الإثنين 16 يناير 2017 م - ١٧ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / كلمات: تلفاز يصدح .. وكتاب أكله النسيان
كلمات: تلفاز يصدح .. وكتاب أكله النسيان

كلمات: تلفاز يصدح .. وكتاب أكله النسيان

زهير ماجد

وفي الغرفة نجلس، مهما كان طولها وعرضها، وبكبسة زر نشاهد العالم ونختار مايعجبنا، لم نصل هذا العالم لكنه صار عندنا، محبوس في تلفاز، بشخصياته وجمال طبيعته، باحاديثه الحلوة والمرة، بما يطيب وبما لايطيب .. ثم وسط الغرفة المقتحمة من قبل العالم، ثمة كتاب في اليد لا احد يقرأه، مع انه ايضا دالتنا الى الدنيا، الى افكارها الجميلة.
هكذا صرنا، بل صارت اجيال لم يكن في البال ماوصلنا اليه .. كنا نقول عن الهاتف الذي بتشاوف فيه المتحدثون، فاذا به حقيقة، ونحن بانتظار الاعظم. ولاشك ان العقل البشري مقتحم دائما نحو الجديد، في عالم الاستهلاك سيتاح للناس مالم يتح لاجيال قبلهم.
كانت المدن ايام زمان لها حظ التقاط الجديد، لكن القرى والارياف فكانت تعيش على ضفاف الحياة بكل معانيها. في المدن مدارس ينطبق عليها التسمية، اما خارجها فحدث ولا حرج .. كتاتيب، اطفال لهم امنيات واعدة لكن المسرح الانساني لايتسع لها فتراها تكبر دون نظام ودون احساس بانها تملك مفاتيح الحياة وهو العلم.
ومع ذلك تأمن للعبقري طه حسين الذي عاش الكتاتيب ان يصبح رمزا كبيرا في الثقافة العربية، وكذلك غيره من الاسماء التي لمعت في دنيانا .. هنا نطرح قضية الفرد وقدراته وامكانياته .. لكل امريء نصيب من الامكانيات تماشيه الى حين، منهم كلما توسعت مداركه زادت احماله فرعاها ونما معها، ومنهم يبدأ طفلا موهوبا ثم سرعان ماتتلاشى الموهبة اذا لم يحكم الاهل تربيته والاشراف عليه. هنالك نظام دولي يقوم بفرز الاطفال كل حسب ميوله، كما فعل السوفيات حين بدأ زعيمهم ستالين بتلك الفكرة المهمة، فنمت اثره اجيال سرعان ماانتجت من اختراعات ابهرت البشرية خلال سنوات قليلة.
أنا مؤمن بان الفرد مغير، من المؤسف اننا تهنا في استعمال كلمة الجماهير، ثم اكتشفنا انها كتل من البشر يعوزها الفكر والرأي والقيادة، وتلك مواصفات مختلفة عنها، وفي هذا المجال طرح كثيرون قضية النخبة وتأثيرها، ومعنى الفرد وتأثيره. كانت تلك الفكرة في الماضي غير مستحبة لأن عالم ذلك الزمان كان يعشق الكتلة بمجموعها، اي الشعب والجماهير، ثم اكتشفنا مع الوقت ان القصة من أولها الى آخرها مسألة فرد ممثل لنخبة، او نخبة تجلى فيها فرد فقادها ثم قاد شعبه. تلك الموهبة جديرة بالتأمل. الذين قادوا احزابا يملكون صفات ابرزها الكاريزما الشخصية، او اولئك الذين قادوا مراحل بثقافة عادية لكن بنمو عقلي سريع في التقاط الفضائل ومعاني الخير وفي الاهتمام بما يحتاجه الشعب والناس .. وماذا يحتاج هؤلاء غير منزل وسيارة وحياة هادئة وامان اجتماعي وعملي، تلك هي المسألة التي تقاتلت عليها احزاب وقامت بفضلها احزاب، وتحركت عقول ونمت على ضفافها اشكاليات واجتهادات.
قضية الفرد وقيادته ستظل تشغل الدارسين، منهم من كتب ان الاحداث تصنعه، ومنهم من اكد انه يصنع الاحداث والتاريخ معا، وانا اميل الى الاثنين معا، وان كانت الفكرة الثانية هي الاساس في الترتيب النموذجي لقضية الفرد القائد.
اذن كل جديد جواب لما هو قبله، لاتخلق الاشياء من فراغ، كل اختراع طاريء على الحياة هو تكملة او تطوير لما سبق .. اعتقد ان لاعوائق اليوم امام مطالب حياتنا، فلقد اتسعت الخيارات حتى صارت كما متراكما .. وهذا يفرض على كل بيت ان يتلاءم معه، اذ ليس هنالك سوى العيش الرغيد الذي يريده كل مواطن، تراه احيانا يطلب من حكومته ان تؤمن له مايعجز عن تحقيقه وهو امر غير سوي، لكن ماذا نفعل بالعقل الفوضوي الذي يفكر بالحرية على مزاجه وحسب رغباته، في حين ان لكل فكرة شرطها الطبيعي ويجب ان تنمو فيها ومن خلالها.
ونعود الى الغرفة حيث التلفاز يطل على العالم بكل اشكاله، وفي الزاوية من الغرفة كتاب او مجموعة من الكتب .. من المؤسف ان الاول اي التلفاز نجح اكثر في ايجاد زبائن مدمنين له، فاذا به مؤثر كبير في حياة أناس لايمكن منعهم من التأثر به طالما ان الفضاء صار ملكهم وصار لهم ان يختاروا منه .. اما الكتاب المسكين فصار من عالم آخر، وبكل اسف في عالمنا العربي .. في الاساس لم تكن القراءة مهمة في حياة العرب، في الثلاثينات من القرن الماضي احتفلت السويد بدفن آخر أمي عندها. العرب لايقرأون، يقول الغربي اذن لاذاكرة لهم ولاثقافة، وعليه يمكن ببساطة تغيير مناخ حياتهم وتفكيرهم والتلاعب بعقولهم، مرة الى الفوضى، ومرة الى الترغيب، ومرة الى الترهيب .. المجتمع الذي لايقرأ لاعقل منتج له، اذن يصلح التأثير عليه من كل باب. كانت القاهرة تكتب وبيروت تطبع لكن العراق كان يقرأ، وانا اعمل في مجلات لبنانية في القرن الماضي كنت اعرف المشكلة التي تواجهها مجلتنا اذا لم يدخل اي عدد منها الى العراق لأنها ستتراكم في المخازن. مؤسف القول ان القاهرة التي تكتب بات فيها اليوم اكثر من اربعين بالمائة من الشعب المصري التاريخي اميا، ولاشك ان العراق بحكم مشاكله الداخلية قد توقفت القراءة فيه، وسوريا المتعبة بحربها مصابة ايضا بعدم القراءة وهذا من حقها، اذ كيف يقرأ الناس وهم خائفون وهلعون ليس من غدهم بل من كل ساعة ودقيقة. اذن رحمة الله على الكتاب العربي الذي يضيع بين ايدينا وتضيع معه شعوب ومستقبل. هل ترى ان العالم الغربي لايريد لنا علما ومعرفة وثقافة وفنا ونحن لنا تاريخ يشهد على مهارات فيها. اذا لجأنا للجواب من خلال التاريخ فنحن امة تعرضت فيها مكتباتها الكبرى الى التدمير والسرقة .. مشهد لم تعرفه الانسانية قاطبة حين احرقت مكتبات في كل مكان عربي من بغداد الى دمشق الى قرطبة وطرابلس الى الاسكندرية والقاهرة، الى … ارتسمت معالم المؤامرات على العقل العربي الذي كانوا يعتقدون انه لو تثقف لغير وفي التغيير لن يكون لهم شأن بعدها.
اليوم لايحرقون الكتب والمكتبات لأنهم يحرقون عقول اجيالنا بما يبث من التلفاز من مفاهيم وقيم ومن افكار ومن تحريض فتنوي .. يعرف الغرب ان الكتاب مات في يد الاجيال الحالية، وان هنالك قلة تقرأ، فتراهم يتوالدون المحطات الفضائية بكل لون وحالة، يدخلون من خلالها الى العقول فيغسلونها اولا ثم يطرحون لها قيما ليست من اساسها الاجتماعي. فمن هو ” داعش ” مثلا ، انها تهريبة خارجية لاضافة عامل هلع على المجتمعات يمنعها من ان تنتبه الى مصيرها، وصاحب ” داعش ” هو ذاته من يطرح المحطات ومن يخطط البرامج ومن يسعى اكثر فاكثر الى مشاريع فتنة ليس فيها يد اجنبية سوى اليد العربية والاسلامية تحديدا من اجل التفتيت او المزيد منه طالما انه مفتت ، وطرح حروب لاتنتهي، تأخذ مائة عام كما يقول كيسنجر وهو يشتهي هذا الوضع ويراه مناسبا للعرب باعتباره احد العارفين باصول اللعبة وبالعفل العربي ، ثم هو كيهودي يعيش فرحا داخليا ان تحقق هذا الآمر.
تضغط اليد على الريموت كونترول بكل بساطة التحريك، فتكون هنالك المحطة التي تلاءم المزاج. لم تنجح البرامج الثقافية في العالم العربي ولا الفكرية، نجحت تلك الهابطة والرخيصة، صار لها اتباع، هي خيار فتياتنا قبل فتياننا، ومن مؤسف القول انهن تستمعن للترهات فتتأثرن .. لنسأل اية فتاة عربية عن اي شيء فني ستجيب، خارج هذا الخيار صفر من المعلومات.
لم تعد البيوت تربي النشأة الاولى للطفل بجناحيه الانثوي والشبابي، بل التلفاز هو من يساهم بجدارة في صناعة جزء هام من بناء شخصية هؤلاء .. ربما لاينتبه الأهل، لكن مجرد ان يصبح المرء فتى فلنستمع الى افكاره التي تدلنا على ماكانت عليه اهتماماته الطفولية. ومن المؤسف ايضا وايضا، ان هذا الفتى لم يكن قد حصل على مايغني شخصه، وانما على ابشع الافكار الهدامة.
من الصعب ان نقول للناس لاتضعوا تلفازا في بيوتكم او اغلقوه اذا كان موجودا. ولأن الحياة موضة، فاقتناء هذا الجهاز لم يعد كماليا كما كان في اولياته، بل صار مطلوبا اولا وقبل اي قطعة في البيت.
أجيالنا اذن الى فراغ، بل الى مزيد منه، محملة بعيوب الخيارات الظالمة لهم والتي نكون نحن مسؤولين عنها.
مازال التلفاز يتنقل من محطة الى اخرى ، اما الكتاب فما زال مغلقا ، وسيظل كذلك الى ان يأكله الغبار وتنهشه البكتيريا بعد حين . علما ان مكتبة الاسد في سوريا باتت متخصصة بقتل بكتيريا الكتب لأن لديها قسما خاصا في كيفية التعاطي مع المخطوطات التي تحتاج لاعادة ترميم .
ولأن التلفاز شغال على مدار ساعات التيقظ فان مؤشرات تأثيره ستزداد ، والا لما زاد الاضطراب في المجتمعات العربية ولما وصلت الى حافة الهاوية في بعض الاقطار. ولما وجدنا امية في المجتمعات، بل قد نجد متعلمين وليس مثقفين، لديهم شهادات اختصاص لكن عقولهم توقفت عند شهاداتهم. لاننتقص من اهل الاختصاص، لكن المعرفة ضرورية لمن وصل الى هذه المرحلة المتقدمة من العلم.
ترى هل ثمة من سيقرأ هذا المقال ايضا، والصحيفة اية صحيفة لم يعد لها قاريء ايضا. احدى الصحف اللبنانية اجرت اختبارا حول نوعية الصفحات التي تقرأ في الصحف، فكانت الصفحات الرياضية ثم الفنية فالاجتماعية فالاحداث الاجتماعية، وتأتي السياسية في آخر القائمة وقد لايراها احد امام الانشغال بالصفحات تلك.
ومع ذلك تستمر الحياة بكل ماهي عليه، سيبقى التلفاز مشتعلا وبخيارات لاحصر لها، وسيقى الكتاب في الزاوية مغلقا لاينتبه اليه أحد، تعرضه المكتبات لكن ليس من يشتري، إلا قلة قليلة بعدد الاصابع من استسلمت الى مغامرة العقل وتقدمت الى خيارها منذ نعومة اظفارها . فكيف يكون لها الجيل نعومة اظفار وهو متلبس بجهاز خطير لايهدأ على بث مواده على مدار الساعة.

إلى الأعلى