الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / فيديريكو جارسيا لوركا Fedrico Garcia Lorca (2 ـ 3)

فيديريكو جارسيا لوركا Fedrico Garcia Lorca (2 ـ 3)

علي عقلة عرسان

” إن لوركا في “عرس الدم” كما في سائر مسرحياته، يصوّر المشاعر الرقيقة، وصراع أحاسيس تضرب جذورها في عمق الجسد والروح، وفي صلب الحياة، وجوهر الوجود الإنساني. وهو لا يصوّر ذلك بغية إثبات فكرة، كما أنه لا يمسك هذه الأحاسيس وتلك العواطف بقبضة العقل، وبيد رجل الفكر، وإنما يمسّها بقلب الشاعر وعِرقه النابض بالحس الرقيق، إنه يعيش العاطفة ويحييها ويجسمها لذاتها، ولا يقتلها في سبيل إثبات فكرة.”
ــــــــــــــــــــــ
ويبزغ القمر، وينسكب ضوؤه القاتل على إكليل الليمون، فوق رأس العروس، وهي جاثية تنظر في عيني حبيبها المشتعلتين بنار الشهوة.. فترات وتبرز الخناجر، ويتفجّر الدم من العروق، وتزين الزنابق الحمراء صدغي شابين، ويرتوي الزيتون بالدم الحار. وتعود الفتاة إلى القرية وترى حماتها، أو المرأة التي كان يمكن أن تكون حماتها، وقد انهدّ عزمها، ونزلت عليها طمأنينة غريبة، وهي تقول:”هنا سأظل مقيمة.. هادئة مطمئنة، فقد ماتوا جميعًا. وعند منتصف الليل، بعد الآن، سوف أنام، دون أن أخشى شيئًا من الخناجر والمسدسات. الأمهات الأخريات سوف ينحنين على النوافذ والشرفات، يلسعهن المطر بسياطه، في انتظار عودة أولادهن؛ أما بالنسبة إليّ، فقد انتهى كل شيء. سوف أعمل من رقادي حمامة باردة من العاج، تحمل أزهار الكاميليا الندية إلى المقبرة. مقبرة؟ لا.. بل مثوى من التراب يحميهم ويهديهم في السماء. إن أيامًا رهيبة سوف تأتي. وأنا لا أريد أن أرى أحدًا.. الأرض وأنا، دموعي وأنا، وهذه الجدران الأربعة”.
لوركا في هذه المسرحية يبلغ، في تصوير عادات الناس في الريف، وفي تصوير الأحاسيس الإنسانية العميقة، والدوافع والعواطف المتضاربة، لدى من يملكون الدم الحار، حدّ الروعة. إنه يخوض في قلوب الأمهات، والعذارى، والزوجات، ويصوّر مأساة الوجود كله، من خلال أحاسيس المرأة، ونظرتها، وانفعالها، أمًا وزوجة وحبيبة.
الأم تنجب، ويرتعش دمها كل ليلة ألف مرة، خوفًا وقلقًا على ابنها.. إنها تخاف المُدية التي تغوص في أعماق اللحم، وتحيل رجلًا كالثور إلى جثة بلا حراك.. وتخشى الرصاصة التي توزع الزنابق الحمراء على الجسم البشري الغض.
والزوجة تعيش الغيرة على زوجها، والقلق على أطفالها.. والحبيبة يأكلها الشوق، وتذيبها أغان ونظرات.. يتمزق قلبها كل مساء، فهي مشدودة بين شوق الحب ولذة الشهوة، وبين الشرف والخوف من التقاليد والأعراف المرعيّة.. إنها تخاف الناس وألسنتهم، فتعيش صراعًا مرًا مع دمها الحار، وإذا ما انطلقت ملبية نداء الغريزة للحظة، فإنها تعيش بعد تلك اللحظة عمرًا من الألم، وربما تفيض دماؤها الحارة على الرمل، لتسقي حبال الشوق الرمادية.
إن لوركا في “عرس الدم” كما في سائر مسرحياته، يصوّر المشاعر الرقيقة، وصراع أحاسيس تضرب جذورها في عمق الجسد والروح، وفي صلب الحياة، وجوهر الوجود الإنساني. وهو لا يصوّر ذلك بغية إثبات فكرة، كما أنه لا يمسك هذه الأحاسيس وتلك العواطف بقبضة العقل، وبيد رجل الفكر، وإنما يمسّها بقلب الشاعر وعِرقه النابض بالحس الرقيق، إنه يعيش العاطفة ويحييها ويجسمها لذاتها، ولا يقتلها في سبيل إثبات فكرة.
ولوركا شاعر العاطفة الجياشة والدم الحار.. شاعر الطبيعة الحية المتشابكة مع القلب البشري بكل عنفوان دمه.. لوركا الإنسان، والشاعر، والكاتب المسرحي، والموسيقي، والمصوّر، والمخرج المسرحي الفنان، يحافظ على بدائية العاطفة وتدفقها، ويصوّر روح ابن الريف، ويسري في عروقه الدم الحار، والإرث الجليل للدم العربي والأعراف والتقاليد العربية التي حرثت وغرست وأنبتت في إسبانيا الأندلس.
ومسرحية عرس الدم مسرحية حارة، الانفعال فيها ينسيك تدفق الحياة والنار في الكلمات، ويكاد يطغى هذا الجانب الشاعري المتمثل في الكلمات والشخصيات، على متطلبات البناء الدرامي، وينسينا جوانب الضعف فيه. إن الكلمات ترهص بالمأساة، وتساهم الخناجر والمُدَى والانطلاقات العارمة للشباب فوق الخيول التي توحي:
_ بقوة الغريزة واندفاعها وجموحها وإصرارها على الارتواء.
_ وبعنف العراك بين قوى الشباب.
_ وبسرعة تأكيد سطوة القدر.
ترهص هذه العناصر، إلى جانب الألوان وقصائد الشعر المبثوثة في النص، بالمأساة وتمهد لها.
وعندما يجسم لوركا شخصيةَ القمر، في مُحاور على المسرح، ويدَ المنية ونذير السوء وغراب البين في متسولة عجوز.. تبلغ رمزيته الشاعرية آفاقًا رحبة، ويحلق خيالُه مع خيال شكسبير في الذرى البعيدة.
إن الأشعار في عرس الدم لم تضعف النص، ولم تكن عبئًا يشل الحركة الدرامية، إلا في لحظات عابرة لا تستأهل الذكر، وكانت فيما عدا ذلك عنصرًا فعالًا في رسم جو المأساة وتعميقها والتمهيد لها. وقد رسم لوركا شخصياته بحيث تكون مؤهّلة فعلًا لأداء الحدث المسرحي الذي تعيشه، وتستطيع أن تسير به إلى قمته أو نهايته الحتمية.
وحتى لو أن لوركا كان قد رسم خطة للحوادث، فإن الشخصيات تحمل في داخلها دوافع الحوادث ونتائجها. إن التكوين النفسي والجسمي والاجتماعي للشخصيات، يجعلها على استعداد لأن تخوض الحوادث ذاتها، وتقع في الأزمات ذاتها.فالجو الاجتماعي العام الذي بدأت فيه حوادث المسرحية، جو مهيّأ لنمو الحوادث وتطورها: العداء متأصل وقوي بين آل فينيكس وأهل العريس، فهناك ثأر قديم وعداوات، فقد قتل آل فينيكس أبا العريس وأخاه. هنا نجد الفريقين مشحونين، قابلين للإثارة والانفعال بأي حدث بسيط، يكفي أن تلمع شرارة ليتقد الجو.. إنهم آل كابيوليت وآل مونتاجو كما في روميو وجولييت.
والشخصيات مبنية بناء دراميًا يتفق والأعمال التي ستقوم بها، أو بالأحرى إن الحوادث التي نبعت من الشخصيات تتفق والتكوين العام للشخصيات. فهناك الأم التي لا تترك فرصة إلا وتعيد على مسمع ولدها ومسمع الناس، أن آل فينيكس قتلوا زوجها وولدها البكر، وأنها لا تطيق رؤيتهم، وبودها أن تنتقم، ولكنها تخاف أن تخسر ابنها في النزاع فتكون عندئذ الطامة الكبرى. وهذا ما حدث في النهاية.
والعريس الشاب، بحرارة دمه وصلابة عوده، واندفاعه وحقده على آل فينيكس، وحبه للفتاة التي خُطِفت منه في ليلة زفافه، هذا الرجل مهيّأ لمطاردة من خطف زوجه، لاسيما إذا كان الخاطف عدوًا سابقًا، ومهيّأ أيضًا، بحكم الثأر والجو الدامي الذي أسبغه لوركا على الريف، لأن يلقى مصيره المؤلم.
وليونارد الزوج الذي يحب العروس ويخطفها.. هذا الرجل يحمل قلبًا دافئًا لا يعرف الجمود، وحبه للفتاة لا يزال مشتعلًا، وكراهيته المنطقية للعريس ـ التنافس في الحب والثأر القديم ـ تجعله مؤهلًا لأن يقدم على ما أقدم عليه ويلقى حتفه.
وشخصية الفتاة، التي يضطرم في قلبها حب ليونارد، ولم تقبل الزواج من الشخص الآخر إلا لتدفع عن نفسها الهلع الذي يفرضه عليها شبح ليونارد وقوته وسلطانه عليها.. إنها تراه، وترقبه، وتعرف أنه يمر بالقرب من بيتها، وأن قلبها يشتعل شوقًا إليه.. ولكنها تقاوم، وتكابر، خشية الفضيحة. إن الشرف غالٍ.. وليونارد طعنها في كرامتها عندما تزوج من غيرها، وهي تريد أن تثبت له، أنها يمكن أن تتزوج من غيره هي الأخرى. ولكن ذلك كان مجرد قناع سطحي، إذ إنها تحب ليونارد ولا تستطيع أن تقاوم همساته، وتريد أن تهرب إلى أحضان الآخر، كي تحتمي به من ليونارد.. إنها في صراع مميت، إنها تقول لأم العريس القتيل مبررة هربها: “لقد كنت أشتعل مسربلة بالجراح من داخل ومن خارج.. وكان ابنك الماء العذب الذي كنت أنتظر منه الأولاد والعافية. لقد كنت أركض مع ولدك، الذي كان باردًا كطفل مائي صغير. والآخر كان يقذف إليّ بالمئات من الطيور التي كانت تمنعني من السير، وتخلف الندى المبترد على جراحي، أنا المرأة الذابلة، أنا العذراء التي تداعبها النار.. لم أكن أريد، اسمعي جيدًا، لم أكن أريد.. لقد كان ابنك خلاصي، فلم أخنه، ولكن ساعد الآخر جرفني كما يجرف صندوق في البحر، أو كما تدفعك ضربة من رأس بغل. وحتى لو أصبحت عجوزًا يتعلق بشعري كل ولائدي المنتهين إليَّ من ابنك، لكان جرفني.”.
والفتاة، كما رُسمت شخصيتها بهذا الشكل، مهيأة لأن تهرب مع ليونارد في أي وقت.. فجميع الخطوط العامة للشخصيات واضحة ودقيقة وسليمة، ولكنَّ لوركا لم يستفد من هذه الميزة، وفاته أن يستفيد من وحدة الأضداد استفادة كاملة. إنه لم يصل بنا إلى الصراع المسرحي وقمته، الذروة، إذ فاته أن يجمع بين الضدين في مشهد واحد ـ أي ليونارد والعريس ـ إنه لم يجمع بينهما في مشهد يلهبان فيه المسرح بنارهما، ويجعلان الجمهور يشعر بعنف الأزمة، وقوة الحدث، وشدة الصراع المتوقع بينهما، وبنتائجه المحتملة. كان من الممكن جدًا الاستفادة من شخصين متنافرين، يجمع بينهما موضوع بهذا الشكل وبهذا العمق. لقد جمعهما لوركا في مشهد غير مرئي، ليقتل كلٌ منهما الآخر. ولذا تخلد في أذهاننا بعد قراءة هذه المسرحية شخصيات لوركا وكلماته وحرارة انفعاله.. أما عنف الحدث والصراع القوي، اللذان هما عصب المسرح، فإننا لا نذكر منهما شيئًا.
وعلى الرغم من هذا، تبقى عرس الدم مسرحية ناجحة، وجيّدة، تمثل أصالة لوركا.. ريفيًا وشاعرًا وإسبانيًا يحمل أرث أندلس العرب.
في مسرحية: “غرام برلمبلين وبيليزا في الحديقة” نقرأ الكلمات المؤثرة الآتية:
“حبيبتي ياحبيبتي
يامن تتمددين هناك جريحة
جد جريحة، لأن الحب قد مضى،
تحتضرين من الحب..
قولي للجميع: إن ذلك لم يكن سوى العندليب،
مبضع الجراح ذو أربعة حدود مرهفة،
الحلق الدامي ـ النسيان،
خذيني من يدي يا حبيبتي، لأنني جريح جراحًا خطيرة،
جد جريح، لأن الحب قد مضى.
جد جريح، احتضر من الحب.”.
هذه كلمات رجل بلغ الخمسين من العمر، واتكأ على حافة القبر، ولكن على الرغم من بلوغه تلك السن، لم يتزوج. وأصرت خادمته على أن يدخل عالم الحب والزواج، فوصفت له فيمن وصفت: فتاة رائعة الجمال، رائعة الشباب، ودفعته دفعًا إلى طلب يدها.. وأقدم على ذلك كعاشق صغير. ومن شرفة بيته المطلة على نافذتها، ناداها، وقال لها: “لقد قررنا أن أتزوج”. ونادت الفتاة أمها وأخبرتها بالأمر، وهي حائرة، هل عليها أن تقبل أم عليها أن ترفض؟!. وتلفتت إلى أمها ببراءة تسأل: ماذا عليّ أن أقول يا أمي؟ وأجابت الأم من دون تردد.. أنت موافقة طبعًا يا بيليزا.. ذلك أن العريس دوق برلمبلين لا يمكن رفض عرضه، فهو غني، والغنى يصنع الجمال، وعندما يتوافر الجمال في المرأة يتوافر حب الرجال لها وتبقى مرغوبة. وهكذا حدد يوم الزفاف. وفي صباح ليلة العرس استيقظ العريس فوجد خمسة سلالم من الحبال مربوطة إلى شرفته، وتحتها عند حافة الشارع خمس قبعات، تقدم انحناءات التبجيل والاحترام لسيدة المنزل، الفتاة التي يشبه جسدها قطعة السكر.
ولم يكن الأمر بحاجة إلى مزيد شرح وتفسير، فالعريس عجوز والفتاة رائعة الجمال، رائعة الصِّبا، تحن إلى العضلات القوية، وإلى الشباب الذي يفهمها، ويمنحها الحب الذي تريد. وفهم برلمبلين موقفه من فتاته: إنه يحبها، وهي على استعداد لأن تعترف به زوجًا، ولكن قلبها لا يستطيع أن يكون سجين هذا القفص. رضي العجوز بذلك ولكن بدأ يستيقظ على شيء في داخله.. إنه الحب لهذه المرأة التي عرف من خلالها النساء. وقرر أن يدخل معها لعبة بسيطة.. أخذ يرتدي وشاحًا خمري اللون، ويمر من تحت شرفة منزله مخفيًّا نفسه جيدًا، ويبادلها بعض الإشارات، وكأنه شاب عاشق أذلّه الهوى.. وأخذ قلبها يتعلق به من بين الشباب الذين تعرفهم.. ويومًا بعد يوم ازدادت له اشتياقًا، وحبذت أن تراه.. ولكنه كان لا يزيد على تلك الإشارات العابرة. وأرسل لها بعض رسائل الغرام،التي تختلف عن غيرها من رسائل العشاق، ولذلك اشتدت حبًا له وتعلقًا به. قال لها في رسالة: ما عساي أفعل بروحك.. الروح ميراث الضعفاء، والأبطال المقعدين، والناس الممروضين.. الأرواح الجميلة تقبع عند باب الموت، تتكئ على أكثر الرؤوس بياضًا، وأكثر السواعد نحولًا. بيليزا، ليس روحك ما أشتهي، ولكن جسدك الأبيض المرتعش.”.. وضرب لها موعدًا في حديقة منزل زوجها. ومن بين الأشجار أطل عليها بردائه المخمل، وكلمها عن بعد، ثم اختفى. ركضت نحوه إلا أن حركة من جهة المنزل منعتها من اللحاق به.. وناداها زوجها برلمبلين وسألها عما تفعله الآن في الحديقة.. ولم تستطع إلا أن تصارحه بأنها تنتظر ذلك الشاب الذي تبعه قلبها، من بين الشباب، ولا يلتقي بها أبدًا، وكان يعرف من هو ذلك الشاب، فسل خنجرًا كغصن من زمرد وقال لها: سوف أذبح ذلك الحبيب الذي لك.. ولم يستمع إلى رجائها وتوسلاتها، وبعد لحظات تقدم من بين الأشجار ذلك الجسد الذي تهواه، ملفوفًا بوشاحه الخمري، وارتمى بين يديها دماء تنزف. وعندما كشفت عن وجهه الوشاح وجدت نفسها أمام برلمبلين.!! لقد قتل نفسه، وطلب منها أن تقبله، لأنه انتهى الآن. كان هو الروح وهي الجسد، وقد ذهبت روحه، ولم يبق إلا أمل بأن تقبل هي ذلك الجسد، الذي كانت تمنحه على البعد، روح وفتوة الشاب الذي عشقته. وتقبل بيليزا ذلك الجسد الذي تفيض منه الروح، ولكنها تصر على أن تسأل باستمرار: من هو ذلك الشاب الذي كان يسير تحت شرفتها بوشاح مخملي خمري اللون؟! أما برلمبلين فقد سال دمه على تراب الحديقة، بين يدي الجسد الذي أحبه، وبقيت روحه تسمع بحسرة أناشيد الشباب في الليل، وهي تقول:
“على ضفاف النهر
توقف الليل العابر ليغتسل
وعلى نهدي بيليزا
تذبل الزهور من غرامها.”.
إن لوركا في هذه المسرحية، الفياضة بالشاعرية، والرقة، والحنان.. التي يحتضنها الفكر العميق بين ذراعيه برقة وإعجاب.. يقدم أنموذجًا ممتازًا لما أراد أن يعبر عنه فاليري بيتروف في مسرحية طويلة جدًا ولم يفلح.
صوّر لوركا شهوة الجسد، وتأثير الجمال والصِّبا في القلوب، وتلهفات الروح التي قد لا تراعي إمكانات الجسد وحدود الممكن والمعقول، وقيود العمر، وقدرة النظام الجسماني على الاحتمال.. وأعطى مثالًا حيًا نلمس نبضه، وتنبعث فينا حرارته، ونحن نطوف بين تلك الصفحات القليلة، والمشاهد الأربعة التي تتكون منها مسرحيته الرقيقة غرام برلمبلين وبيليزا في الحديقة.
وفي مسرحية “يرما”، يصور لوركا العقم، وأثره في نفسية المرأة، وتأثيره على الحياة الزوجية بصورة عامة. حوادث مسرحية يرما بسيطة كما هي الحال في سائر مسرحيات لوركا. يرما امرأة عاقر تعيش مع زوجها الذي لا يعيرها كثير اهتمام، دمه بارد وتدفق الحياة في جسمها قوي غزير.. تريد طفلًا وهو لا يملك أن يعطيها هذا الطفل، وفاقد الشيء لا يعطيه. تتضرع وتتوسل وتدور، فلا تجد وسيلة للحصول على طفل. وترشدها عجوز إلى درب الخيانة، إذا كانت تريد أن يكون لها طفل. وتأبى يرما، حرصًا على شرفها. ويكون زوجها يسترق السمع إلى حديثها مع العجوز- وكان قبل ذلك يشك بسلوك زوجته- ويجعله هذا الموقف يلمس من امرأته، حفاظها على شرفها وصيانتها لكرامة زوجها، ويعلم، في الوقت ذاته، مقدار ما تعاني من أجل أن يكون لها ولد.
وعندما تنفرد يرما بزوجها، تخاطبه بتوسل ممزوج بالكراهية: إنني أريد طفلًا، فيقول لها: لا.. وإنني أرضى بك كما أنت عقيمة، وأنا راض بعقمي. ولكن يرما لا تريد أن تكون شجرة جرداء، وعالة على الحياة، ومحرومة من الأمل والظل. وهنا يستبد بها الحقدُ على من قتل روح الخصب فيها، وعطّل إمكانيات العطاء لديها.. فتُنشب يديها في عنقه حتى يموت. وعندما ينتهي تقول يرما: لقد قتلت طفلي بيدي.

إلى الأعلى