السبت 21 أكتوبر 2017 م - ١ صفر ١٤٣٩ هـ

الملك (1)

إعداد ـ أم يوسف:
سُميت ‏بهذا ‏الاسم ‏لاحتوائها ‏على ‏أحوال ‏الملك‏‏، ‏سواء ‏كان ‏الكون ‏أم ‏الإنسان ‏، ‏وأن ‏ذلك ‏ملك ‏الله ‏تعالى، ‏وسماها ‏النبي ‏سورة ‏‏(تبارك ‏الذي ‏بيده ‏الملك)‏، ‏وسُميت ‏أيضا ‏تبارك ‏الملك‏‏، ‏وسُميت ‏سورة ‏الملك ‏‏، ‏وأخرج ‏الطبراني ‏عن ‏ابن ‏مسعود ‏قال‏‏: ‏كنا ‏نسميها ‏على ‏عهد ‏رسول ‏الله ‏ ‏المانعة ‏وروى ‏أن ‏اسمها ‏‏(المنجية‏‏)، ‏وتسمى ‏أيضا ‏‏(الواقية) ‏وذكر ‏الرازي ‏أن ‏ابن ‏عباس ‏كان ‏يسميها ‏المجادلة ‏‏لأنها ‏تجادل ‏عن ‏قارئها ‏عند ‏سؤال ‏الملكين‎ وهي مكية من المفصل آياتها (30) ترتيبها السابعة والستون نزلت بعد الطور وتعالج موضوع العقيدة في أصولها الكبرى، وقد تناولت هذه السورة أهدافاً رئيسية ثلاثة وهى: إثبات عظمة الله وقدرته على الإحياء والإماتة، وإقامة الأدلة والبراهين على وحدانية رب العالمين، ثم بيان عاقبة المكذبين الجاحدين للبعث والنشور.
روى الترمذي عن ابن عباس قال: ضرب رجل من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) خباءه على قبر وهو لا يحسب أنه قبر، فإذا قبر إنسان يقرأ سورة (الملك) حتى ختمها، فأتى النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال: يا رسول الله، ضربت خبائي على قبر وأنا لا أحسب أنه قبر، فإذا قبر إنسان يقرأ سورة (الملك) حتى ختمها؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(هي المانعة هي المنجية تنجيه من عذاب القبر)، قال: حديث حسن غريب. وعنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(وددت أن (تبارك الذي بيده الملك) في قلب كل مؤمن) ذكره الثعلبي، وعن أبي هريرة قال: قال النبي (صلى الله عليه وسلم):(إن سورة من كتاب الله ما هي إلا ثلاثون آية شفعت لرجل حتى أخرجته من النار يوم القيامة وأدخلته الجنة وهي سورة (تبارك)، خرّجه الترمذي بمعناه، وقال فيه: حديث حسن. وقال ابن مسعود: إذا وضع الميت في قبره فيؤتى من قبل رجليه، فيقال: ليس لكم عليه سبيل، فإنه كان يقوم بسوره (الملك) على قدميه. ثم يؤتى من قبل رأسه، فيقول لسانه: ليس لكم عليه سبيل، إنه كان يقرأ بي سورة (الملك) ثم قال: هي المانعة من عذاب الله، وهي في التوراة سورة (الملك) من قرأها في ليلة فقد أكثر وأطيب. وروي أن من قرأها كل ليلة لم يضره الفتان.

بسم الله الرحمن الرحيم (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ* الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ)
قوله تعالى:(تَبَارَكَ) تفاعل من البركة وقد تقدم. وقال الحسن: تقدس. وقيل دام. فهو الدائم الذي لا أول لوجوده ولا آخر لدوامه. (الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ) أي: ملك السموات والأرض في الدنيا والآخرة. وقال ابن عباس: بيده الملك يعز من يشاء ويذل من يشاء، ويحيي ويميت، ويغني ويفقر، ويعطي ويمنع. وقال محمد بن إسحاق: له ملك النبوة التي أعز بها من اتبعه وذل بها من خالفه.(وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) من إنعام وانتقام.قوله تعالى:(الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) فيه مسألتان: الأولى، قوله تعالى:(الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ) قيل: المعنى خلقكم للموت والحياة، يعني: للموت في الدنيا والحياة في الآخرة وقدم الموت على الحياة لأن الموت إلى القهر أقرب، كما قدم البنات على البنين فقال:(يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً)، وقيل: قدمه لأنه أقدم لأن الأشياء في الابتداء كانت في حكم الموت كالنطفة والتراب ونحوه. وقال قتادة: كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول:(إن الله تعالى أذل بني آدم بالموت وجعل الدنيا دار حياة ثم دار موت وجعل الآخرة دار جزاء ثم دار بقاء)، وعن أبي الدرداء أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:(لولا ثلاث ما طأطأ ابن آدم رأسه الفقر والمرض والموت وإنه مع ذلك لو ثاب).
والمسألة الثانية، (الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ) قدم الموت على الحياة، لأن أقوى الناس داعيا إلى العمل من نصب موته بين عينيه، فقدم لأنه فيما يرجع إلى الغرض المسوق له الآية أهم قال العلماء: الموت ليس بعدم محض ولا فناء صرف، وإنما هو انقطاع تعلق الروح بالبدن ومفارقته ، وحيلولة ببنهما، وتبدل حال وانتقال من دار إلى دار. والحياة عكس ذلك، وحكي عن ابن عباس والكلبي ومقاتل: أن الموت والحياة جسمان ، فجعل الموت في هيئة كبش لا يمر بشيء ولا يجد ريحه إلا مات، وخلق الحياة على صورة فرس أنثى بلقاء ـ وهي التي كان جبريل والأنبياء عليهم السلام يركبونها ـ خطوتها مد البصر، فوق الحمار ودون البغل، لا تمر بشيء يجد ريحها إلا حيي ، ولا تطأ على شيء إلا حيي. وهي التي أخذ السامري من أثرها فألقاه على العجل فحيي. حكاه الثعلبي والقشيري عن ابن عباس. والماوردي معناه عن مقاتل والكلبي.
قلت: وفي التنزيل:(قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ)،(وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ)، ثم (تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا)، ثم قال:(اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا)، فالوسائط ملائكة مكرمون ـ صلوات الله عليهم ـ وهو سبحانه المميت على الحقيقة، وإنما يمثل الموت بالكبش في الآخرة ويذبح على الصراط ـ حسب ما ورد به الخبر الصحيح.
وما ذكر عن ابن عباس يحتاج إلى خبر صحيح يقطع العذر. والله أعلم، وعن مقاتل أيضا: خلق الموت يعني: النطفة والعلقة والمضغة، وخلق الحياة يعني: خلق إنساناً ونفخ فيه الروح فصار إنساناً.
قلت: وهذا قول حسن، يدل عليه قوله تعالى:(لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) وتقدم الكلام فيه في سورة (الكهف). وقال السدي في قوله تعالى:(الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) أي أكثركم للموت ذكرا وأحسن استعدادا، ومنه أشد خوفا وحذرا. وقال ابن عمر: تلا النبي (صلى الله عليه وسلم):(تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ .. حتى بلغ: أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) فقال:(أورع عن محارم الله وأسرع في طاعة الله)، وقيل: معنى (لِيَبْلُوَكُمْ) أي: ليعاملكم معاملة المختبر أي: ليبلوا العبد بموت من يعز عليه ليبين صبره، وبالحياة ليبين شكره. وقيل: خلق الله الموت للبعث والجزاء ، وخلق الحياة للابتلاء. فاللام في (ليبلوكم) تتعلق بخلق الحياة لا بخلق الموت، ذكره الزجاج. وقال الفراء والزجاج أيضا: لم تقع البلوى على (أَيِّ) لأن فيما بين البلوى و(أَيِّ) إضمار فعل، كما تقول: بلوتكم لأنظر أيكم أطوع. ومثله قوله تعالى:(سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ) أي: سلهم ثم انظر أيهم، فـ(أَيُّكُمْ) رفع بالابتداء و(أَحْسَنُ) خبره. والمعنى: ليبلوكم فيعلم أو فينظر أيكم أحسن عملا (وَهُوَ الْعَزِيزُ) في انتقامه ممن عصاه، (الْغَفُورُ) لمن تاب. والله أعلم .. يتبع بمشيئة الله.
* المصدر:(تفسير القرطبي)

إلى الأعلى