الثلاثاء 17 يناير 2017 م - ١٨ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / قضايا / بعض من تاريخنا الإسلامي: آثار إسلامية تصان كي لا يتمكن منها الإرهاب
بعض من تاريخنا الإسلامي: آثار إسلامية تصان كي لا يتمكن منها الإرهاب

بعض من تاريخنا الإسلامي: آثار إسلامية تصان كي لا يتمكن منها الإرهاب

زهير ماجد

مقدمة:
بيني وبين الأثر الإسلامي حب قديم توجته باكثر من عمل تلفزيوني بدأ ببرنامج ” الاثار والفنون الاسلامية ” وانتهى ببرنامج ” شمس الاسلام ” بحلقاته التسعين تقريبا .. فزت خلالها بالتنقل بين المدن والعواصم والارياف والمناطق التي ترك فيها المسلمون آثارا قيمة وعظيمة نفخر بكونها تنتمي إلى تلك السنين المضيئة في الوقت الذي كان فيه العالم غارقا في الجهالة والعتمة. اما خوفي فإن تصل اليه ايدي ” داعش ” ليقوم بتدميره كما فعل مع غيره من الآثار .. لذلك لابد من تاريخ ذلك بالكلام المباح خوفا عليه.
ـــــــــ
اليوم لفت نظري كتاب حمل عنوان ” أوروبا الاسلامية”، من خلال قراءتي له ارتبط بذاكرتي بكتاب مثيل له ترك اثرا عميقا عند قراءته منذ سنوات طويلة وهو ” شمس العرب تسطع على الغرب ” للمؤلفة الالمانية زيغريد هونكة، وكان هذا الكتاب قد ترك حوارا موسعا بين الكتاب والمثقفين الغربيين تحديدا، منهم من هاجمه لأنه لم يكن معجبا بالثناء على الحضارة الاسلامية، ومنهم من انضم الى الكاتبة مؤيدا ومؤازرا على عملها .. وقد اظهرت الكاتبة بل ابرزت جل النقاط الحساسة التي استفاد منها الغرب من الحضارة العربية الاسلامية.. وكم اتمنى لو ان يقرأ اهل الغرب الذين يعانون اليوم من التكفيريين الارهابيين هذين الكتابين ، كي يعرفوا الاسلام على حقيقته وبانه ابن حضارة عظيمة شامخة وانهم يدينون له بما توصل اليه من علم وقيم فكرية تركت اثرها فيهم .. وليس الاسلام بالتالي هؤلاء البرابرة الجددد الذين هم أكثر اساءة له ولمفهومه العظيم.
في كتاب ” أوروبا الاسلامية ” اضاءة على محطة مهمة من التاريخ الطويل للاسلام، وهي منطقة الاندلس تحديدا، مؤلفه مستشرق اسباني وعالم كبير من العلماء المعروفين في فهم حضارة المسلمين في اسبانيا تحديدا وهو بيدرو مارتينيث .. وكلنا يعرف معنى الاندلس في تاريخنا الاسلامي والقيمة المعنوية والمادية التي اسستها تلك البلاد والزمن الذي عاشته الذي وصل الى حدود ثمانمائة عام تقريبا، شع فيها اسماء بلدان كانت مثلا قرطبة جوهرة العالم في حينه ومحطة الانسنة الوحيدة بين مدن العالم، دون ان ننسى مدنا اخرى كغرناطة وملقة وسرقسطة واشبيلية وغيرها.
ولأن هذا التاريخ مازال مفتوحا على الهواء وخاضعا للنقاش المستمر، فهو قضية مستمرة لن تنتهي أبدا، ومآلها كيف انتهت حضارة المسلمين في الاندلس بعد كل تلك السنين من التواجد الخصب والمؤثر في حضارة البشرية جمعاء، قد تكون الاسباب كثيرة، لكن ابرزها الصراع الداخلي بين ملوك طوائفها وتحالفات البعض مع العدو، كما يحصل اليوم تماما، مما ادى الى ضعف القدرة الدفاعية والقتالية ومن ثم اندحار المسلمين بهذه الطريقة .. والغريب انه في لحظة سقوط مدينة غرناطة عام 1492، وفي العام ذاته بالضبط كان كريستوف كولمبوس يكتشف اميركا. هل هي مصادفة، ام هي لعبة التوازن غير المباشرة.
لاشك ان الهزيمة التي تلقاها المسلمون في اسبانيا الاسلامية قد تركت الى اليوم تلك الاسئلة التي لن تنتهي .. كيف يتمترس المسلمون كل تلك السنوات الثمانمائة ثم بقدرة قادر يصبحون خارج المكان الذي صنعوه تحفة للبشرية مازال الى اليوم حاضرا بقوة في حياة اسبانيا، واذا كان ملايين السياح الذين يزورون اسبانيا للاطلاع عليها، فالسبب الوحيد الذي يدفعهم وجود الاثر الاسلامي وثباته على ارضها .. فمن اجله كل تلك التظاهرات السياحية في بلد يعيش على السياحة التي لها مدخول بالمليارات من الدولارات. وكلما تذكرنا ماتركه العرب في تلك البلاد، تأكد لنا ان جوهر الموضوع ليس القدرة على اقامة حضارة بل الحفاظ عليها على مر الزمن.
لاشك ان كتاب ” اوروبا الاسلامية ” الذي يحتفل بما قدمته الاندلس وما احتوته وما عاشته يشكل ركنا مهما في الكشف عن هذه المدخرات، وهو وان كان يعتبر بدء تاريخ الاندلس في العام 711 للميلاد فانه ينتهي سنة 1492 بسقوط آخر معاقل المسلمين هناك في مدينة غرناطة .. لعلها انتكاسة كبرى ان يهزم المسلمون بهذه الطريقة وهم من قدموا على المسرح الاندلسي شتى التواريخ المبهرة والاسماء المؤثرة اللامعة من امثال ابن رشد وابن حزم وزرياب لاحقا وغيرهم الكثير.
سأظل اذن متمسكا بفكرتي القائلة بضرورة ان لايظل الخطاب العربي موجها للعرب وحدهم، بل امنيتي ان يتمكن ابناء الغرب من قراءة مدخرات الاسلام ليعرفوا بالتالي القيمة الحقيقية لفضل الاسلام على العالم، والاسلام الصحيح المقصود هو الذي صنع مجد اوروبا ..
اذا كان الكتاب المذكور من سلالة كتاب ” شمس العرب تسطع على الغرب ” ، فان رؤيتي العينية ايضا امدتني باريحية اكتشاف عالم لم اكن اعرف عنه شيئا الا بعد ان زرته وذهبت اليه قاطعا المسافات، فاذا بي امام نظام انساني متكامل يفوق احيانا مانحن عليه اليوم من تقدم وعمران. وانا هنا اوجز باختصار شديد مارأيته بل بعض ماشاهدته وعاينته.
واذ اكتب تجربتي الخاصة في ذلك، فلأن الكتب الملفتة مثل تلك التي مرت معنا، تظل خلفية معلومات وافكار نلجأ اليها كلما اردنا البحث في ميدانها، ولهذا ادين لكتاب الكاتبة الالمانية هونكة لتأثيره القديم ومنحه معلومات ماكان لها ان تكتشف بالهين، كما ادين للكتاب الجديد ” اوروبا الاسلامية ” بانها سلطت الضوء على نتاج اسلامي دخل في الحياة العامة من تفاصيل كثيرة اضافة الى معلوماتها المؤثرة ايضا.
في برنامجي”شمس الاسلام” قررت رحلة الى عشرة اقطار عربية بدأتها ببلاد الشام سوريا ولبنان وفلسطين والاردن، وتتابعت الى مصر فتونس فالمغرب فتركيا فالاندلس، دون ان ننسى انني حصلت على مادة مصورة عن البدايات الاسلامية في كل من الحجاز ونجد التي اصبحت المملكة العربية السعودية .. وكلما تأملت الكعبة المشرفة في مدينة مكة وكذلك المدينة المنورة اضع يدي على قلبي خوفا من ان يصلها الارهاب الداعشي الذي تقوم فكرته الاساسية على الوصول الى المدينتين، ويعتبر ” داعش ” ان لاقيمة لكل وجوده ان لم يتمكن من اعتبار مكة عاصمة له.
ماذا سترى في بلاد الشام وهي الاغنى والاكثر تشويقا لأنها ارتبطت كثيرا بطلائع التأثير الاسلامي، يوم بشر الرسول العربي بدعوته ثم تتابعت فتحا في محيط مكان الدعوة. ارتسمت في تلك البلاد التي انتمي اليها روح جديدة اصّلها فهم جديد للحياة .. وعندما كانت دعوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم قد اصبحت متيسرة في الحياة الاجتماعية لمكة وغيرها، كان لابد من اعلان وجود دين جديد خارج مكانها، ولهذه الفكرة ايضا تأثير على قوى اخرى كانت موجودة وفاعلة وقوية، وكان يصل اليها اخبار ومعلومات عن الدين الجديد الذي سطع في سماء مكة. ولهذا ارسل الرسول اول طلائع الفتح تلك السرية الاستكشافية الى منطقة مؤتة التي تقع اليوم في الاردن، وهنالك جرت معارك بينها وبين عظيم الروم آنذاك هرقل ادت الى استشهاد قادة المسلمين وفي طليعتهم جعفر بن ابي طالب .. كان استشهادهم بمثابة تقديم للعالم عن القوة الجديدة المسلحة بدين وفكر وقيم جديدة وبنظام حياة منه قضية الدفاع عن هذا الدين، ومنه وجود قدرات قتالية .. حين نزور اليوم تلك المنطقة الواقعة في الاردن سنجد اضرحة الشهداء الثلاثة، كما اننا سنجد في الاردن العديد من القلاع الاسلامية او تلك الصليبية التي حولها الاسلام لاحقا الى امكنة تدين له بعدما وضع يده عليها ،وخصوصا في مدينة الكرك، كما نجد بالتالي اضرحة لقيادات مسلمة امثال ابو عبيدة بن الجراح الذي توفي بالطاعون وقد توفي معه اكثر من عشرين الفا من المسلمين آنذاك بالمرض ذاته. نخاف ان تصل اليها ايدي الارهاب الداعشي فتقوم بتدميرها ومحو تاريخ من اهم مكتسبات الاسلام .. ولكننا سنجد في الاردن ايضا، مدينة مهمة منقوشة بالصخر عاش فيها الانباط العرب واليوم تخلد تلك المدينة الهامة والتي تعتبر من المعجزات الخارقة الاوصاف. دون ان ننسى تلك القصور الاموية التي وجدت في الصحراء وكانت على مايبدو مكانا للراحة من عناء السفر يلجأ اليها المتنقل او الجنود المتحركون وغيره.
على مرمى من الأردن وفي منطقة مشتركة مع الاراضي السورية اليوم، صنع البطل العربي المسلم خالد بن الوليد اروع ملحمة قتالية كان لها الفضل الاكبر في تغيير المسارات، وتحقيق نقلة نوعية للاسلام بوضع يده على تلك المنطقة ايذانا بان تتمدد اكثر فاكثر لاحقا / فكانت معركة اليرموك بمثابة الانكسار النهائي للروم وخروجهم من معادلة المنطقة، وهكذا كتب المسلمون تاريخا جديدا للتعريف بهم كقوة صاعدة ناهضة حاملة لدين عظيم بدأ يشكل قوة رابحة اينما اتجه.
اما في سوريا اليوم فنكاد نعثر على مايعطينا الدليل بانها كانت مسرحا لمراحل متعددة وعصور متعددة مر بها الاسلام، وتكاد سوريا وحدها من عاشت تلك المراحل والعصور … سيقال اولا ان الرسول العربي وصل الى تخوم دمشق قبيل دعوته يوم تجارته، وكانت تلك المدينة اول مكان اتخذ شكل ولقب مدينة في العالم، لكنه لم يدخل اليها، وعندما سئل عن السبب قال لااريد ان ارى الجنة مرتين ، بمعنى ان دمشق كانت مشهورة بجمالها الاخاذ. في تلك المدينة سنجد مايحلو لنا من مدخرات اسلامية لو قيض لهذا التنظيم الارهابي ” داعش ” ان يضع يده عليها لفتك بها حرقا وتدميرا .. ان من اهم الصمود الرائع لسوريا في وجه هذا الارهاب منعه من تحقيق غايات من هذا النوع، بعدما رأيناه في العراق، ثم في سوريا وخصوصا في مدينة تدمر الاثرية.
اذا اردنا الالمام بالاثر الاسلامي فما علينا سوى ان نذهب اولا الى متحفها الوطني حيث هنالك عروض اسلامية مهمة يقف في باحته واجهة لاحد القصور العائدة للعصر الاموي ويكاد ينطلق بالدقة الهندسية التي توفرت في ذاك الزمان. الأمر الذي يعني ماكانت عليه حالة دمشق في العصر الاموي.
مقابل المتحف سنجد التكية السليمانية التي بناها السلطان سليمان القانوني العثماني، وهي فخر بقايا المرحلة العثمانية التي اشتهرت بها في مركزها الاصلي بتركيا .. لعل عبقرية مهندس تلك الاثار سنان قد صنع شكلا خاصا يفهم على الفور بانه يعود اليه وهو خلاصة تجربة لها خصوصية هندسية.
نتجول في دمشق ندخل في اسواقها القديمة التي لاشك انها عابقة برائحة الاسلام، سنرى جامعها الاموي بمآذنه الاربعة التي اضيفت عليه .. هنالك شرح لنا الدكتور علي القيم ماشاء من تاريخه ومن اشكاله الهندسية وكيف عليه واجهته المرصعة بالذهب والفضة وكل اشكال الطبيعة. ويرمز هذا المسجد الكبير الى مرحلة كانت فيها دمشق قد اصبحت عاصمة الامويين واول مدينة دخلت اليها الادارة الحديثة في زمانها.
وقبل ان نتجول في اسواقها القديمة التي يطل عليها المسجد، والذي نخاف عليه هو الآخر من ان يتعرض لتجربة مريرة ان تغيرت احوال سوريا، سنجد على مقربة منه ضريح قائد اسلامي عظيم هو صلاح الدين الايوبي الذي يحج اليه كثيرون يوميا .. وفي العام الذي اقتحمت فيه القوات الفرنسية الغازية دمشق اثر معركة ميسلون 1920 تقريبا، اصر الجنرال الفرنسي الذي قاد الحملة على الوصول الى الضريح ثم وضع رجله عليه وصرخ بصوته: هاقد عدنا ياصلاح الدين، مما يؤكد كم ترك هذا القائد من اثر في التاريخ الصليبي لمساهمته في تحرير المنطقة وخصوصا القدس، وان اوروبا لم تنسه اطلاقا وقد حان الوقت للاقتصاص منه كما حلم الجنرال الفرنسي. وعلى مقربة من هذا الضريح ايضا، هنالك ضريحان متلازمان، احدهما لقائد مسلم كبير هو الظاهر بيبرس وابنه السعيد .. وقد سمي المكان الذي دفنا فيه بالمدرسة الظاهرية وفيه مكتبة اسلامية مهمة، فيما مازالت بقربها مدرسة اخرى تسمى بالعادلية حيث دفن فيها ايضا شقيق صلاح الدين الذي حكم دمشق ايضا، دون ان ننسى انه على بعد امتار من تلك المدرستين، هنالك مدرسة متخصصة بتعليم الخط العربي تسمى الجقمقية وتحوي روائع هذا الفن العربي بكل ابعاده واشكاله.
نخرج من الجامع الاموي لنجد مرحلة اخرى اسسها نور الدين زنكي السابق على مرحلة صلاح الدين الايوبي اي المرحلة الايوبية، ولهذا تدعى بالمرحلة الزنكية .. فلقد اقام هذا القائد المسلم ايضا مستشفى مهما يحمل اليوم اسمه وهو البيمارستان النوري، وقد كان مصحا حقيقيا يتداوى فيه الناس وتجري في العمليات الجراحية اضافة الى انه عايش اهم الاطباء المسلمين في عصره وهو ابن النفيس وهو اول من اكتشف الدورة الدموية الصغرى .. ومن منجزات هذا المستشفى الاسلامي المتقدم ان المصابين بأمراض عصبية ونفسية كان يجري تتطبيبهم بالموسيقى فيما كان المصابون بهذا الداء في اوروبا يتم جلدهم تحت شعار اخراج العفاريت من اجسادهم. ونتيجة لاهتمام نور الدين ايضا، انشأ حماما عاما يحمل اليوم اسمه ايضا، كما انشأ مدرسة تحمل اسمه .. وكيفما وجهت نظرك في دمشق القديمة ستجد المساجد التي تعود لتواريخ قديمة، كما تجد الاثر الاسلامي الذي مازال حاملا لروح زمانه .. هي دمشق فخر المدن العربية التي مازال الدفاع عنها من اجل ان تبقى العاصمة الابية لسوريا والموحدة لها .. ان اعظم انتصار تحققه تلك العاصمة هو بقاؤها على ماهي عليه اليوم، كي لاتسقط بيد الارهاب فيتم نهبها كما نهبت كل المدن التي احتلت من قبله.
في مدينة حمص مايزال المسجد الذي حمل اسم خالد بن الوليد يحوي ضريحه ايضا .. وكان قد تعرض للسطو والسرقة بعدما احتله المسلحون، لكنه عاد الى ايد امينة حافظت عليه، فخالد كان كما سماه الرسول العربي سيف الله المسلول، ولكثرة الحروب التي خاضها فقد مات وفي جسده اكثر من سبعين طعنة سيف اورمح.
وفي سوريا ايضا تفخر مدينة حلب التي تعرضت للنهب بانها كانت مستقرا لمراحل اسلامية متعددة، سنجد فيها الاسلامي الاول والايوبي والزنكي والمملوكي والعثماني وغيره .. حتى ليقال ان تلك المدينة العامرة متحف اسلامي بالهواء الطلق .. الابرز فيها المسجد الصغير جدا الذي عندما دخل المسلمون الاوائل بقيادة خالد بن الوليد وعياض بن غنم الى حلب وصلوا الى ذاك المكان الذي وصعوا فيه تروسهم من اجل الاستراحة فسمي بجامع التروس .. كما تفخر حلب بان فيها واحدة من اكبر القلاع في العالم وهو قلعتها الشهيرة التي تتوسطها .. وقد تعرضت القلعة للتشويه وحاول الارهابيون تدميرها بعدما قصفوا واجهتها مؤخرا .. كما تفخر حلب بانها تحوي اكبر سوق في العالم وهو مسقوف باكمله تقريبا وطوله يزيد على 16 كلم وفيه كل انواع البضائع ومن المؤسف انه احترق بكامله يوم احتله الارهابيون .. ومن المعروف ان حلب كانت المدينة الرئيسية التي يمر عليها طريق الحرير التاريخي. كما ان الارهاب دمر ابرز مساجدها القديمة وهو المسجد الاموي ايضا والذي كان يحوي اجمل المآذن بل كانت فيه مخطوطات ثمينة لاتعوض احرقها الارهاب ايضا. كما ان هذا الارهاب اقتحم ايضا مستشفى اسلاميا قديم العهد وتم بناؤه في العصر المملوكي ويسمى بالمستشفى الارغوني نسبة الى بانيه، وهو ابرز مستشفى في العالم نظرا لوجود قاعة خاصة فيه كانت تجرى فيها العمليات الجراحية بايدي اطباء مسلمين ، اضافة الى مكان خاص للمرضى النفسانيين والعصابيين.
ليس هذا كل شيء تحويه سوريا من مدخرات اسلامية، ففيها الكثير من الاضرحة والمساجد والمدارس الاسلامية القديمة، ثم ان لبنان كان جزءا منها وخصاة مدينة طرابلس التي تشبه الى حد بعيد مدينة حمص القريبة منها .. ففي طرابلس آثار مملوكية بالدرجة الاولى وعثمانية ايضا ..
واذ نترك بلا الشام نذهب الى مصر العزيزة هبة النيل الذي ان حاورناه فسيقص علينا تواريخه وابرزه ماكان للمسلمين فيه ومازال. فالى اليوم مازال جامع الصحابي عمرو بن العاص يخبرنا عن طلائع دخوله الى ذلك المكان الذي كان يسمى بالفسطاط قبل ان يطلق عليه الفاطميون اسم القاهرة .. تلك العاصمة التي تحوي اكثر من الف مئذنة، بل يمكن القول انها متحف في الهواء الطلق نظرا لغناها بالاماكن التاريخية المعبرة عن ادوارها عبر الزمان. فاذا اطلعنا على قلعتها التاريخية التي بناها صلاح الدين الايوبي قبل ان يرحل الى دمشق، سنجد الكثير من المساجد التي تعود لحقب مختلفة ابرزها المملوكية والعثمانية، وابرز ماتحويه القاهرة مسجدها الشهير الازهر الذي بناه الفاطميون وما زال الى اليوم صرحا مهما من صروح العلم ايضا . لقد قيض لي ان ازور جامع احمد بن طولون ويعود الى المرحلة العباسية وما زال على حاله من حيث الهندسة والانشاء .. اضافة الى مسجد الحاكم بامر الله ومساجد اخرى قيمة، دون ان ننسى ابوابها التاريخية الدالة على كونها مدينة ذات انتماء عميق للتاريخ. ويمكن من خلال قراءتنا لكتب الاديب الراحل جمال الغيطاني ان نكتشف القاهرة اكثر فاكثر، فهي مدينة عابقة بالتراث، اذ مايزال متحفها الاسلامي الذي زرته وتطلعت في محتوياته، ينبيء عما مر من حقب اسلامية ومن ظواهر مهمة فيها ، دون ان ننسى ماتعرضته اليه مصر من سرقات ابان ماتعرضت له من غزوات واحتلالات، ابرزها غزو نابليون بونابرت لها، ثم الاستعمار البريطاني، وقبلها المرحلة العثمانية، وكل هؤلاء نقلوا الكثير من آثارها الى بلادهم.
ولا يمكن ترك مصر بشكل مبسط وسهل، لكن الكتابة عن آثارها الاسلامية تحتاج لصفحات وصفحات، لعل تونس التي ذهبنا اليها تنبيء بالكثير الاسلامي ايضا .. فمن هناك ومن مدينة المهدية تحديا انطلق الفاطميون لبناء القاهرة .. في تلك المدينة بدأوا دعوتهم، لكنها في القاهرة دخلت مرحلة اخرى. ونكاد في تونس ان نجد مايروق لنا، فهنالك المسجد التاريخي في مدينة القيروان ويدعى مسجد عقبة بن نافع، اضافة الى الشكل الهندسي لحفظ المياه الذي وفره المسملون هناك فاتخذ شكل برك .. وفي تونس جامع الزيتونة التاريخي الذي تخرج منذ كبار المثقفين التونسين وكذلك السياسيين، وفي طليعتهم الشاعر ابو القاسم الشابي. وهنالك ايضا مدينة اندلسية بناها الهاربون من اسبانيا بعد سقوطها بيد اهلها الاسبان وتدعى توزر، مازالت الى اليوم تحتفظ بنمطها الاندلسي من شوارع وحياة عامة.
ولا تنتهي الرحلة في تونس الزاخرة بالمدخرات الاسلامية وبمتاحفها التي دخلها الارهاب فقتل ودمر، تماما مثلما يفعل في كل مكان اثري اسلامي يدخل اليه. ففي المغرب ملامح اسلامية كبرى سواء في مدنه المعروفة مثل فاس ومراكش وحتى في الدار البيضاء، وفي طنجة، جلس عبد الرحمن الداخل الملقب بصقر قريش يوم فر من دمشق منتظرا انتقاله الى الجانب الآخر حيث اسبانيا التي وصلها وبنى فيها اول طلائع الحكم الاندلسي الذي عمر كل تلك السنين حتى وصل الى ثمانمائة سنة.
الآن يمكننا ان ندخل الى اسبانيا حيث مطرح اهم معطيات الحضارة الاسلامية على الاطلاق .. في كتاب ” اوروبا الاسلامية ” الكثير من المعلومات التي يعتبرها مؤلف الكتاب بيدرو مارتينيث اساسية، وتبدأ برأيه كما قلنا في البداية من العام 711 للميلاد الى سقوط آخر مدينة اندلسية وهي غرناطة عام 1492، فيما يلحظ تقسيم دخول المسلمين العرب الى تلك البلاد من خلال طارق بن زياد اولا .. ثم برأيه تحول مدينة قرطبة الى منافسة لبغداد وندا لها، وفي الوقت نفسه اصبح اقتصاد الاندلس اكثر ازدهارا بشكل عام واتسعت مجالاته. الى ان يعتبر الكاتب ان مايمسى بعهد ملوك الطوائف هو الذي ادى الى تفكك بلاد الاندلس واضمحلالها. وفي الكتاب وعبر قراءة تاريخية سريعة, يقدم لنا الكاتب قراءة في الاثر الاندلسي، بدءا من الهندسة المعمارية للمدن، يعتبر التراث الاندلسي فنا عظيما، ثم يتحدث باسهاب عن مسجد قرطبة وعن قصر الحمراء في غرناطة، ثم يذهب للحديث عن المدن الاندلسية التي وصفت بانها اعظم نتاج حضاري في تاريخ البشرية، فيقدم لنا معلومات عن قرطبة وطليطلة واشبيلية وباليرمو .. ثم يقرأ الكاتب في فنون المكان وتقنياته وزخرفته، وهي تفاصيل كثيرة، يصل من خلالها للكتابة في الحياة اليومية التي تتحدث عن التوابل والنكهات في الحمية الغذائية اليومية، وعن كيفية انشاء المقاهي وكيف اكتشف العرب القهوة مثلا، وصولا الى الحمام واللباس الذي ساد المرحلة وكيفية صناعة الورق ودخول المطابع.
نذهب الى تركيا الحافلة بالكثير من الاسلاميات المهمة، وهذه تحتاج الى صفجات اخرى سكون لنا موعد آخر في وقت آخر.
كيفما قلبنا النظر في عالمنا العربي سنجد مساحات من المدخرات التي تركها المسلمون في عالمنا .. اودعوها في ارضنا لكي تبقى تدلل على التاريخ العظيم الذي مر وعمر وما زال . لكننا امام مخاطر جمة ، ابرزها تعرض الاسلام الى تشويه اولا ، وتعرض تلك المدحرات الى تدمير .. الارهابيون لديهم افكار اجتثاثية، بمعنى ان كل مظاهر الحضارة الاسلامية يريدون انتقاء ماهو قائم في تفكيرهم والباقي الى التدمير وخصوصا الاضرحة والتماثيل وبعض المقتنيات الآخرى.
قدمنا في هذه العجالة ماهو اساسي على امل ان يتمكن العربي المسلم من الاطلاع عليها .. فنحن لدينا كنوز لم يجر استغلالها بكل اسف في معركة السياحة، ربما لأن المنطقة العربية مازالت تتعرض لحروب من أنواع مختلفة.

إلى الأعلى