الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / إلى متى تستمر مآسي العراق؟

إلى متى تستمر مآسي العراق؟

السيد عبد العليم

” .. بعد مرور أكثر من 12 سنة على احتلال القوات الأميركية العراق والإطاحة بنظام صدام حسين، كان من المفترض أن يكون العراق قد استعاد عافيته الحين، وشرع في الانطلاق على درب إقامة دولة جديدة حديثة دولة مؤسسات ونظام سياسي ديمقراطي يحقق للشعب العراقي طموحاته في الاستقرار والتنمية الاقتصادية والاجتماعية والحياة الكريمة.”
ـــــــــــــــــــــــــ
شاهدت على مواقع التواصل الاجتماعي مشهدا بالغ الحزن ومؤثرا جدا عن جزء من الواقع العراقي المؤلم يتمثل في قيام عالم عراقي كبير ببيع كتب مكتبته وهو يبكي بكاء حارا على ذلك بسبب الفقر الذي ألم به والأوضاع المزرية التي يعيشها في هذا البلد الذي كان عظيما والذي كان مقصدا لأغلب أبناء العروبة يقيمون فيه سواء خلال مراحل تعليم البعض أو للعمل به كوطن ثان لهم. ولم يكن هذا البلد يبخل أبدا على كل من يفد إليه بعطائه وبجود وكرم أبنائه.
وفي الواقع ليست تلك هي الحالة الوحيدة المحزنة، فهذا طبيب قد اضطر الى بيع عيادته والهجرة الى خارج العراق وهذا صاحب مصنع وهذا صاحب أرض زراعية وآخر صاحب ورشة فضلا عن كثير من المهندسين واساتذة الجامعات والمدرسين وغيرهم من التخصصات الذين دفعتهم أوضاع بلدهم البائسة الى الهجرة.
فبعد مرور أكثر من 12 سنة على احتلال القوات الأميركية العراق والإطاحة بنظام صدام حسين، كان من المفترض ان يكون العراق قد استعاد عافيته الحين، وشرع في الانطلاق على درب إقامة دولة جديدة حديثة دولة مؤسسات ونظام سياسي ديمقراطي يحقق للشعب العراقي طموحاته في الاستقرار والتنمية الاقتصادية والاجتماعية والحياة الكريمة. لكن من ينظر الى واقع العراق الحين يرى شتان ما بين المأمول والواقع. فالواقع هو تصارع على السلطة بين قادة العراق الجدد الذين جاءوا مع قوات الاحتلال الأميركي. فهناك الصراع المستعر بين حيدر العبادي رئيس الوزراء الحالي ونوري المالكي رئيس الوزراء السابق واياد علاوي رئيس الوزراء الأسبق وكذلك التصارع مع مجلس النواب العراقي الذي أعلن مؤخرا بأنه لن يسمح بتجاوز اختصاصاته في أي عملية اصلاحية مزعومة من قبل رئيس الوزراء. هذا مع وجود حالة من التذمر الشعبي العام امتدت الى الجنوب في البصرة والشمال في كردستان العراق بعدما كانت مقتصرة على ما يسمى بالمثلث السني في الأنبار. ومرد ذلك هو تردي مستوى الخدمات والأوضاع الاقتصادية والمعيشية لغالبية العراقيين على الرغم من ان هذا البلد يعوم على بحيرة من النفط ويمتلك نهرين كبيرين وأرضا خصبة وقدرات بشرية هائلة. وحال استغلال كل ذلك يمكن أن يجعله في طليعة البلدان وليس في مؤخرتها كما هو حاله الحين. ويرجع هذا التردي في الأوضاع العراقية إلى فساد كثير من أفراد النخبة السياسية وعجز وفساد النظام السياسي الذي وضعه المحتل من الأساس.
وقد دفعت الأزمة المالية التي تعيشها الحكومة العراقية بعد انخفاض أسعار النفط العبادي إلى الإعلان عن جداول رواتب جديدة تخفض رواتب موظفي الدولة العراقية، الأمر الذي أثار استياء شرائح اجتماعية واسعة في العراق.
وفي لقاء مؤخرا لرئيس الوزراء مع أساتذة الجامعات، وصف حيدر العبادي الوضع الاقتصادي للعراق باختصار”النفط المصدر يقترب من 59 تريليون دينار، وهناك كلفة لإنتاج النفط ، يبقى من المبلغ 45 تريليوناً، وهناك ديون متراكمة، فالمتبقي يكون 40 تريليوناً والرواتب والتقاعد تحتاج إلى 50 تريليوناً، فكيف يتم الصرف على الحرب والصحة والتعليم والزراعة والخدمات والفقراء وغيرها.” بل ان هناك من المراقبين من يشكك في قدرة الحكومة العراقية على دفع رواتب الموظفين في الشهرين المقبلين.
وفي إطار حرب الاستنزاف التي تقودها الحكومة ضد تنظيم داعش، وبغض النظر عن كل النفقات الأخرى، هناك فقط قوات الحشد الشعبي التي يبلغ قوامها ربع مليون شخص والتي تكلف ميزانية الدولة العراقية نحو مليار دولار شهريا على حد ذكر وسائل إعلام عراقية.
ويتحدث عدد من المحللين العراقيين عن السرقات من المال العراقي العام، فهي ـ برأيهم ـ أكبر بكثير من أن تُحصر. ويشيرون إلى أن ما امتلكه هوامير السياسة العراقية، في السنوات العشر الماضية، يفوق ميزانيات دول، والغريب أن حيدر العبادي، رئيس الوزراء، وقائد مسيرة الإصلاح، لم يجرؤ، حتى الآن، على اعتقال أي من هؤلاء أو محاكمته. ويرون أن نوري المالكي، وخلال ثماني سنوات من حكم العراق، بدد وحده 744 مليار دولار، وسلم العبادي دولة بخزينة خاوية، ولم يسأله أحد أين ذهبت بأموال العراق؟
كما يرى عدد من المراقبين العراقيين أن المتابع للوضع العراقي يُدرك بكل سهولة، أنَّ الأوضاع وصلت فيه إلى طريق مسدود على كل المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، كما أن الوضع الأمني بات معروفاً للجميع. وما يجري في العراق الآن، هو وصف كامل كان متوقعا كما يرى البعض لمآل العملية السياسية. وهذه نتيجة طبيعية ومنطقية للأسس التي بُنيت عليها العملية السياسية من محاصصة طائفية وعرقية، في ظلّ استخدام آليات الإقصاء والإبعاد والتهميش، والاعتماد على الطارئين من الخارج لإدارة شؤون البلاد ونهب المال العام. بالإضافة إلى استخدام القوة المفرطة في تصفية الخصوم والمعارضين، والتوافق بين الأحزاب السياسية الطائفية وغيرها، بعيداً عن الإرادة الحقيقية للشعب العراقي. وتكمن المشكلة في الأصل بالدستور، الذي هو أساس كل المشاكل في العراق بعد الاحتلال الأميركي في عام 2003. وقد أدى كل ذلك إلى خروج مئات الآلاف من شباب العراق في المحافظات الوسطى والجنوبية، للتعبير عن رفضهم للأوضاع التي وصل إليها العراق. وهذا بحدّ ذاته دليلٌ كافٍ على أن هؤلاء المفترض أن يكونوا القاعدة الانتخابية للأحزاب السياسية المهيمنة على الحكم في بغداد، قد وصلوا أخيراً إلى نقطة عدم الاقتناع بالنظام السياسي القائم. كما أن شعارات هذه التظاهرات واضحة وصريحة وقد بدأت بالخدمات ثم انتقلت إلى الفساد، وها هي تصل أخيراً إلى محطة انتقاد الوضع السياسي القائم برمته والدعوة إلى تغييره.
الملاحظ أن الحكومة العراقية في استجابتها الى تلك الهبات والمطالب الشعبية تسير على نهج أغلب حكومات المنطقة في اتباع نظام التسويف وتضييع الوقت، بدلا من الالتفات الى المطالب الشعبية والتعاطي الحقيقي والواقعي معها واطلاع الشعب على الأوضاع بكل صراحة ووضوح. إن عدم الاكتراث واتباع سياسة المسكنات، اذا نجحت في بعض الأوقات فالمؤكد أنها لا تنجح في كلها. وهنا يكون المستقبل غامضا وتكون البلد عرضة لانفجار شعبي يصعب في كثير من الأحيان التعاطي معه، مما يترتب عليه مشاكل تستمر لسنوات في مثل تلك البلدان. ولعل ما حدث ويحدث في عدد من البلدان العربية التي شهدت هبات شعبية وتعاملت بتراخ مع مطالب شعبها ليس ببعيد. فضلا عن أن ذلك يجعل العراق مرتعا ونقطة تجميع وانطلاق للجماعات المتطرفة.

السيد عبد العليم
sayedleem@hotmail.com

إلى الأعلى