الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / انتفاضة ولم تعد هبَّة

انتفاضة ولم تعد هبَّة

عبداللطيف مهنا كاتب فلسطيني

لم يعد من الممكن الآن الاقتصار على نعت الحالة النضالية الفلسطينية الراهنة بالهبَّة، لأن هذا التوصيف لا يحمل في طياته أصلًا، أو في نهاية المطاف، سوى مآلين: إما سرعة خفوت يعقب هبوبًا، أو الثبات والتصاعد والتطوّر فالتحوّل إلى ما هو الأكثر رسوخًا والأكثر تعاظمًا والأقرب إلى منشود الاستدامة، وهذا ما هو بالحاصل الآن، أو ما هو حالها الذي بلغته وهي تدخل شهرها الثالث، وبالتالي باتت هي ما ينتفي جواز نعته بعد بالهبَّة.
كنا، وإلى وقت قريب، ممن يصفها بالأكثر من هبَّة والأقل قليلًا من الانتفاضة الشاملة وفي سبيلها إليها. ومنذ البدء قلنا، سمّوها ما شئتم، فما هي إلا شكل نضالي من مبتكرات شعب مناضل، ومحطة مستجدة من محطاته الكفاحية المتلاحقة، أو متوالياته منذ أن كان الصراع وحتى يحين حسمه لصالحه، ولسوف تكون لها كسواها من هذه المحطات، البادئة بهبَّة البراق، سماتها الخاصة بها المنسجمة مع راهنها، أي مع ظروفه الذاتية والموضوعية التي يمر بها في هذه المرحلة من صراعه التناحري الوجودي طويل الأمد. واليوم نقول، نعم، لقد باتت الآن ما لا يمكن وصفه بغير الانتفاضة الفلسطينية الثالثة، والتي تثبت برسوخها وعدم تراجعها أنها في سبيلها لأن تغدو الشاملة المنتظرة، وإن لها أيضًا سماتها وخصوصياتها، ومنها أنها حتى الآن المختلفة عن سابقتيها باثنتين:
عن الأولى، في استحالة سماحها لأحد أن يركب موجتها ليصرف حصاد تضحياتها ودماء شهدائها في بازارات التسويات التصفوية لأنبل قضية عرفتها البشرية. وعن الثانية، في أنها إذ اندلعت لم تستأذن فصيلًا، أو تستأنس برأي لجهة في الساحة، وإذ تواصلت واتسعت وتصلَّب عودها لم تلتفت إلى ما انهالت عليها من تنظيرات جاءتها من كل حدب وصوب، وحتى ممن لديهم الجرأة من القاعدين والمتقاعدين عن النضال، أن يرسموا لها مساراتها ومآلاتها… والتي انفردت عنهما أيضًا في كونها تواجه خصمين في آن:
الاحتلال بكل جبروته ووحشيته، وسلطة “أوسلوستان” بأجهزتها المنسِّقة أمنيًا مع المحتل، أو أداته موضوعيًّا في محاصرتها ومحاولة الحد من انتشارها ومنع شموليتها… وإن هذه المواجهة تحتدم والعالم غير العالم والأمة غير الأمة. العالم يتجاهل، والأمة منشغلة بحالتها التي لا تسر صديقًا وليس بأفضل منها لعدو، أو المفجع المعروف وما لا حاجة بنا هنا لتوصيفه.
هذا يعني أنها انتفاضة على العدو وعلى تركة السطو الأوسلوي الكارثي على حصاد سابقتيها والمستفيدة من دروسه المرة، ليتحول فيها الحجر إلى سكين مطبخ أو عجلة سيارة، وتُردف المواجهات الشعبية الحاشدة بالعمليات الفدائية الفردية، والتي يعترف العدو الآن أنه العاجز عن مواجهتها أو عدم القدرة على منعها… ابتكار نضالي جديد مما لا تفرغ منه جعبة لعبقرية نضالية مبدعة عوَّدنا على امتلاكها شعب مناضل، ويشكِّل استمرارها في حد ذاته، على باهظ ما سيُبذل فيه من غالي التضحية، عامل استنزاف فاعل لا يقوى هكذا عدو له مثل طبيعته على احتماله طويلًا.
هذا العناد النضالي الفلسطيني المعمَّد بالدماء الزكية الطهورة، والذي يشحذه ويزيده القمع الصهيوني الحاقد صلابةً ورسوخًا، لم يعد بالإمكان تسميته في شهره الثالث بغير الانتفاضة الثالثة والمتميزة بجديدها المشار إليه، أو بمبتكراتها النضالية الخاصة بها وحدها والمتفرِّدة عن سابقتيها بها… كل عملية تخلق عملية أخرى.. هذه العبارة هي جزء من صراخ لمحلل صهيوني من مثل ناحوم بارنياع في صحيفة تنضح صهيونيةً من مثل “يديعوت أحرونوت”، مستهولًا تواصل العمليات الفدائية الفردية، التي أربكت وأفزعت وحيَّرت المحتلين وأخرجت إلى العلن الخلافات التي لم تعد تكتم بين المستويين السياسي والعسكري لديهم. ورغم أن الكيان الصهيوني برمته هو ثكنة وجمهوره بكامله مجنَّد فيها، أو كما يقولون، جيش له كيان وليس كيان له جيش، وكافة سياسييه استولدوا من رحم المؤسسة العسكرية والأمنية، لكنما أفزع محلل آخر، هو عوزي برعام، أن هؤلاء السياسيين قد باتوا مجانين دمويين في حين أن عسكرييه المدركين لاستحالة مواجهة العمليات الفدائية الفلسطينية الفردية غدو أكثر عقلانية منهم… مثلًا: راهن الإعدامات الميدانية على الشبهة، والقمع المتوحش الحاقد، والعقوبات الجماعية المفرطة في لا إنسانيتها، وكل جاري الارتكابات الهمجية البالغة حد إحراق الرُضَّع، والتي لم تعد على مرتكبيها إلا بعكسها، لا تُرضي الوزير نفتالي بينت ويصفها بأنها مجرَّد “نكتة”، مطالبًا بسفك المزيد من دماء الفلسطينيين، بحيث بدا أمثال نتنياهو ويعالون إلى جانبه حملانًا… يقول برعام: “نحن عيش في عالم غريب حيث أصبح الجيش واقعيًّا أما السياسيون فهم الفظون الذين يعتمدون فقط على القوة، إسرائيل 2015 هي عالم مقلوب”.
لم يك الصهاينة يومًا بغير ما أفزع برعام، ولذا كان من المنطقي إفشالهم لتسهيلات كيري التي ما كانت إلا لنجدتهم وانتشالهم من ورطتهم بالحؤول دون انهيار سلطة أوسلو وافتقادهم بركات تنسيقها الأمني معهم، ثم يبحثون، لكن من دون هذه التسهيلات، سيناريوهات انهيارها، أو تمرُّد أجهزتها… مؤشرات عملية شهيد حاجز حزمة الضابط في استخباراتها مثلًا… تداركًا لها أو تعاطيًا معها. أما هذه فاكتشفت أخيرًا، وعلى لسان صائب عريقات، أن “الإدارة الأميركية باتت حليفة لإسرائيل أمام الملأ”، لكنها وعلى الرغم من هذا الاكتشاف المدوِّي تعرب عن عزمها على بحث سبل مواجهة فشل تسهيلات المفضوحة إدارته أمام الملأ “بسبل غير عنفية”!!!
…لأنهم الغزاة وليسوا من ترابنا عجزوا عن فهم تضحياتنا، ومن يزوِّر التاريخ ليعتدي على الجغرافيا مآله أن يطرد منهما.

إلى الأعلى