الإثنين 27 مارس 2017 م - ٢٨ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / وهم التحكم: نهاية عقود الاستقلال وسيادة الدول

وهم التحكم: نهاية عقود الاستقلال وسيادة الدول

محمد بن سعيد الفطيسي

” إن أغلب الدول التي تدعي الحياد هي غير محايدة بطريقة ما, وأن الدول ذات السيادة هي ذات سيادة ناقصة لأنها لا تستطيع التصرف بشؤونها الداخلية بشكل كامل, فكيف بقراراتها ونشاطاتها الخارجية في ظل المتغيرات والتحولات الدولية الراهنة وخضوعها للقوانين والأعراف الأممية وارتباطها بحقل متشعب من العلاقات الدولية”
ــــــــــــــ
دولة مستقلة, دولة ذات سيادة, دولة محايدة, ثلاثة مفاهيم تروج لها أغلب الدول في خطاباتها الإعلامية منها والسياسية في كل حين, ولا يخلو أي دستور وطني لأي دولة من دول العالم اليوم من تضمينه تلك المفاهيم والمصطلحات السياسية, ورغم ان بعضا منها مفاهيم سادت في فترات تاريخية ماضية, حيث ظهر مفهوم سيادة الدول على سبيل المثال لا الحصر في القرنين السادس عشر والسابع عشر كنتيجة لتطور الدولة الحديثة ” القومية ” في أوروبا في ذلك الوقت , إلا أن القرنين العشرين والحادي والعشرين قد راجت فيهما تلك المفاهيم الثلاثة بشكل اكبر وأكثر انتشارا وتعقيدا, لدرجة أننا لم نعد نسمع أي خطاب رسمي سياسي كان او اقتصادي او عسكري او امني, إلا ويتضمن بين طياته العديد من العبارات والإشارات التي لا تخلو من التأكيد المطلق والكامل على سيادة الدولة واستقلالها الوطني وحيادها تجاه العديد من القضايا الإقليمية والدولية, بالرغم من أن المتتبع لحقل العلاقات الدولية يكتشف بصورة واضحة صعوبة تصديق قدرة أي دولة مهما بلغ حجم قوتها السياسية او العسكرية او الاقتصادية على تحقيق واقع متكامل وغير منقوص لتلك المفاهيم الثلاثة على كيانها ونظامها السياسي وأقاليمها تشكل كيانها.
ورغم أن كل الدول وبحسب القوانين الدولية والأممية المتعارف عليها في حقل العلاقات الدولية والسياسية والدبلوماسية ( تتمتع بكافة الحقوق والمزايا الكامنة في سيادتها واستقلالها، سواء على الصعيد الدولي كإبرام المعاهدات الدولية،وتبادل التمثيل الدبلوماسي والقنصلي, او على المستوى الداخلي كحق الدول في التصرف في مواردها الأولية وثرواتها الطبيعية واتخاذ التدابير التي تراها مناسبة حيال الأشخاص المتواجدين على إقليمها بغض النظر عن صفتهم كمواطنين أو أجانب), غير أن سيادة الدولة واستقلالها وانطلاقا من نفس الحقوق والقوانين التي أعطتها تلك السيادة والاستقلالية مقيدة فيما يتعلق بكثير من نشاطاتها وتصرفاتها وتعاملاتها وحتى آرائها وأفكارها الداخلية والخارجية, وخصوصا تلك التي تلامس حقوق الإنسان وارتكاب جرائم الحرب وجرائم إبادة الجنس البشري ( فالدولة ليست مطلقة التصرف في ميدان العلاقات الدولية، إذ هي تخضع للقانون الدولي الذي هو مفروض على الدول بناء على اعتبارات تعلو على إرادتها والذي يورد قيودا على تصرفات الدول، ويحكم علاقاتها مع الدول الأخرى ومع الهيئات الدولية).
وبناء على ذلك فانه من النادر جدا بالنسبة لأي دولة متورطة في حقل العلاقات الدولية ان تتمتع بالحرية الكاملة او المطلقة – أي الحرية السيادية او الاستقلالية ـ على نفسها وقراراتها وتصرفاتها وأنشطتها انطلاقا من نفس القانون الذي منحها تلك السيادة والاستقلالية, ونحن هنا عندما نتحدث عن ذلك التورط, فإننا نقصد أن أغلب دول العالم اليوم مضطرة بشكل لا إرادي الى إقامة علاقات مع بقية أعضاء المجتمع الدولي, وبالتالي قبول الطرف الآخر بكل عيوبه وحسناته ونشاطاته وتصرفاته, فسنة الحياة تجعلها تتداخل في علاقاتها مع الآخرين, وحتى اذا افترضنا أن مجتمع من المجتمعات لم يكن بحاجة الى التعامل مع الآخرين, فان المجتمعات الأخرى بحاجة الى التعامل معه, وهكذا تتشابك العلاقات والمصالح الدولية لا إراديا بين مجموعات وأطراف وفاعلي المجتمع الدولي.
من جانب آخر, فان المتغيرات الدولية وخصوصا تلك العابرة للقارات كالعولمة وتطور شبكة الاتصالات – مواقع التواصل الاجتماعي كتويتر والواتساب والفيس بوك على سبيل المثال لا الحصر ـ والتقدم العلمي والتكنولوجي وتداخل المصالح والنشاطات السياسية والاقتصادية والإنسانية ساهم هو كذلك في الحد او حجم كثيرا من قدرة الدول على التحكم في نشاطاتها الداخلية ,أو قدرتها الكاملة والمطلقة على اتخاذ قرارات سيادية مستقلة دون مشاركة بقية أعضاء المجتمع الدولي بطريقة او بأخرى في صياغتها الصياغة القانونية او حتى الإنسانية على أقل تقدير, ولا نقصد ذلك على مستوى قرارها الخارجي, بل في عمق قراراتها الخاصة بالشؤون الداخلية لسيادتها على أرضها ومواطنيها, وهو ما نلاحظه كثيرا اليوم في صياغة الدساتير والقوانين الداخلية وضرورة تضمينها العديد من القوانين الدولية والأممية كقوانين حقوق الإنسان والإرهاب وحماية الدول من العدوان الخارجي وحقوق اللاجئين على سبيل المثال لا الحصر.
بالإضافة إلى أن تأثير العديد من نشاطات وتصرفات وأحداث الداخل السيادي لبعض الدول والذي ينعكس إيجابا أو سلبا على بقية أعضاء المنظومة الدولية, ما دفعها للتشاور والمشاركة معا في البحث عن الحلول لتلك الأزمات والتحديات الداخلية, فما يحدث في الولايات المتحدة اليوم على سبيل المثال يتأثر به سكان الوطن العربي, كما أن ما يمكن أن يحدث في الشرق الأوسط او الخليج العربي يؤثر بشكل كبير في قرارات دولة كروسيا او بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الاميركية, وهكذا فان العالم اليوم في ظل ثورة المعلومات وشبكات الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي أصبح قرية صغيرة جدا يتأثر طرفها القوي بالطرف الضعيف والعكس صحيح.
وكما يلاحظ انطوني جيدنز عالم الاجتماع البريطاني الشهير فان ) العولمة ليست فقط سيطرة الغرب على الآخرين, بل أنها تؤثر على الولايات المتحدة الاميركية كما تؤثر على البلدان الأخرى) , ( وبصفة عامة يمكن القول بأن ظاهرة العولمة قد نأت بالعلاقات الدولية عن صورة النسق الدولية التقليدية القائمة على جمع من دول ذات سيادة, وقد تباينت أراء المحللين في هذا الصدد، إذ يرى بعض الكتاب أن العالم يشهد حاليا ما يمكن أن يسمى بأفول السيادة The Twilight of Sovereignty في حين يرى البعض الأخر أن النسق العالمي قد انتقل بالفعل إلى ما بعد السيادة ) او استقلال الدول.
وهو ما يؤكده روبرت جاكسون بشكل آخر في كتابه ميثاق العولمة حيث يقول ( حتى قادة أعظم القوى مقيدون بالظروف والملابسات الإنسانية فيها وغير الإنسانية , والتي يجدون أنفسهم محاطين بها, قد يكون استقلال الدول , وهو متضمن أحيانا في مفهوم القوى العظمى, أنموذجا مثاليا, او أملا او هاجسا, غير انه ليس واقعا, ما من احد متورط في العلاقات الدولية , يؤمن بوجود قوة حاسمة منفردة في السياسة العالمية, حتى وإن كانت هذه القوى في موقع يجري تفسير الأحداث الدولية أيضا بإحالتها عليها).
إذا فسيادة الدول واستقلالها كان ومازال وسيظل مرتبطا ارتباطا وثيقا بالطرف الأخر من المعادلة الدولية, وإن القرارات المتخذة على الصعيدين الخارجي والداخلي لأي دولة كانت كبيرة او صغيرة, قوية او ضعيفة يتأثر سلبا او إيجابا بمرئيات وتصرفات بقية فاعلي المنظومة الدولية, فحتى الولايات المتحدة الأميركية وهي القوة رقم واحد في العالم لا يمكنها تمرير أي قرار بشكل كامل وأحادي على مستوى سياساتها الخارجية او التصرف منفردة في اغلب الأوقات دون استشارة بقية أعضاء المجتمع الدولي, كما ان العديد من قراراتها الداخلية نبعت من هواجس وردات فعل وعوامل الخارج الدولي , وهو ما نلاحظه اليوم في تعاملها مع العديد من التهديدات الدولية كالإرهاب على سبيل المثال , وحتى تلك التي تلامس أمنها القومي بشكل مباشر, حتى أنها وفي كثير من الأحيان تبقى مقيدة بمرئيات الطرف الآخر, ومضطرة لمشاركة والتشاور مع بقية أعضاء المنظومة الدولية في أسلوب وطريقة الرد وحماية أمنها القومي, وسيادة أراضيها ومواطنيها.
وهكذا الحال بالنسبة للسياسة الداخلية للعديد من الدول كما وضحنا سلفا, حيث علاقات القوة والأخلاق والمصالح واضحة جدا الى درجة يصعب معها فتح الجدال حولها, وهذه المصالح بحسب Hans.J.Morgenthau لها ثلاث خصائص, ( في مقدمتها المصالح التي تربط القوى مع بعضها البعض, وثانيهما ان هذه المصالح من زاوية الملاحظة السياسية تتغير باستمرار, وثالثهما ان كل هذه العلاقات تقاس على أساس مصلحة المجتمع, وهذه المصالح منفردة وكجزء من الكل تحدد طبيعة وسلوك متابعتها, وان طبيعة المصالح تحدد هويتها بواسطة الخير العام, وهذا يعني ان كلهم, أي كل المجتمعات تتابع مصالحها فقط). وعليه فانه لا يمكن بحال من الأحوال لأي دولة من دول العالم اليوم إثبات وتأكيد سيادتها الكاملة على تصرفاتها وقراراتها وسلوكياتها ولا استقلالها غير المنقوص بطريقة او بأخرى, كما أنها وفي الجانب الآخر لا يمكنها المراهنة او التأكيد على حيادية قراراتها او سياساتها تجاه العديد من القضايا الإقليمية او الدولية مهما حاولت إخضاع ذلك الحياد الى المبادئ والقيم الإنسانية والأخلاقية, فمعظمها يمارس حقل العلاقات الدولية والحياد من باب المصالح والمتغيرات الراهنة حتى في أحلك الظروف الإنسانية أو أشدها قسوة وحاجة الى الحياد الأخلاقي على أقل تقدير.
وبمعنى آخر، إن أغلب الدول التي تدعي الحياد هي غير محايدة بطريقة ما, وأن الدول ذات السيادة هي ذات سيادة ناقصة لأنها لا تستطيع التصرف بشؤونها الداخلية بشكل كامل, فكيف بقراراتها ونشاطاتها الخارجية في ظل المتغيرات والتحولات الدولية الراهنة وخضوعها للقوانين والأعراف الأممية وارتباطها بحقل متشعب من العلاقات الدولية, وان استقلال الدول ليس أكثر من حلم جميل يحاول البعض تحقيقه دون جدوى في ظل واقع متشابك ومتشعب ومتداخل تتحكم به العولمة العابرة للقارات وثورة المعلومات وشبكات التواصل الاجتماعي.

إلى الأعلى