الجمعة 26 مايو 2017 م - ٢٩ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / هولاند وحديثه الجزافي عن الحرب

هولاند وحديثه الجزافي عن الحرب

” إن التاريخ يعج بالمفارقات، ولكن هذه المفارقة من الصعب تخيلها، ولنتذكر رفض الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك المشاركة في حملة “الحرب على الإرهاب” العالمية وقت غزو العراق. فنأي شيراك عن المشاركة أنقذ فرنسا من التورط في جرائم التعذيب والخروج على القانون التي لوثت السمعة العالمية للولايات المتحدة وبريطانيا.”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
بدعوته لشن حرب على تنظيم داعش يقحم الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند نفسه في مقامرة نتائجها عكسية على نحو كارثي ، إذ بموجب القانون الدولي فإن “الحرب” لا توجد فقط إلا بين دولتين ذواتي سيادة ، وهولاند بذلك يمنح بتهور تنظيم داعش ما يتمناه بالضبط ، أي الاعتراف القانوني.
هذه الخطوة لا تمثل فقط هزيمة شديدة للغرب في حرب الأفكار، ولكنها أيضا لها آثار عملية عاجلة. ذلك أنه لو نجحت فرنسا في الإمساك بالإرهابيين فهل يتعين عليها أن تعاملهم كأسرى حرب ، يستحقون كل الحقوق التي تكفلها معاهدة جنيف؟
بالضبط نفس السؤال الذي واجهته الولايات المتحدة في جوانتانامو. ولكي تلتف على معاهدة جنيف، أطلقت إدارة بوش وصف “محاربين غير شرعيين” على نزلاء المعتقل طالما أنهم لم يكونوا محاربين نظاميين. فهل ستبني فرنسا “منطقة خارج القانون” مماثلة عند تعاملها مع الإرهابيين ، وتتصرف على نحو غير قانوني بينما هي تدين تنظيم داعش لعدم قانونيته؟
إن التاريخ يعج بالمفارقات، ولكن هذه المفارقة من الصعب تخيلها، ولنتذكر رفض الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك المشاركة في حملة “الحرب على الإرهاب” العالمية وقت غزو العراق. فنأي شيراك عن المشاركة أنقذ فرنسا من التورط في جرائم التعذيب والخروج على القانون التي لوثت السمعة العالمية للولايات المتحدة وبريطانيا.
بدلا من أن يحذو حذو سلفه شيراك، يصادق هولاند الآن على حديث حرب غير تمييزية في وقت يسعى فيه الرئيس الأميركي باراك أوباما ورئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون للتخلص بحذر من الإرث التي تركه جورج بوش وتوني بلير.
الأسوأ من ذلك أنه من الأرجح أن يخسر الغرب “الحرب” التي يريدها هولاند على ما يبدو، فبعد الهزائم العسكرية في أفغانستان والعراق لن يؤيد الشعبان الأميركي والبريطاني غزوا بريا آخر كبيرا في الشرق الأوسط ، ويتمتع باراك أوباما بتأييد واسع لتصريحه الأخير الذي قال فيه انه لا نية للقيام بمثل هذ الغزو.
إن الحرب لا يمكن كسبها من دون قوات غربية على الأرض، وفي النهاية حاولت إدارة أوباما بالفعل وفشلت في جسر الهوة عن طريق تمويل تطوير قوى برية عربية معتدلة قوية، ففي الشهر الماضي تخلت الإدارة عن مبادرة قيمتها نصف مليار دولار بعدما وجدت أنها لم تسفر إلا عن حفنة جنود جاهزين للحرب بينما سمحت لتنظيم داعش بالحصول على أسلحة أميركية متطورة عن طريق صفقات فاسدة مع زعماء “معتدلين”.
علاوة على ما سبق فإن حديث هولاند عن الحرب غير ضروري بالمرة للتحرك الحاسم، فالدستور الفرنسي يخول الرئيس ممارسة سلطات استثنائية إذا ما تعرضت مؤسسات الدولة لخطر كبير ووشيك، بما في ذلك اتخاذ إجراءات ردع وقائية ساحقة، وهولاند يقترح تعديلا رسميا يجعل من السهل استدعاء هذا البند، وفي تلك الأثناء استطاع إقناع المجلس التشريعي بتمرير قانون يمنحه سلطات مؤقتة.
بدلا من الضرب في الخارج من الأجدى اتخاذ إجراءات صارمة في الداخل.
فالحروب مفتوحة النهايات، فما أن تبدأ يصعب على المواطنين التحكم في تحركات حكوماتهم، وعلى العكس من ذلك فإن ما يمنحه الدستور الفرنسي من سلطات طارئة محدود ويستمر 60 يوما فقط، وعند هذه النقطة على الرئيس أن يقنع المجلس الدستوري الفرنسي بأن الخطر لايزال وشيكا، وحتى لو نجح فإن المجلس ملزم بكبح الرئيس في أي لحظة إذا رأى أن الخطر عادة إلى مستوياته الطبيعية.
هذه البنود الخاصة بانقضاء المدة تسمح لفرنسا بالتمييز بين الردود السريعة وطويلة المدى على المآسي الإرهابية، ففي المدى القريب قد تصبح الإجراءات الصارمة – الخالية من التعذيب- معقولة جدا لضرب الشبكات التي نجحت في التهرب من الأجهزة الأمنية، أما في المدى البعيد فإن هذه البنود تمنع الإجراءات الطارئة من بناء قوة مؤسسية دافعة من حد تلقاء نفسها.
من دون هذه الضمانات قد تشعر الأجهزة الأمنية بالجرأة لتحويل حالة الطوارئ إلى وضع طبيعي جديد ، وقد تطالب بإجراءات أشد قسوة عندما تفشل الحالة الطبيعية الجديدة في منع هجوم إرهابي جديد.
يتوجب الحفاظ على هذه الضمانات عندما يدرس البرلمان خطة هولاند لتعديل الدستور، وعلى البرلمان أن يصر على بنود زوال المدة لضمان استمرار التراث الفرنسي الكبير من الحريات المدنية، وعليه ألا يسمح للذعر المنتشر أن ينشيء نظاما يهدد بمرور الوقت بتدمير الإصلاحات الأساسية التي تميز الغرب عن منافسيه الأيديولوجيين.

بروس اكرمان
أستاذ القانون والعلوم السياسية
بجامعة ييل وكاتب بصحيفة لوس انجلوس تايمز خدم ام سي تي – خاص بالوطن

إلى الأعلى