الثلاثاء 17 يناير 2017 م - ١٨ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / حرب الأمم .. هل هي حرب على الإرهاب أم على من؟ ولماذا؟!

حرب الأمم .. هل هي حرب على الإرهاب أم على من؟ ولماذا؟!

علي عقلة عرسان

وافق مجلس العموم البريطاني على توسيع دائرة عمليات الطيران الحربي البريطاني، لتشمل العراق وسوريا، وقال رئيس الوزراء ديفيد كاميرون بعد الموافقة: “هذه خطوة أولى ستتبعها خطوات”. وعلى من يعرفون تاريخ الاستعمار البريطاني لا سيما في بلاد الشام والعراق، ودور بريطانيا في إنشاء كيان الإرهاب والعنصرية “إسرائيل”، في فلسطين المحتلة، أن يقدروا ما هو الهدف الذي سيكون من وراء تلك الخطوات. وقد بدأت الطائرات الحربية البريطانية، بعد ساعات قليلة من اتخاذ القرار، أولى عملياتها الحربية، صباح الخميس ٣ ٢٠١٥ ك١/ديسمبر، بغارات على حقول نفط في دير الزور، يسيطر عليها تنظيم الدولة. وهكذا دخلت أربع دول دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، ليس من بينها الصين، إحدى دول مجموعة بريكس، في دوامة الحرب في سوريا وعليها، من بوابة مكافحة داعش. ويستعد الطيران الحربي الإيراني للعمل في الفضاء السوري، ومن المعروف أن هناك قوات جوية وبرية لدول أخرى، منها دول عربية تعمل في الأجواء والأراضي السورية.. أما الطيران الإسرائيلي بأنواعه، فلم يكف عن العربدة في سماء سوريا، ولا عن ضرب أهداف منتقاة في أي مكان من الأرض السورية، وهو بتنسيق مع روسيا والولايات المتحدة الأميركية، ومع دول وقوى أخرى تقاتل في سوريا، فيما يتعلق بما يقول إنها مصالح في سوريا، وبعربدته في الفضاء السوري، وعدوانه المتكرر، الذي كان آخره
غارات إسرائيلية صباح أمس الجمعة، على مواقع شمال دمشق، حيث قصفت شاحنات محملة بصواريخ متقدمة، ومواقع تخزين محروقات، من طائرات “إسرائيلية” بدون طيار.. على الرغم من وجود تنسيق مع روسيا.. فهل يشمل ذلك التنسيق يا ترى، قصف ما تريد “إسرائيل”، قصفه وتدميره في سوريا، رغم وجود الصواريخ الروسية من نوع أس 400 الروسية، والرادارات التي تكشف تحرك الطيران الإسرائيلي حتي في لحظات انطلاقه؟! أم أن التنسيق بين الروس و”إسرائيل”، يشمل ألا تتحرك أي قوة لردع “إسرائيل”، أو لمنع ما تقوم به من عدوان؟! وربما لهذا قال الإسرائيليون إن الصواريخ من نوع أس 400 لا تشكل خطرًا على إسرائيل؟! وهذا هو شأن أو موقف الأميركيين من كيان الإرهاب الصهيوني الذي ترعاه وتدعمه الولايات المتحدة الأميركية، من دون أدنى تحفظ؟! أسئلة على من يهتم بهذا الأمر أن يقاربها، ليعرف، ولنعرف أين نحن؟! وهل حرب الأمم هذه، هي حرب على الإرهاب، وعلى العدوان، وعلى كل خروج على الشرائع والتشريعات السماوية، والأممية، والوطنية، والقوانين الدولية.. أم هي حرب على من، ولماذا في نهاية المطاف.؟! وذلك للمعرفة، ولأخذ العِبَر، وحقائق الوضع، بعين الاعتبار؟!
هذه الحرب، التي تُشن باسم القضاء على الإرهاب، وباسم الدفاع عن النفس، وحماية الأمن القومي، والمصالح الحيوية للدول الداخلة فيها.. ومن أجل القضاء على متطرفين وجهاديين وإرهابيين، قد يعودون من سوريا إلى بلدانهم، ويقومون بعمليات هناك.. هذه الحرب يخوضها عمليًّا كل من يحمل السلاح في سوريا، وكل من يستخدم سلاحًا ضد غيره فيها، بمن في ذلك الجيش العربي السوري والقوات المسلحة والشعبية السورية، ومن يقاتل إلى جانبها، ومن تقاتله من المعارضات المسلحة بأنواعها ومسمياتها وانتماءاتها. وكل أولئك، من دون استثناء، تشملهم مسميات “الحرب على الإرهاب”؟!، لأن كل تحالف يعمل في سوريا، أو يشارك من قريب أو بعيد في الحرب الدائرة فيها، يصنف من يقاتلهم، أو من يدعو لمقاتلتهم، “إرهابيين، أو يساندون الإرهاب، أو يقومون بعمل يصنف إرهابًا”. وبهذه الصورة، وكما قلنا مرارًا وتكرارًا، فإن هذه الحرب، هي حرب “الكل على الكل”.. وقد تطورت الآن لتصبح حرب التحالفات الدولية فيما بينها، على النفوذ والثروات والطاقة والأدوار السياسية العالمية، وحرب دول المنطقة بعضها ضد بعض، وحرب المفتونين بالفتن الطائفية والمذهبية وحتى العرقية، وحرب من تمتلئ عقولهم وقلوبهم بما يصفونه بالمقدس، حيث يعلنون أنهم يخوضون حربًا “مقدسة”، في سوريا، وعليها، وعلى من جذبتهم الأحداث إليها، أو خُطط لجمعهم فيها وتصفيتهم هناك، لأنهم على صلة ما بذلك “المقدس”. وهي من جانب آخر، حرب عرب على عرب، ومسلمين على مسلمين.. أما الدائرة الأشمل، والأعنف، والأوسع، والأكثر شراسة، والأبعد استهدافًا وعمقًا من حيث الرسيس التاريخي والديني، فهي حقيقة أنها حرب على العروبة والإسلام، يقودها أعداء العروبة والإسلام، ومعهم أدواتهم وملحقاتهم من عرب ومسلمين يجرفهم غباء كاسح، إلى محرقة لشعوبهم وبلدانهم، لهويتهم ودينهم، ولوجودهم ذاته.؟! وهم عمليًّا، بهذين العماء والغباء، أعداء لأنفسهم ولشعوبهم ولدينهم وثقافتهم. وعلى من يطلب البينة على ذلك أن يقرأ التصريحات “المقدسة”، والمباركات “المقدسة”، والأسباب “المقدسة”، التي دخل الحرب تحت رايتها، قديمًا وحديثًا، أعداء وحلفاء، يجمعهم تاريخيًّا عداء مقيم للعروبة والإسلام، للإسلام والعروبة. ومن آخر ما أعلن من ادعاءات، وقيل من ذرائع، وقدّم من أسباب، لدخول هذه الحرب، وعلى لسان قادة بعض الدول المنخرطة في القتال، والمنغمسة في تطلعات أبعد، وأكبر، وأشمل من سوريا، أقوال مثل: “إنهم يريدون دولة من خوارزم إلى الأندلس”، و”اليوم نواجه من جديد أيديولوجية همجية هدامة” و”إن مسلمين يريدون أن يؤسلموا بلدانًا”؟! وهم مسلمون في بلدان إسلامية أصلًا؟! وكانت تلك البدان التي منها تلك القادة، لا سيما أوروبا غربيها وشرقيها، والولايات المتحدة الأميركية.. قد انتهوا من وضع دول عربية وإسلامية، على طريق معاداة لعقيدتها ودينها وهويتها وتاريخها وتطلعاتها، بعد حروب ومؤامرات وكوارث لا حصر لها، ألحقوها بتلك الدول والشعوب، وبعد أن فخَّخوها بألغام بشرية، وفكرية، وثقافية، وتنظيمية، وحزبية، وزرعوا في كل مكوناتها الاجتماعية والسياسية والعقائدية والثقافية، ما يعادي ماضيها وقيمها وتقاربها، لتكون كما يريدون، لا كما يجب أن تكون، بحكم تاريخها وهويتها وعقيدتها وتكوينها. إن تلك الحرب، حرب الفرنجة، لم تنتهِ، بل هي تتجدد بصور وصيغ شتى، وتُضري نارها أحقاد، ومصالح، ومطامع، وصراعات.. وسياسات إمعات، يلوذون بعدو أمتهم ليحميهم من شعبهم وينصرهم على أمتهم.. مما يجعل من البلدان المحكومة بهذا العداء ومنتجاته وإفرازاته، بيئة تنتج ردات فعل على الفعل المعادي، لا يملك قوة معادلة له في القوة، ومضاد له في الاتجاه.. فيتفاقم الإحساس بالقهر، والعجز عن الدفاع عن النفس والحق، وتزداد مساحة الاستباحة، استباحة الوط، والمقدس، والذات البشرية، وينغلق كل أفق ينبعث منه نور بهي وهواء نقي، ويتعمق الشعور بالعقم، عقم السياسات، والقوانين، والمنطق، وكل ما يؤدي إلى احترام الإنسان والحق في الحياة، والحرية التي هي جوهر الحياة.. وتتشكل بيئة ينمو فيها التطرف، والتخلف، والفساد والإفساد، وتنتج في الوقت نفسه رغبة عارمة في التخلص من أوضاع مفروضة مرفوضة، لا تبقي للناس إلا الفقر، والظلم، والاستبداد، والفساد، والموالاة المريضة، أو المرضية.. وفي هذا المناخ يصبح الوطن والشعب، الحاكم والمحكوم.. في ربقة الاستعمار والاستغلال، والتواكل والتآكل.. حيث تكتمل مواصفات مناخ تنمو فيه التبعية، وينتشر فيه الموت، فيغري بالتمرد، والعنف والتطرف، وما إلى ذلك ثم يتهم بأنه في عمق تكوينه الروحي والثقافي والاجتماعي، متطرف، وعنيف، و.. و.. وإرهابي، حتى حين يحاول أن يواجه الدبابة بالحجر والسكين، أو حين يرفع السكين عن عنقه، ويصرخ وهو يُذْبَح.
اليوم، في سوريا على الخصوص، الكل يحمل السلاح على الكل، والكل يقول بشعارات تناقض ما يقوم به من عمليات وتصرفات، والكل يقول بمواجهة الإرهاب الذي أصبح يعني كل الرقاب، ويطول ما يستطيع أن يطوله منها.. وفضاء سوريا الوطن مزدحم بالطيران الحربي لدول وتحالفات، بين بعضها وبعضها “ما صنع الحدّاد”.. وتدخل المنطقة برمتها في تطورات أحداث لا يمكن التنبؤ بمدى خطورتها.. ولكل مصلحة، وهدف، ووسيلة، وخطاب خاص يجمع بين الوجه والقناع… والكل يبحث عن سوريين “واجهات”، والمحظوظ من يفوز بواجهة ذات شرعية من نوع ما، شرعية دستورية، أو “شرعية نضالية”، حتى “العنجهية، والقوة العمياء، والهمجية..إلخ”، أصبح لها سوق، ومن يستثمر فيها، ومن يضفي عليها شرعية، ليقاتل بها وباسمها، ويدمر ما يدمر ومن يدمر في سوريا، ليضمن أن تنغرس قدمه بقوة في الأرض، ويكون له مكان، وموقع، ورأي، ودور، وحصة، في سوريا الوطن، والشعب، والتاريخ، والمقدس.. في سوريا التي أصبحت مستباحة، يقتحمها من يشاء، باسم المقدس والمدنَّس. والكل فيها يبحث عمن يتلطى وراءه من بنيها ومن النافذين أو غير النافذين فيها، ليبلغ أهدافه الخاصة.. وهو على استعداد لأن يخوض في دماء السوريين، التي تُراق باسم الفتن المذهبية والعرقية، وباسم التحرير والحرية، وباسم الشرعية والثورية، وباسم الدولة المدنية الديمقراطية والأقليات والتعددية.. سوريا أرض الحرب اليوم وكل من يحارب فيها يعرف، ويدرك جيدًا، ويعرف أن خصومه الدوليين وغير الدوليين يعرفون، أنه لا يخوض حربًا من أجل سوريا، بل من أجل أهداف، وغايات، ومصالح، وسياسات، واستراتيجيات، وتسلط وسلطات.. ليس لسوريا الوطن والشعب مصلحة حقيقية فيها.. لأن من يقتلك بهدف أن يحييك، يقتلك ولا يحييك.. حتى لو كان مخلص النية فقد ضل الطريق. إنه واقعيًّا وعمليًّا، يضحي بك، بل يفتك، على مذبح أطماعه أو عنجهيته، أو ادعائه.. وهو في هذه الحال يضحي بسوريا وبشعبها وبكل ما يترتب على ذلك، ويتفتق عنه من تبعات وتطورات وصراعات ودماء ودمار.. لكي يحقق مصالحه، ومنها ما يسميه الأمن القومي لبلده، والقضاء على من يخالفونه أو يختلفون معه في بلده أو خارج بلده، أو من يرفضون العبودية التي يسعى إلى فرضها، والتسلط الذي يريد فرضه وقهر الناس من خلاله، والنهب الذي يمارسه، والاستراتيجية الدولية التي يريد أن يعززها ويوسع دائرتها، ويقوي ركائزها، على حساب الآخرين بلدانًا وشعوبًا.
أما السوريون المنتمون بحق وصدق، إلى أرض، وقيم، وثقافة، وعقيدة، وأمة.. والعرب والمسلمون الآخرون، المطحونون جميعًا في هذه الحرب القذرة، ممن يخوضونها، ويضرون نارها، ويمولونها، لأي سبب كان.. فهم وحدهم الخاسرون، وهم وحدهم من يدفع الثمن، وهم وحدهم المهزومون، والمأزومون إلى عشرات السنين القادمات على الأقل.
لن تترك الدول المتحاربة على أرض سوريا، بذريعة محاربة داعش.. لن تترك أحدًا من دون استهداف، ولن تترك المنطقة قبل إنهاكها، وانتهاكها، ونهبها، وتقاسم ثرواتها والنفوذ عليها، وتفتيتها، وفرض ما لا يُقبَل ولا يطاق عليها وعلى شعوبها. وتلك الدول والقوى تعرف جيدًا أنها كونت، وأنها بذلك الذي تقوم به، إنما تكون بواتق حارقة لكل من تريد أن تبيدهم فيها من جهة، ولغيرهم ممن يستهدفهم الناجون من محرقة “هولوكوست” كبير من جهة أخرى.. نعم إنها سوف تتقاسم الجغرافيا، والنفوذ، والمصالح فيها، وأن أهلها قد أصبحوا حطبًا لنار حقد مستعر، وضحايا لصراع قوى دولية وإقليمية و.. إلخ.. ولكن الشعوب والأمم لا تموت، بل ينتثر دمها حين تظلُلم، وتذبَح، ليزرع الأرض، ويغلّ من بعد دمًا، وحقدًا، ومعاناة، وصراعات.
أما حرب السوريين، من أجل استعادة سوريا، وإعادة بنائها:”جديدة، أو متجددة، أو ما شئت من تسميات وتوصيفات لها”.. فهي حرب مؤجلة إلى ما بعد انتهاء المحرقة المستمرة التي تستهدف أولئك: البُناة، الأصلاء، الأصحاء “عقلًا، وروحًا، وقلبًا، وضميرًا، ورؤية، وانتماء”، ذلك لأن المقدّم في سوريا الآن، على كل ما عداه، هو أن يكون السوريون الوطنيون، الأصلاء، المنتمون بوعي إلى وطن الأوطان سوريا، “هوية، وثقافة، وحضارة”.. هو أن يكون أولئك وقودًا حرب الآخرين عليها، ومادة إبادة لقوامها، ومقوماتها، وقيمها.. حتى من سوريين لا يمتون إلى قيم هذا البلد العريق بصلة، بل هم في أضيق أزقته، وزواريبه، وفي أشدها انغلاقًا وكراهية وفسادًا وجاهلية.. ويصرون على أن يكونوا هم البلد الذي ينحرونه وشعبه، وهم يختلفون فيه وعليه، منطلقين من مساندة كل أعداء سوريا “الوطن، والقيم، والتاريخ، والعقيدة”، لهم علي ذلك، الذي هو محوهم الفعلي ومحو الوطن؟!
لكن ذلك البلد الذي يخالونه وينشدونه، ويفقد هويته على أيديهم، لن يكون له من سوريا الحقيقية نصيب يذكر، ولن يكونوا هم السوريين الوطنيين الحقيقيين الأصلاء، بل سيبقون الواجهات، والأدوات، وأصحاب التجارات بأنواعها، لا سيما التجارة بالوطن، والشعب، والدم، وبالسلع السياسية.. لأن الحاجة إليهم، في هذا الوقت، بين المتصارعين في سوريا وعليها، قائمة لأغراض، أسماها وأنبلها وأشرفها، يحتل درجة متدنية جدًّا في سلَّم الانحطاط.
نحن نفقد الكثير في سوريا، ونفقده على صعُد أخرى، إسلامية، وعربية، وإنسانية، وشخصية.. ولا يشعر بقيمة الفَقْد مثل من فَقَد، لا سيما إذا كان الفَقْد يرقى إلى مستوى الوطن؛ ولا يعرف مرارة الغربة مثل من فُرِضت عليه الغربة، فعُزل أو اعتزل بصورة ما، وأصبح “حرًّا في زنزانة وسلاسل وقيود”.. ولا يعرف فداحة الظلم مثل من حوصر بالظلم، وبالافتراء المدروس الذي يستهدف صورته، وتاريخه، وهويته، ووجوده.. ولا يدرك قسوة الحياة وآلام المعاناة، مثل من حوصر بالموت، وأُثقل كاهله بظروف العيش، وصار العجز لسان حاله، وقصور الرؤية أفقه البعيد، في كل ما يتعلق بأطفاله ونفسه ووطنه وأمته، وبأي منفذ نجاة له، مما هو فيه من ضيق وضائقات.
والله ولي الصابرين.

إلى الأعلى