السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / (من تواضع لله رفعه)

(من تواضع لله رفعه)

إعداد ـ علي بن عوض الشيباني:
أيها القراء الأعزاء:
خلق الإنسان من تراب وإلى التراب يعود فهو تراب يمشي فوق تراب، إذا تواضع لعظمة ربه رفعه الله إلي أعلي عليين، وإذا تكبر واستعلي تردي إلي أسفل سافلين، ولا كرامة لعبد عند الله إلا إذا لبس ثوب الطاعة.
من ازداد إيماناً وعلماً ويقيناً ازداد تواضعاً لله وانكساراً، والتواضع صفة يحبها الله في عبده المؤمن الصادق الذي يعرف كيف كانت بدايته: كان نطفة من ماء مهين ثم صار علقة فمضغة فعظاماً فكسى الله العظام لحماً وأخرجه إلي الدنيا سميعاً بصيراً عاقلاً مدركاً وسواه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين.
وبعد رحلة الحياة سيعود إلى الأرض (منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى)، وعند مغادرة الحياة في لحظة والله قادمة سيرى الحياة كلها سراباً وخداعاً، ومن هنا فلا يتكبر علي أحد من خلق الله، لأنه لا يدري أينا مقبول عند الله، (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً).
ما الذي يريده الناس من دنياهم؟ يريدون الغنى يريدون العزة يريدون الرفعة؟ أين المفاتيح لهذا كله؟ المفاتيح هنا في يد نبينا (صلى الله عليه وسلم) القائل فيما رواه مسلم وأحمد والترمذي عن أبي هريرة (رضي الله عنه):(ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزًا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله).
التواضع ليس مظهرا يراه الناس فهذه صورته أما حقيقته فتبدأ من القلب، انكسار القلب لله حينما يري الإنسان أنه في ملك الله لا شيء ، جاء إلي الحياة والأرض هي الأرض والسماء هي السماء والجبال هي الجبال والنجوم هي النجوم، وسيخرج من الحياة وما تغير فيها شيء إنما هو عابر سبيل مرتحل، إقامته علي الأرض محدودة مؤقتة وليست إقامة مؤبدة (ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلي حين).
والتواضع هو خفض جناح الذل والرحمة لعباد الله فلا يحقر من خلق الله أحداً، فرب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لا يؤبه له لو أقسم علي الله لأبره، أخرج الحاكم في المستدرك عن أبي مسعود (رضي الله عنه) أن رجلاً كلم النبي (صلى الله عليه وسلم) يوم الفتح فأخذته الرعدة ـ أي الهيبة من النبي (صلى الله عليه وسلم) ـ ، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم):(هون عليك فإنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد) هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. بل وأخبر أصحابه أنه رعي الغنم في مكة.
روى البخاري عن أبي هريرة (رضي الله عنه) عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:(ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم)، فقال أصحابه: وأنت؟ فقال:(نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة)، وعمل الأنبياء في رعي الغنم فيه حكم عجيبة، فالراعي يتميز بأربع صفات يحتاج إليها القائد المربي الذي سيربي أمة بمنهج الله:
1- الرحمة: فيسوقها برفق ولا يتعجلها حتي لا يحطم بعضها بعضاً.
2- الصبر: حتى تأخذ حظها من مرعاها.
3- التواضع: فترى الراعي يحمل العرجاء والضعيفة والصغيرة التي لا تقوى علي المسير.
4- حسن الرعاية: فيتخير لها مواطن العشب والكلأ.
من التواضع قبول الحق ممن يحب وممن يبغض، يقول عمر بن عبد العزيز: ليس بيني وبين الحق عداوة، أخرج أبو نعيم في فضائل الصحابة وقال ابن كثير سنده صحيح: عن جبير بن نفير أن نفرا قالوا لعمر بن الخطاب (رضي الله عنه): والله! ما رأينا رجلا أقضى بالقسط ولا أقول بالحق ولا أشد على المنافقين منك يا أمير المؤمنين! فأنت خير الناس بعد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فقال عوف بن مالك (رضي الله عنه): كذبتم والله! لقد رأينا خيرا منه بعد النبي (صلى الله عليه وسلم)، فقال: من هو يا عوف؟ فقال: أبو بكر (رضي الله عنه)، فقال عمر: صدق عوف وكذبتم، والله ! لقد كان أبو بكر أطيب من ريح المسك وأنا أضل من بعير أهلي. لم يفرح بكلمة باطل خرجت من مجامل بل رد الحق لأهله تواضعا منه ولم ينقص ذلك من قدره بل رفع والله من قدره.
يقول الأحنف بن قيس كنا مع عمر (رضي الله عنه) فلقيه رجل فقال: يا أمير المؤمنين! انطلق معي فأعدني على فلان فإنه قد ظلمني، فرفع الدرة فخفق بها رأسه وقال: تدعون أمير المؤمنين وهو معرض لكم حتى إذا شغل في أمر من أمر المسلمين أتيتموه أعدني أعدني، فانصرف الرجل وهو يتذمر أي يجترئ عليه ويرفع صوته في عتابه. فقال: علي الرجل، فألقى إليه المخفقة ـ الدرة ـ فقال: امتثل، فقال: لا والله ولكن أدعها لله ولك! قال: ليس هكذا، إما أن تدعها لله إرادة ما عنده أو تدعها لي فأعلم ذلك، قال: أدعها لله، قال: فانصرف ثم مضى حتى دخل منزله ونحن معه فافتتح الصلاة فصلى ركعتين وجلس فقال: يا ابن الخطاب! كنت وضيعا فرفعك الله، وكنت ضالا فهداك الله، وكنت ذليلا فأعزك الله، ثم حملك على رقاب المسلمين فجاءك رجل يستعديك فضربته! ما تقول لربك غدا إذا أتيته؟ قال: فجعل يعاتب نفسه في ذلك معاتبة ظننا أنه من خير أهل الأرض.
إذا فعلت ذنبا فافعل كما فعل عمر، اخل بنفسك واذرف دمعك بين يدي ربك وقل كما قال الخليفة الراشد: ماذا تقول لربك غدا إذا أتيته؟ ماذا نقول لربنا غداً إذا وقفنا بين يديه؟.
يا من أعطاه الله من عدم وفقر وفاقة لا تنس الماضي: كيف كنت وكيف أصبحت؟ وسل نفسك من أعطاك ولو شاء لسلب منك ما أعطاك؟ فالحياة كلها أغيار، كم من ذليل عز وكم من عزيز أصبح ذليلاً؟ كم من غني صار فقيرا وكم من فقير صار غنياً؟ كم من صحيح صار مريضاً وكم من مريض أصبح صحيحا؟ (يا أيها الناس أنتم الفقراء إلي الله والله هو الغني الحميد).
أحق من تواضعنا لهما بعد الله هما الوالدين، ومن توقير الولد لأبيه ألا يناديه باسمه تبجيلا واحتراما ولا يجلس قبله ولا يرفع عليه صوته، وأنْ لاَ يرفَعَ بصرَهُ إلي والديه خضوعًا وتواضعًا لهمَا، وأن لا يرفعَ صوتَهُ عليهِمَا برَّا بهما وإحسانا إليهما (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً)، وقالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) فِي التواضعِ للأمِّ:(الْزَمْ رِجْلَهَا فَثَمَّ الْجَنَّةُ) ـ رواه ابن ماجه.
لقدْ ضربَ لنَا الصالحونَ أروعَ الأمثلةِ فِي التواضعِ معَ الوالدينِ فمنْهُمْ مَنْ لَمْ يأكلْ معَهُمَا خشيةَ أنْ تسبقَ يدُهُ إلَى طعامٍ يشتهيانِهِ ومنهُمْ مَنْ لَمْ يرفَعْ بصرَهُ إليهِمَا أبدًا تواضعًا لهمَا، ومنهُمْ مَنْ يُقَبِّلُ رأسَ والديه، ومنهم من يُقَبِّلُ يَدَ والديه ، والرجاء في الله أن تعود هذه الكنوز من الأخلاق إلي الأمة فهذا رصيدها من الخير والبركة والصلة والرحمة، ولا خير في حياة بغير دين ولا خير في مال ومتاع بغير إيمان. قال الحسن ـ رحمه الله: هل تدرون ما التواضع؟ التواضع: أن تخرج من منزلك فلا تلقى مسلماً إلا رأيت له عليك فضلاً.
هل هناك علامات يعرف بها المتواضع في ديننا؟ نعم. إذا لقيت أخاك فابدأه بالسلام وابتسم في وجهه لله تخرج من الكبر وتدخل دائرة التواضع وترضي ربك ويباهي بك ملائكته، يقول لك قائل: أسلم عليه والعين في العين فيدير وجهه ولا يرد سلامي، فاعلم عندها أنه هو الصغير عند الله إن لم يكن له عذر، واعلم أن المتكبر فارغ من الخير، منتفخ علي فراغ وخيبة وخسران: غصن الشجرة إذا كانت فيه ثمرة تراه منحنياً متدلياً، فإذا كثرت الثمار فيه تراه يكاد ينكسر من كثرة ما يحمله ويكاد يصل إلى الأرض، أما الغصن الفارغ فإنك تراه شامخا عاليا وهذا دليل فراغه من كل خير ولا ثمرة فيه، (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)، روي الطبراني وابن أبي الدنيا عن أبي هريرة (رضي الله عنه) عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:(إن أحبكم إلي أحسنكم أخلاقا الموطؤون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون).
تواضع تكن كالنجم لاح لناظر
على صفحات الماء وهو رفيع
ولا تك كالدخان يعلو بنفسـه
إلى طبقات الجو وهو وضيـع

المتكبر كرجل يقف على جبلٍ عالٍ يرى الناس صغاراً ويرونه صغيراً، روي البخاري ومسلم عن أبي هريرة (رضي الله عنه) عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:(بينما رجل يمشي في حلة تعجبه نفسه مرجل جمته إذ خسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة)، قال سفيان بن عيينة: من كانت معصيته في شهوة فارج له التوبة فإن آدم عليه السلام عصى مشتهياً فاستغفر فغفر له، فإذا كانت معصيته من كبر فاخش عليه اللعنة. فإن إبليس عصى مستكبراً فلعن)، روى مسلم عن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(يقول الله عز وجل: الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني في واحد منهما ألقيته في النار).
قال البراء بن عازب (رضي الله عنه): كان النبي (صلى الله عليه وسلم) ينقل التراب يوم الخندق حتى أغبر بطنه يقول:
والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا
ولا صلينـا فأنزلن سـكينة علينـا
إن الأُلى قد بغـوا علينـــا
إذا أرادوا فـــتـنـة أبينـــا
ويرفع بها صوته: (أبينا ، أبينا).
روى مسلم عن حياض بن حمار (رضي الله عنه) عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: (إن الله تعالى أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد) نعم، رحم الله امرئٍ عرف قدر نفسه.
(فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين)، كان الغريب إذا جاء من خارج المدينة يري الصحابة جلوسا والنبي (صلى الله عليه وسلم) بينهم كواحد منهم لا يتميز عليهم فيسأل الرجل: أيكم محمد؟ فيشيرون إليه ويقولون: هذا هو.
وقدْ كانَ (صلى الله عليه وسلم) آيةً فِي الرحمةِ والشفقةِ والتواضعِ، يَأْتِي ضُعَفَاءَ الْمُسْلِمِينَ، وَيَزُورُهُمْ وَيَعُودُ مَرْضَاهُمْ وَيَشْهَدُ جَنَائِزَهُمْ، ومِنْ تواضعِهِ أنَّهُ كانَ يَزُورُ الصحابةَ وَيُسَلِّمُ عَلَى صِبْيَانِهِمْ، وَيَمْسَحُ بِرُءُوسِهِمْ، وفِي بيتِهِ يكونُ فِي مهنة أهلِهِ وكانَ يخصفُ نعلَهُ، ويرقعُ ثوبَهُ ، ويحلبُ الشاةَ، ويقم البيت ، فإذَا حضرَتِ الصلاةُ قامَ إلَى الصلاةِ، ولَمْ يكنْ ينتقِمُ لنفْسِهِ قطْ، ومَا ضربَ امرأةً ولاَ خادمًا، ويأكلُ معَ الخادمِ، ويجالسُ المساكينَ ويمشِي معَ الأرملَةِ واليتيمِ فِي حاجتَيْهِمَا، ويبدأُ مَنْ لَقِيَهُ بالسلامِ.
وتعلم منه أصحابه لين الجانب والتواضع لخلق الله، وهذه الأخلاق هي التي جذبت قلوب الناس إلي الإسلام فدخلوا في دين الله أفواجا، كان عمر (رضي الله عنه) يسير مع بعض أصحابه, فلقيته امرأة من قريش وكان واضعا يده على كتف صاحبه فقالت له يا عمر: فوقف لها، قالت: كنا نعرفك مدة عميراً ثم صرت من بعد عمير عمر ثم صرت من بعد عمر أمير المؤمنين، فاتق الله يا ابن الخطاب وانظر في أمور الناس ، فإنه من خاف الوعيد قرب عليه البعيد ، ومن خاف الموت خشي الفوت، فقال صاحبه: يا أمة الله لقد أبكيت أمير المؤمنين. فقال عمر له: اسكت! أتدري من هذه؟ هذه خولة بنت حكيم التي سمع الله قولها من سمائه فقال:(قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير)، فعمر أحرى أن يسمع قولها ويقتدي به.
إن الماء إذا نزل لا يستقر علي قمم الجبال وإنما ينزل منها إلي السهول والوديان، وكذلك الرحمة تنتقل من قلوب المتكبرين إلي قلوب المتواضعين.
نسأل الله جل جلاله أن يجعلنا من المتواضعين ومن عباده الصالحين.

إلى الأعلى