الإثنين 29 مايو 2017 م - ٢ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع : إسقاط الطائرة الروسية: ما بين صدام وأردوغان

شراع : إسقاط الطائرة الروسية: ما بين صدام وأردوغان

خميس التوبي

دحرجة تركيا ـ أردوغان مسار الأحداث في المنطقة بصورة عامة وفي سوريا بصورة خاصة، بإسقاطها الطائرة الروسية من نوع “سوخوي 24″، ودفعها إلى المزيد من التسخين، مدفوعة في ذلك بإرادات ونزوات استعمارية، وعقول لا تزال تعيش عصر الإنسان البدائي وعصر الأعراب والناقة والخيمة، هذه الدحرجة الحمقاء والتصرفات غير محسوبة العواقب تكرر نموذجًا جديدًا ومشابهًا للنموذج العراقي الماثل في شخص الرئيس العراقي الراحل صدام حسين الذي تمكن من بناء عراق قوي علميًّا وصحيًّا وزراعيًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا، ما جعل العراق قوة عربية صاعدة يحسب لها ألف حساب، ومع تنامي هذه القوة كان ـ للأسف ـ يتنامى في شخص صدام جنون العظمة والقوة مع ما يمتلكه من ذكاء وفكر وكاريزما وقوة شخصية، ومع ذلك أخذت حالة العداء والتربص للإطاحة به تتنامى، لتأتي الثورة الإسلامية في إيران فينسج منها الأعداء شراكًا لكسر شوكة القوة العراقية الصاعدة، ولكن كان للعقول البدائية ونفاق الأعراب وفكر الخيمة والناقة دور في إيقاع العراق في شراك الحرب مع إيران بحجة محاربة خطر الثورة، وبعد حرب السنوات الثماني واصل الرئيس صدام عملية البناء بالوتيرة ذاتها وبدا العراق في نمو وصعود، ولكن أيضًا مع ذلك ظل ـ للأسف ـ جنون العظمة ملازمًا لشخص الرئيس صدام، ما دفع به إلى أن يوجه طعنة في ظهر الكويت ودول الخليج التي وقفت إلى جانبه في حربه مع إيران، ليقع في نهاية المطاف في هذا الفخ الذي نصب له، فينقض عليه جميع الأعداء بمن فيهم الأعراب والرجعيون ومن على شاكلتهم، ليبقى بين فكي التقسيم والإرهاب المدار من قبل أعداء العراق جميعًا.
اليوم المنطقة عامة وتركيا خاصة تعيش نموذجًا مشابهًا لصدام حسين يتمثل في الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي يفخر به محبوه ويتباهى بينهم بأنه بنى الاقتصاد التركي وجعله في المرتبة الخامسة عشرة عالميًّا وانتشل تركيا من قاع أوضاعها الصعبة التي عاشتها في ظل الحكومات السابقة وغيرها من “مآثره”، وهذا النجاح كان لسوريا الفضل الكبير فيه وتقديم تركيا ـ أردوغان إلى العالم العربي على أنه النموذج الناجح الجامع بين الفكر الإسلامي والديمقراطي، تعويضًا له بعد اخفاقه في الحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي، إلى أن تفجرت مؤامرة ما سمي بـ”الربيع العربي” ليكشف أردوغان عن وجهه الحقيقي مدفوعًا في ذلك بجنون العظمة وبإغراءات الأموال المشبوهة، وبالفكر الرجعي وبعقل الخيمة والناقة وبنفاق الأعراب، وبنزوات المستعمرين، ليوجه أكثر من طعنة في ظهر ليبيا فسوريا ثم العراق وأخيرًا روسيا الاتحادية التي ترتبط مع تركيا بعلاقات سياسية وعسكرية واقتصادية تبلغ عشرات مليارات الدولارات، وذلك بدعم التنظيمات الإرهابية وفي مقدمتها “داعش والنصرة وأحرار الشام” وغيرها من التنظيمات الإرهابية المسماة بمسميات عثمانية بائدة كـ”لواء السلطان مراد”، وبإسقاط الطائرة الروسية “سوخوي 24″.
ما أشبه الليلة بالبارحة، فإذا كان صدام حسين بخياره شن الحرب على إيران تحت وطأة الإملاءات، قد قسم العرب إلى مؤيد ومعارض، فإن أردوغان قد قسم دول المنطقة إلى داعم للإرهاب ومحارب له، وإذا كانت طعنة ظهر الكويت ـ سواء كان القرار فيها فرديًّا أو إيعازًا من قوى خارجية ـ قادت إلى “أفغنة” العراق وفق ما يراه الجميع الآن من أوضاع سياسية واقتصادية وأمنية وعسكرية واجتماعية مزرية ومؤلمة وإرهاب وتشظٍّ، فإن الإقدام التركي على إسقاط الطائرة الروسية على الأراضي السورية ـ أيضًا سواء كان القرار فيه تركيًّا أو أميركيًّا / أطلسيًّا أو إيعازًا من قوى أخرى تأبطت الشر والإرهاب والتخلف والرجعية ـ قد قلب الطاولة على داعمي الإرهاب ونسف الأحلام الأردوغانية ـ الأطلسية ـ الصهيونية في سوريا من حيث:
أولًا: نجاح روسيا في إدخال منظومات الصواريخ المتطورة جدًّا “أس 400 وأس 300″، إلى جانب استقدامها المزيد من الطائرات الحربية والقاذفة والراصدة، ما يعني أن السماء السورية أصبحت مغلقة أمام الطيران التركي الذي يعمل على محاربة الأكراد وإزاحتهم لصالح “داعش والنصرة” واللواءات الإرهابية المسماة بمسميات عثمانية بائدة. كما أن حلم المنطقة “العازلة أو الآمنة” قد تبخر. وكانت موسكو تلاقي معارضة شديدة وقوية من كيان الاحتلال الصهيوني والولايات المتحدة لإدخال هاتين المنظومتين المتطورتين.
ثانيًا: تكثيف الضربات الروسية ـ السورية على بؤر الإرهاب المدعومة من تركيا ومعسكرها بقيادة الولايات المتحدة، حيث طال القصف شحنات الأسلحة التركية المرسلة إلى “داعش والنصرة” وأخواتهما تحت ستار مساعدات إنسانية، وذلك عند معبر باب الهوى ومعبر باب السلامة، وأمام أعين أردوغان وقواته، فضلًا عن استهداف صهاريج النفط السوري والعراقي المسروق والذي تتولى شركات تركية ببيعه لكيان الاحتلال الصهيوني، يقال إن بينها شركات مملوكة لبلال ابن الرئيس أردوغان هي التي تقوم بعملية غسيل الأموال والمتاجرة بالنفط السوري العراقي، وتنتشر حاليًّا في مواقع التواصل الاجتماعي صور تجمع بين بلال وقيادات “داعشية”.
ثالثًا: الخسائر الهائلة التي سيتكبدها الاقتصاد التركي والتي يقدرها خبراء الاقتصاد بأنها قد تصل إلى مئة مليار دولار في العام، وبالطبع هذا رقم ليس بسيطًا، جراء بعض الإجراءات التي اتخذتها موسكو، حيث أصدر الرئيس الروسي بوتين أمس مرسومًا يقضي بحظر الرحلات السياحية بين روسيا وتركيا، ومنع أرباب العمل الروس من توظيف أتراك، وإعادة العمل بنظام تأشيرة الدخول بين البلدين، وفرض قيود على استيراد بعض السلع التركية، وإيقاف رحلات الطيران التجاري مع تركيا، ووضع قيود على أنشطة الشركات التركية الموجودة في روسيا، وقيام الشركات الروسية بوقف العمالة التركية اعتبارًا من مطلع العام المقبل 2016، وتشديد الرقابة على شركات الطيران التركية على الأراضي الروسية بدعوى “ضمان الأمن”، موعزًا لشركات السياحة الروسية بالامتناع عن تنظيم رحلات للمواطنين الروس إلى تركيا. ففي مجال السياحة وحدها يأخذ السياح الروس منتجعات تركية بأكملها ويقدر العائد من السياح الروس بأربعة مليارات دولار. وإذا ما استمرت العقوبات والخسائر الاقتصادية التركية حتى الربيع ـ حسب الخبراء والمحللين ـ فإن البورصة ستنهار لا محالة، وستعود الأمور إلى ما كانت عليه في نهاية التسعينيات. أي أن ما بناه أردوغان في أكثر من عقدين هدمه بخرطوشة واحدة وفي لحظة واحدة.
رابعًا: انكشاف اللغة التي يستخدمها أردوغان وأركان حكومته وحزب العدالة والتنمية لتبرير انتهاكهم للسيادة السورية، والقائلة بأن الانتهاك هو هدفه محاربة إرهاب “داعش” و”الأكراد”، ذلك أن انتهاك الطائرة الروسية للأجواء ـ حسب الرواية التركية ـ لا يستوجب إسقاطها من قبل بلد يقول إنه يحارب الإرهاب و”داعش”. كما أن الرواية التركية بأن الطائرة الروسية انتهكت الأجواء التركية لمدة (17) ثانية مردود عليها ليس بالمنطق العسكري، وإنما بالفهم العادي البسيط ، إذ كيف يعقل لطائرتين من نوع “أف 16″ تركيتين الإقلاع من قواعدهما والوصول إلى الطائرة الروسية في هذا الزمن البسيط، فتدوير محرك الطائرة وحده قد يستغرق (17) ثانية.
خامسًا: الحرد التركي من استهداف الطيران الروسي لصهاريج النفط السوري والعراقي المسروق، وانتشار الصور الملتقطة بالأقمار الصناعية والطائرات الروسية، وكذلك انتشار صور (بلال بن رجب بن طيب أردوغان) مع قيادات “داعشية”، يضع علامات استفهام كثيرة. كما أن استباحة تركيا للسيادة السورية بحجة محاربة أكراد حزب العمال، وترفض في الوقت ذاته ملاحقة روسيا أو سوريا للتنظيمات الإرهابية الآتية من الحدود التركية، تضع أيضًا علامات استفهام، وتؤكد الاتهامات القائمة حول الدور التركي في سوريا.
الخلاصة، إذا كانت سياسات صدام حسين وخضوعه لإملاءات أعدائه وأعداء العراق الذين بانوا فيما بعد، قد قادت إلى “أفغنة” العراق (من أفغانستان)، فإن أردوغان وخنوعه لاملاءات الأموال المشبوهة ونزوات الاستعمار والأطماع وقوى الإرهاب والرجعية ونفاق الأعراب سيقود حتمًا إلى “بكسنة” تركيا (من باكستان).

إلى الأعلى