الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / أنساق التربية والتنشئة في مجتمعاتنا

أنساق التربية والتنشئة في مجتمعاتنا

أ.د. محمد الدعمي

” .. يفتح الصغار أعينهم، فتيان وفتيات، فلا يجدون أمامهم سوى طريق ضيقة تحف بها “المضارب التقويمية والتصحيحية”، كيما تقطع الطريق بكل حذر ودقة بين حدين، هما: أولاً، “العيب”، وثانياً، “الحرام”، درجة اختلاط المفهومين لدى الآباء والأمهات، وكذلك لدى الأبناء، لأسباب غير مدروسة ولا عقلانية. وهكذا يبقى الأبناء يسيرون على هذه الطريق تحت أعباء “المعيبات” و “المحرمات”،”
ــــــــــــــــــــــــــــــ
للمرء أن يعترف بأنه قد ارتكب أخطاءً كثيرة وكبيرة في تنشئة وتربية ابنائه، وله أن ينحي بلائمة ذلك على ما نشأ هو عليه، وعلى ما رآه يجري حوله من سياقات تربية وتنشئة غير سليمة في مجتمعاتنا المتشبثة بالمحافظة درجة الإساءة لأبنائها ونشئها دون أن تعي ذلك، للأسف.
أقول هذا، وأستذكر قصة رجل عراقي اصطحب زوجته الشابة وأولاده الصغار معه عندما تم ابتعاثه الى إحدى الدول الغربية لإكمال دراساته العالية في ستينيات القرن الزائل، حيث تفاجأ صاحبنا ذات مرة بأن طرقت جارته الأجنبية باب شقته لتسأله عن معنى لفظ “عيب” العربي، باللغة الإنجليزية. ويبدو أن صاحبنا راح يتلعثم لعجزه عن الاتيان بمكافيء لفظي لكلمة ‘ayb’ العربية، كي يساعد جارته التي التقطت هذه الكلمة مما سمعته يتكرر طوال أشهر جيرتها لهذه الأسرة العراقية هناك. قالت له أنها سمعت هذه الكلمة تتكرر عشرات المرات بصوت عال وبلهجة نهر وعصبية توجه لأبنائه الصغار من الأب والأم، لذا قررت أن تسأل عن معنى الكلمة!
وهنا يمكن للمرء أن يستذكر السياقات التي اعتمدت في تربيته شخصياً من منزل الأهل منذ نعومة أظفاره، إذا كانت سياقات التربية العائلية لا تتجاوز “اللواجم”
و “الكوابت” حتى درجة “البواتر” من بين سواها من العقوبات التعنيفية والعنيفة أحياناً، حتى اضحينا ونشأنا وقد حجمت شخصياتنا وآفاقنا وأحلامنا بأعباء الخوف والحذر والقلق من أن نقدم على شيء خطأ ونتفوه بلفظ غير مؤدب أو لفظ خادش للحياء.
إن المعنى النهائي لما أذهب اليه في أعلاه هو أن سياقات تنشئتنا وتربيتنا المنزلية، ثم المدرسية من بعدها، إنما هي سياقات قسرية لاجمة تتأسس على الضغط على حرية التفكير وحرية الحركة بشكل دائم درجة صناعة “البارانويات” و “تسويقها” ونشرها على نطاق مجتمعي واسع، كي تغدو من أنماط “الرهابات” التي تغرس في دواخل النشء حتى إحالتهم الى ضحايا مجتمع أدمن طرائق تربية متوارثة، قد تضرب بجذورها في جاهليات وعصبيات العصر الوسيط، للأسف.
يفتح الصغار أعينهم، فتيان وفتيات، فلا يجدون أمامهم سوى طريق ضيقة تحف بها “المضارب التقويمية والتصحيحية”، كيما تقطع الطريق بكل حذر ودقة بين حدين، هما: أولاً، “العيب”، وثانياً، “الحرام”، درجة اختلاط المفهومين لدى الآباء والأمهات، وكذلك لدى الأبناء، لأسباب غير مدروسة ولا عقلانية. وهكذا يبقى الأبناء يسيرون على هذه الطريق تحت أعباء “المعيبات” و “المحرمات”، حتى تصقل شخصياتهم وتأملاتهم وآليات تفكيرهم بقوى الخوف والخشية والقلق من الإقدام على ما يعيب عليهم شخصياتهم وشخصيات هؤلاء الذين اضطلعوا بتربيتهم، فساقوا أسماءهم وأسماء أسرهم على أسماء ضحاياهم من الأبناء والبنات، توارثاً. هنا تكون أعباء الطفل أو الشاب مضاعفة، خشية الإساءة الى والديه وسمعتهم، بدليل أن “من خلّف لم يمت!”. وهو أو هي لا تريد أن يساء الى ذكر الوالدين!
وعندما تتداخل في عقل المربي مفاهيم الحرام لتختلط مع مفاهيم “العيب”، تتم عملية هدم وإزالة الجدران بين المعيب (أي غير المستحب أو الممقوت)، وبين المحرم (اي الممنوع جملة وتفصيلاً، دينياً)، ولكم الله، يا أبناءنا في هذه المتاهة.

إلى الأعلى