الإثنين 16 يناير 2017 م - ١٧ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / ليبيا وجوارها

ليبيا وجوارها

أحمد مصطفى

” من المهم هنا التذكير بأن الجزائر أفلتت من كل محاولات “الربيع العربي”، ليس للقبضة الأمنية للنظام ولا لأسباب تتعلق بالتفاف الشعب حوله، ولكن لأن الشعب الجزائري فعلا لا يريد تجربة سنوات التسعينيات الدموية والفوضى التي كادت تهلك البلاد. ثم إن الفورة الشعبوية للإسلاميين مطلع التسعينيات ما لبثت أن خبت، ولا يوجد أي حضور للإخوان في الجزائر ليمكنهم استخدام أجهزة الدولة للوصول إلى السلطة.”
ـــــــــــــــــــــــــــ
يقول العرب “مصائب قوم عند قوم فوائد”، ويقول المثل “رب ضارة نافعة” ونقول إن التوتر الروسي/التركي بعد حادث اسقاط الطائرة الروسية في سوريا وإن ضر بفرص التسوية العاجلة للأزمة السورية إلا أنه أفاد النقطة التالية التي يستهدفها الإرهاب. وإن كان يصعب القول أن هذا التعطيل في حل أزمة سوريا أبعد الخطر تماما عن النقطة التالية، لكنه على الأقل أجل اشتعالها إلى حين. فربما من حيث لا يقصدون، أدى ما فعله الترك إلى إطالة أمد الحرب في سوريا واستفادة داعش والتنظيمات الإرهابية في سوريا ـ ولو بالتفريغ السلبي ـ من تبادل الاتهامات بين الروس والترك حول من يدعم داعش ومن يقصفها. ولا شك ان مسار فيينا للحل في سوريا مرشح للتعقيد أكثر الآن، كما أن أي تكاتف لقتال داعش عن حق (رغم الاستنفار الفرنسي والتصويت البريطاني) لا يبدو مجديا كثيرا الآن.
عودة إذا إلى السؤال الذي ختمنا به مقال الأسبوع الماضي حول: من بعد؟ فمع زيادة التفاؤل حول الحل في سوريا بات التكهن قويا بأن داعش وأخواتها الإرهابيين سيتعرضون لضغوط قوية تدفعهم إلى الخروج من شمال سوريا باتجاه بؤرة أخرى. ومع الأخذ في الاعتبار أن داعش والإرهاب يظهر ويستقوي في النقاط التي لأطراف عدة مصلحة في إشعالها أو تغيير وضعها أو .. أو ..، فالنقاط المرشحة عديدة في المنطقة من اليمن إلى ليبيا. ولعل الإجابة الأرجح على سؤال من التالي هي ببساطة: ليبيا. وبحكم العلاقات بين تركيا وما يجري في ليبيا، وبين دور الإخوان ورغبة الغرب في تنصيبهم فيها تصبح ليبيا المرشح الأقوى. أضف إلى ذلك أن ليبيا كانت لسنوات محطة “ترانزيت” رئيسية للتجنيد للتنظيمات الإرهابية في سوريا، حيث يأتي المغيبون ذهنيا من وقود التطرف من شمال إفريقيا عبر تونس والجزائر، ومن اليمن والخليج عبر السودان، في طريقهم إلى تركيا حيث يدخلون إلى سوريا والعراق.
لكن الأهم بالطبع أن الإرهاب في ليبيا يحقق أهدافا متعددة لأطراف مختلفة. فليبيا في حد ذاتها قد لا تكون بحاجة لمزيد من الإرهاب والإخوان، حتى مع وجود النفط والغاز فيها فليس للطامعين حاجة كبيرة لكل ذلك الحشد الإرهابي/الإخواني في ليبيا للسيطرة على مقدراتها. إنما أهمية جعل ليبيا قاعدة للإرهاب هو جوارها: مصر، تونس والجزائر. ولعل من يديرون الإرهاب بدأوا مبكرا ـ قبل حادث الطائرة الروسية ـ خطوات تهيئة المسرح إذ تكررت العمليات الإرهابية بكثافة في مصر وتونس على السواء. ولم ينتبه كثيرون إلى اعتقال إرهابيين مرتبطين بداعش وتنظيمات إرهابية مماثلة في المغرب قرب الحدود الغربية للجزائر في الأيام الأخيرة، أضف إلى ذلك إلى أن أكثر العمليات الإرهابية في تونس إنما تأتي من الغرب ـ حتى وإن كان مصدرها بوتقة الإرهاب الليبية. قد يرى البعض أن مصر وتونس الأكثر استهدافا بالإرهاب من ليبيا، وأن القوى الراعية والداعمة للإرهاب بغرض تقديم تنظيم الإخوان على أنه “بديل معتدل” وفرضه فرضا على شعوب تلفظه تستهدف البلدين: مصر أولا وتونس ثانيا. وذلك صحيح، لكن الجزائر تعد “درة التاج” لمن يريدون “أخونة” المنطقة ويعود ذلك إلى بداية التسعينيات من القرن الماضي، وكل جهود الاستخبارات الأميركية وغيرها أصبحت منشورة بشكل موثق الآن.
من المهم هنا التذكير بأن الجزائر أفلتت من كل محاولات “الربيع العربي”، ليس للقبضة الأمنية للنظام ولا لأسباب تتعلق بالتفاف الشعب حوله، ولكن لأن الشعب الجزائري فعلا لا يريد تجربة سنوات التسعينات الدموية والفوضى التي كادت تهلك البلاد. ثم إن الفورة الشعبوية للإسلاميين مطلع التسعينيات ما لبثت أن خبت، ولا يوجد أي حضور للإخوان في الجزائر ليمكنهم استخدام أجهزة الدولة للوصول إلى السلطة. فليكن “الإرهاب هو الحل” إذا، والمادة الفعالة موجودة ـ من ليبيا إلى جماعات شمال مالي وغيرها. ومع بدء انقضاء مهمة داعش وأخواتها في سوريا، فليأت “المجاهدون” على طريق العودة الذي سلكوه ذهابا: عبر تركيا إلى ليبيا، لتكون الأخيرة ركيزة انطلاقهم في مهمتهم “المقدسة” لتدمير ما تبقى من دول المنطقة وتسليمها “خرابات” للإخوان (وديدنهم تجارة أنقاض ما ينكسونه في الخلق).
لعل فيما فعله الترك فرصة لمن ينتظر أن يتضرر من الجولة التالية للإرهاب بعد سوريا أن يتحسب ويتخذ ما يمكنه من تدابير للمواجهة ـ القادمة لا محالة. فطالما التنظيم الدولي للإخوان فاعل، ويجد دعما من عواصم غربية وإقليمية، لن يقضي أحد على الإرهاب. بل على العكس، سيظل الإرهاب سواء بجماعاته الحالية من داعش وغيرها أو بجماعات وأسماء جديدة مستمرا ومتصاعدا حتى يحقق من يدعمونه ويديرونه أهدافهم وطالما لم يتصد لهم ـ بجد وقوة ـ من لهم مصلحة حقيقية في القضاء على الإرهاب وليس “المنظرة” بادعاء المكافحة التي تزيد قوة وتوحشا. وإذا كانت البؤرة التالية الأرجح هي ليبيا
( بعد سوريا)، فإن على مصر وتونس والجزائر البدء فورا بتنسيق الجهود واتخاذ الخطوات العملية لمواجهة ما هو قادم.

د.أحمد مصطفى
كاتب صحفي مصري

إلى الأعلى