الجمعة 26 مايو 2017 م - ٢٩ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / مصر والسودان .. علاقات ممتدة وأزمات مفتعلة متكررة

مصر والسودان .. علاقات ممتدة وأزمات مفتعلة متكررة

محمد عبد الصادق

” يشير البعض لجماعة الإخوان ويحملهم مسؤولية تصاعد الأزمة وصب الزيت على النيران لإفساد العلاقة بين البلدين الشقيقين, وتحديداً لبعض المصريين من الجماعة فروا إلى السودان خشية اعتقالهم, عقب الإطاحة برئيسهم محمد مرسي بتشجيع من أعضاء الجماعة في السودان, والذين يسعون لمنع أي تقارب بين حكومتي البلدين, ويفجرون الأزمات المفتعلة ويطلقون الشائعات من فترة لأخرى…”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
سألت صديقي السوداني الطيب عن حقيقة الحملة المشتعلة ضد مصر والمصريين في السودان والتي وصلت إلى حد الدعوة لعدم سفر السودانيين لمصر وترحيل المصريين الموجودين على أرض السودان .. تغير وجه صديقي الطيب وظهر الانفعال جلياً على محياه ورد عليّ بانفعال: السلطات في مصر تسئ معاملة السودانيين, بينما يجد المصريون كل الترحيب والود في السودان وعندما ألححت عليه لسرد التفاصيل بدافع من فضولي الصحفي لمعرفة أبعاد الأزمة والوقوف على أسبابها .. رفض الرجل الحيي بشدة الخوض في الأسباب, ورجاني أن أغلق النقاش في هذا الموضوع الشائك .. احتراماً لعلاقة الصداقة والود الذي بيننا.. استجبت مقدراً رغبة صديقي الطيب, بعدما لمست في حديثه نبرة حزن وإحساساً بالمرارة تجاه مايدور من أحداث.
وبالتقصي عن جذور المشكلة, تبين أن مفجرها المدعو “فيس بوك ” بعد تداول مجموعة صور لسودانيين زاروا مصر مؤخراً تظهر على أجسادهم آثار التعذيب , وتقول الرواية السودانية إنه تم القبض على أحدهم ومعه كمية من الدولارات أمام أحد محلات الصرافة في وسط القاهرة كان يسعى لتغييرها لسداد تكاليف العلاج الذي حضر من أجله إلى القاهرة, وأنه تم سجنه في قسم الشرطة وهناك تعرض للتعذيب, بينما تشكك الشرطة المصرية في الصور المتداولة وتؤكد أنها صور قديمة تعود لعام 2008م, لأحداث فض اعتصام مجموعة من السودانيين ـ حينئذ ـ بأحد ميادين القاهرة, وقالت السلطات المصرية إن السوداني المقبوض عليه تم ضبطه يتاجر في العملة, وأنه قاوم السلطات واعتدى على أحد أفراد الشرطة, ونفت تعرضه لأي نوع من التعذيب.
ويشير البعض لجماعة الإخوان ويحملهم مسؤولية تصاعد الأزمة وصب الزيت على النيران لإفساد العلاقة بين البلدين الشقيقين, وتحديداً لبعض المصريين من الجماعة فروا إلى السودان خشية اعتقالهم, عقب الإطاحة برئيسهم محمد مرسي بتشجيع من أعضاء الجماعة في السودان, والذين يسعون لمنع أي تقارب بين حكومتي البلدين, ويفجرون الأزمات المفتعلة ويطلقون الشائعات من فترة لأخرى لاستمرار حالة التوتر والشك على المستوى الرسمي والشعبي , لكي يضمنوا بقاءهم على أرض السودان, وحتى لا تستجيب السلطات السودانية لمطالب مصرية بتسليمهم لتنفيذ أحكام قضائية صادرة بحق بعضهم.
كما تظل أزمة “حلايب” التي تثار من وقت لآخر, عقبة كبرى أمام تطور العلاقات المصرية السودانية, وهي أزمة مفتعلة وغير مبررة, فالمنطقة لا تتعدى مساحتها 20 كيلومتراً ولم يثبت حتى الآن احتواءها على ثروات طبيعية أو أراضً أومياه عذبة؛ تجعلها صالحة للزراعة أو الصناعة, ولا أجد تفسيراً لتمسك الطرفين بهذه البقعة المقفرة لدرجة اللجوء لمجلس الأمن أو محكمة العدل الدولية, بينما يعيش الشعب المصري على مساحة لا تتعدى 10% من مساحة أرضه وترك الـ 90% الباقية صحاري مهملة, ونفس الأمر في السودان الذي يمتلك ملايين الأفدنة الصالحة للزراعة ومصادر الري القريبة دون استغلال. والحل لأزمة “حلايب” كما يرى البعض؛ يكمن في تطبيق اتفاقية الحريات الأربع التي سبق توقيعها بين الرئيس السوداني عمر البشير والرئيس الأسبق حسني مبارك في عام 2004م, والتي تنص على حرية التنقل وحرية الإقامة وحرية العمل وحرية التملك بين البلدين, والتي لم يتم تطبيق أغلب بنودها من الجانبين حتى الآن بسبب حالة الشد والجذب في مستوى العلاقات, وتعدد الأزمات المفتعلة والتي تنعكس آثارها على مواطني البلدين؛ الذين يتطلعون لليوم الذي تزال فيه الحواجز المصطنعة بين الجارين الأزليين, ولتكن البداية تطبيق الاتفاقية على مثلث حلايب الحدودي المتنازع عليه, بمنحه وضعاً خاصاً وتحويله لمنطقة تجارة حرة يسمح فيها بحرية التحرك والعمل والتملك للمصريين والسودانيين والاستفادة من الطريق البري ومعبر “إشكيت ـ قسطل” الذي تم افتتاحه مؤخراً ليربط شمال السودان بجنوب مصر والذي من المتوقع أن يضاعف حجم التبادل التجاري الخجول بين البلدين.
وهناك من طرح مسألة تخيير أهالي المنطقة في حمل البطاقة أو الهوية المصرية أو السودانية, وكذلك إعطاءهم حرية المشاركة في الانتخابات بأي من البلدين أو إعفاءهم من التصويت إن أرادوا خصوصاً وأن عدد من لهم حق الانتخاب في مثلث حلايب لا يتجاوز 10آلاف شخص, أما عن الخدمات والإدارة الحكومية فتكون مشتركة بين البلدين أو منح المنطقة وضعاً فيدرالياً مستقلاً, يتولى فيه أهالي المنطقة إدارتها بمعرفتهم بالتنسيق مع الجانبين السوداني والمصري, فالحلول كثيرة والاستفادة من تجارب الدول الأخرى ليس عيباً للخروج من مأزق الخلاف الحدودي الذي يطفو ويخبو ويتم استغلاله سياسياً من أطراف وجهات أجنبية لا تريد الخير للبلدين.
العقبة الأخرى التي تعترض طريق العلاقات المصرية السودانية, هي ملف سد النهضة الذي قطعت إثيوبياً شوطاً كبيراً في بنائه, وترى مصر أن بناء السد كما تريده إثيوبيا, يهدد حصتها المائية من نهر النيل والتي تعتمد عليها بشكل كامل في الزراعة والإعاشة لـ 90 مليون مصري, بينما موقف السودان خلاف ذلك إذ يرى أن إنشاء السد يعود بالنفع على الدول الثلاث, من خلال توليده للكهرباء الرخيصة التي وعدت إثيوبيا ببيعها للسودان بأسعار تفضيلية, وهو الأمر الذي يوفر للسودان مصادر رخيصة للطاقة اللازمة لإنشاء المشروعات الصناعية والزراعية والعمرانية التي تحتاجها خطط التنمية , بعد تراجع مواردها من الطاقة عقب انفصال الجنوب الغني بالنفط والذي كان يحصل السودان عن طريقه على معظم احتياجاته ويصدر الباقي للخارج.
وبينما يرى الجانب السوداني ضرورة التركيز في المفاوضات على الجانب الفني, وإتاحة الوقت الكافي للدراسات الفنية التي تقوم بها مكاتب أوروبية وعدم الاستباق أو المبالغة في الآثار الجانبية على دول المصب ـ السودان ومصر ـ ترى مصر أن الهدف من بناء السد سياسي بامتياز, وأن هناك مبالغة في حجمه وارتفاعه وأن كفاءته في توليد الكهرباء ستكون متدنية, وأن إثيوبيا تسعى بتحريض من دول إقليمية للتحكم في مياه النيل والإضرار اقتصادياً واجتماعياً وأمنياً بمصر وأن موقف السودان من السد يجب أن يكون على الأقل محايداً وليس منحازاً للجانب الإثيوبي.

إلى الأعلى