم الاذن ، ويصير للمكان عالم ساحر ، بل يصبح للاستيقاظ طعم وذوق .
منذ الخمسينيات من القرن الماضي والمطربة الكبيرة حنجرة متدفقة لم تسترح .. هي اليوم بلغت الثمانين من عمرها ، ولدت في بيروت باسم آخر هي نهاد حداد ، كانت على حافة الفقر ، لكن الطبيعة حين تصنع الخوارق تغير الملامح ، تبدل الأشياء ، تزرع الروح التي سترافق المرء عمره .
انه موعد فيروز مع الثمانين وليس في الصوت سوى الرخامة الاولى التي دبت فيه وجلست في حباله . هو صوتها الذي علمنا كيفية التوافق مع الحياة ، وكيف أن ثمة عالما جذابا يدعونا للعيش فيه ولولاه لما كانت السماء زرقاء ولما كان البحر لازورديا ،ولما كانت النجوم تتلألأ كأنها حبات ألماس في فنجان .
لم نعرف أنها بلغت تلك الثمانين وهي مازالت سيدة عرشها ، كأنها تخوض ” ناطورة المفاتيح ” او فتت ” جبال الصوان ” .. هي مثل الحلم الذي يتكرر كل يوم لكي يظل حقيقة . هي اطلالة اللحظة على الماضي والحاضر معا . وهي تقاسيم مروية بكلام لم نسمع مثله ولم نحفظ غيره فكان السهل الممتنع ، وكان .. حتى كأن كل أغنية من أغانيها مكتوبة لموقف ، ولعنوان ، ولمعنى في الوجدان .
فيروز في لحظة الثمانين من عمرها ، شابة تتمختر في الشام ، حاملة مزهرية من زهور القدس العتيقة التي هي اجمل المدائن ، فاذا هي في بغداد ” ذهب الزمان وضوعه العطر ” ، وفي عمان قلب متيم ، وهي في جدة حلم ، وفي مصر تلعب بالرمل على شط الاسكندرية .
لايمكن لهذه المطربة الكبيرة ان تسأل عن عمرها ، من يملك حلاوة صوتها يسطع شبابه ابديا . انها المعادلة لصبح يظل صبحا على مر الاعوام والايام .. كيف يمكن لنا عند اي صباح ان نقبل طلوع الشمس بدون صوتها الحاني ، وكيف لنا ان نشعر بالحنين الى اللحظة ان لم تكنه هي . عظيمة هي فيروز التي بايعناها منذ ان افقنا على معرفة الجمال والحقيقة ، ولسوف يصعب النعاس اذا كانت هي رفيقة الليل ، فلاعتمة هنا ، انه نهار بثوب ليل ، صورة يومية لعمر مسؤولة عنه تلك المطربة التي عرفتنا من شعر سعيد عقل اننا ” مشوار جينا عالدني ” ( الدنيا ) وانه ” بتخلص الدني وما في غيرك ياوطني وبتضلك طفل زغير ” .
لم تتغير فيروز منذ ان كان لها هذا الموعد مع الموهبة والصوت ، ظلت رفيقة عمر لثنائي هما الرحبانيان عاصي زوجها وشقيقه منصور ..ورفيقة نظافة وطهر ، حتى انها عندما كانت تسافر لم تكن تخرج من فندقها حفاظا على صوتها وسمعتها .. وفي بيروت لم يقل احد ذات يوم انه شاهدها في شارع او في مقهى او في مرقص او بار او تشاهد فيلما سينمائيا .. رفيقة بيت على مدار الساعة ، بل سجينته ان صح التعبير .
لم تصل فيروز الى عامها الثمانين بسهولة الاشياء ، بل بالانتماء المتدرج للفن النظيف والجميل حيث كل جميل مدهش برأي اندريه بروتون .. زرعت منذ خمسينيات القرن الماضي باقات من أغانيها على دروب الفن وسقتها بروعة الصوت الذي ظل مغردا الى اليوم . غنت للعشاق ، ولأحلام طفولتهم ، وللحياة ، وللمبدأ ، وللانسانية وللمحبة ، ولكل ماهو انساني .. ثم غنت للمقاومة وقدمت لفلسطين منذ الخمسينيات ما قيل عنه اكثر الكلمات حرارة في صلب القضية ، وأجمله لحنا . وظلت مخلصة لفلسطين ، بل كأنها صارت قضيتها المغناة ، فكان ” جسر العودة ” لوحة فنية خلاصتها أن لابد من العودة الى الديار السليبة .. ومكثت في هذا النوع من الغناء ، ثم انتفضت في الخامس من يونيه 1967 لتقدم من كلمات سعيد عقل رائعتها ” سيف فليشهر ” والتي تقول فيها ” الآن الآن وليس غدا اجراس العودة فلتقرع ” .. وما أحلى ” زهرة المدائن ” وخصوصا عند ” الغضب الساطع آت ” ، لكن القدس تظل في البال وفيروز لاتغني الا اذا احبت الكلمات وآمنت بها بل توحدت بها وخصوصا تلك الوطنيات اللبنانية ايضا ، من ” وطني ياجبل الغيم الأزرق ” الى ” بحبك يا لبنان ” مسافة من الأغاني والمسرحيات التي ترتبط بلبنان وبحاله وبقيمه وباختياراته ” بتتلج الدني بتشتي الدني ويا لبنان بحبك تتخلص الدني .. بخبيك بعيني وبقلك غنيك تلجك المحبة وشمسك الحرية ” .
ثم هي والشام على موعد دائم ، لقد بدأت مشوارها الفني من الاذاعة السورية منذ خمسينيات القرن الماضي ، لكن هذا ليس سببا لأن تتعلق بتلك البقعة الطيبة ، السبب الجوهري أنها مؤمنة بتلك البلاد الواسعة فهو مبدأها بالتالي ، فالشام عندها عالم يحوي لبنان وسوريا وفلسطين والأردن .. والشام في إحدى أغانيها سؤال عن المجد الذي هي المجد الذي لم يغب . حتى تقول ” أنا صوتي منك يا بردى ” .. شامياتها التي رسم كلماتها سعيد عقل ، كانت أشبه بحنين من الشاعر الى المكان ، بل بعض كلماتها كأنما يتمنى فيها الشاعر ان يقال له تفضل لزيارتنا .. ألم يقل الرئيس الراحل حافظ الأسد اننا نختلف في السياسة مع سعيد عقل لكنه يبقى شاعرا كبيرا وله اسهامات في شامنا الأم . ولمكة المكرمة حضور في أغانيها ويجب ان يكون سعيد عقل من وقع الكلمات . ثم لعمان الأردنية بعض من احساس جميل ، واما بغداد فقد نالت حقها من اغنياتها .. ومصر عاشت في ضميرها فقدمت لها ماهو مباح من حبها لها ..
لايذكر الحب الا ولفيروز مكانتها فيه .. فهي اجمل من غناه ، وافرد فيه المعاني الجميلة اللطيفة المهذبة الصارمة في اخلاقها . هنالك آلاف الاغنيات التي عشقناها منذ ان خفق القلب اول مرة ومنذ ان صرعتنا طلة محبة . هنالك الوان من هذا الغناء العاشق الذي كتبت كلماته بروح تجديدية وبشعر مخلص لمعانيه .. هو عكس مايكتب اليوم من كلمات لامعنى لها او هي تراكم كلمات ، الرحابنة صنعوا الكلمة المغناة كي تعيش طويلا لأنها من احساس شاعر الى احساس بشر . ولم يكتف الرحابنة بالكتابة ، بل هنالك شعراء مجيدون ، امثال جوزيف حرب الذي خصها بأعذب الكلمات ، وهنالك يونس الابن ، ومن ثم طلال حيدر .. هي دائما تردد ” لاتجي اليوم ولا تجي بكرة ” ، بل احيانا تقول ” تعا ولا تجي واكذب علي الكذبة مش خطية ” .. فيروز مع الشاعر ميشال طراد لها ايضا جمال كلمات مختارة .
وماذا يقال في العمر الثمانيني لسيدة الكلمة المغناة ولصاحبة الصوت الذي يتباهى به لبنان .. فلديه ذلك الكنز الثمين الذي سوف يعمر ابد الدهر .. سيظل ذلك الصوت الساحر رفيق صباحاتنا ، وامنياتنا ، ومعنى شبابنا ، وسيظل ايضا مشروعنا الوطني والقومي الذي عايش ما عشناه ، وكل ماكتب وغنته كان من عصير روحنا .
نحب فيروز لأنها ولدت فينا حب الحياة وامدتنا بالقدرة على تحمل اوجاع العواصف العاطفية التي يمر بها الشباب .. لو لم تكن عاشقة لما اقنعتنا بالعشق ، ولو لم تكن مع الحرية لما ادركنا المعنى الحقيقي لتلك الكلمة .. جوهرها الفلسطيني انها اقتنعت به لكي نقتنع .. وجوهرها الوطني ان حبها للبنان منغمس فيها حتى انها تتنفسه .. وعشقها للشام امنية ذاتية لو تراها تتحقق ذات يوم وتعود تلك البلاد الى ما كانت عليه ، وكما تراها فيروز حيث فلسطين جنوبها كما كان يردد حافظ الاسد في اكثر مقابلاته عندما يسأل عن موقع فلسطين بالنسبة اليه .
في كل صباح تحتفل الاذاعات بفيروز ، فتراها تنشر صوتها لتقول لمن استيقظ اهلا بك ، ولمن مازال نائما قم الى عشق جديد .. وتتكرر الايام ، لكن الصوت لايمل تكراره ، ففيه من الحنين ما يطلبه المرء اكثر لعله ينتفع بان يبدأ صباحه بسلاسة .
صوت فيرو ز يقال ان فيه شرارات قادرة على خلق استرخاء في النفس وربما في العضلات فيركن المرء ويهدأ مهما كانت ثورته ، ومهما كان غضبه ، فكيف وهو مسترخ مستسلم له . وصوتها بعبارات النقد ، هو مساحة من اللحن الذي يضيف على اللحن الموسيقي نغما زائدا . لايمكن لنا ان نفهم فيروز إلا اذا وظفنا كل حواسنا دفعة واحدة ، فهي للسماع رحمة ، وللذوق معنى ، وللعين رقصة روح ، وللشم رائحة لاتوصف ، بل تكاد تلمس الصوت لأنه يأتي الينا من كل الجهات ويدغدغ الجلد كأنما يدق عليه فيدخله بنعومة .
في عامها الثمانين ، مازالت فيروز أغنية تغني . نشيد قوة وإيمان .. لايسافر عمر إلا اذا تغذى بصوتها وأشاعت كلمات أغانيه في نفسه كل صفاء ومحبة .. قد لايكتمل حب الشباب الا اذا تغذى بفيروزات تساعده على تحمل كل اشكال اللحظات المتاحة لحبيبين .. أما الأوطان فلها موعد ثابت بعدما أقام صوتها في كل أرشيف إذاعي ينده وطنياته ويتقلد قوة النبرة الصافية المجلجلة احيانا .
من صميم ما أحيت فينا تلك المطربة ، فنحن ممتنون لها على أنها ساعدتنا على اكمال الحياة بيسر في لحظات المصاعب . والحياة التي جلها مصاعب ، تحتاج كثيرا لأن تتدخل فيها فيروز فتغير من عالمها وتجعلها اقرب الى القبول بها . لولا فيروز على ماعتقد ما كان هنالك ضمانة لعالم يحلم ، ولحب ينمو ، ولوطن أن ينغرس أكثر في العقل والوجدان . عاشت فيروز كل تلك السنوات فنما ورد على شفاه الشعوب كما نمت شجيرات فل في العقول وأصبح للأذن اتساع أكبر .

زهير ماجد

إلى الأعلى