الجمعة 21 يوليو 2017 م - ٢٦ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / الصُّوت السَّريع

الصُّوت السَّريع

ليست عادة الشَّمس ِأن تتوارى بطيئاً، تسحب معها ظلال الأولاد ِالعائدين من اللَّعب ِحول مساحة ٍترابيَّة تمسك خاصرة البيوت المتلاصقة. ولا عادة الأمُّ العودة مبكرًّا، بخطوات ٍمسموعة لها من الدَّرجات السيراميكية لبيت ٍيغطُّ في نومة ِالمساء الكسول.
بدأ الأفق يترهَّل ُعبر تجاور البيوت المترائية من النافذة التي غرقت ْفي عتمة السَّرير، ودولاب الملابس، ودوران عقارب السَّاعة المُثبَّتة على حائط حجرة ٍمكتئبة. فتنهَّد شهيقاً عميقاً، وشفط من القهوة المتصاعدة أنفاسها رشفة ًمتمهِّلة، وهو يترك النَّافذة القمرية إلى الباب المستيقظ بظلال متحرِّكة ترتسم تحت عتبته.
يشدُّ مقبض الباب متثائباً، وإذ هي مترائية ٌأمامه ُبتغضُّنات تطوي ملمح الوجه المتجعِّد خلف العينين المطفأتين الدائرة حدقتاهما حول مدار حجرة ٍراكدة. وخفيضاً، تسعل ُببحَّة تتعرَّج من حنجرة مثخنة:
- انزل وشاركنا يا ولدي، هذه المرَّة أخوك أحضر العشاء بنفسه من مطعمك المفضّل .. تعال، انزل، ما رأيتك منذ الصُّبح، لا نزلت ولا أكلت .. تعال لأجل خاطري.
طنَّ صوتٌ مهرولاً، سريعاً، شقَّ غشاوة الباب المتباعدة مسافته ِعن مسافة انعراجة تجاعيدها المتغضِّنة، ورنينه الحاد يصطدم بأذنيه، مُصدراً وقعاً مزعجاً:
- إيَّاك! إيَّاك! .. نسيت؟! نسيت؟! .. أأنا محتاجٌ لتذكيرك كيف فضَّلت ْأخاك على أن يتزوَّجها لا أن تتزوَّجها أنت؟! .. قل لها: لا أريد، ليست ْلي شهيَّة للأكل، دعوني أنام .. لا تنساها هكذا يا أبله!
حلَّ ضبابٌ كثيف، غزير، انزلق عبره الصُّوت ُالسَّريع ُإلى كثافة ٍأشدُّ، يتباين بياضها مع بياض جدران الحجرة المتمثِّلة بالجلسة المتربِّعة على سريرها، والنبرة الخفيضة المُسرِّحة ُلتنهُّداتها المستمرِّة، المتمهِّلة:
- أنت الأعقل .. أخوك مصرٌّ عليها .. سأختار لك واحدة أفضل منها .. تنازل عنها لأجل خاطري.
تشتدُّ الكثافة الضبابية، حائلة ًبين وقوفه ِإزاء الباب يهزُّ رأسه بإيماءة قبول خفيفة، وبين حافَّة السَّرير المنزلق نحو الباب الزَّاحف عبر الدَّرجات السيراميكية النَّازلة إلى الفسحة الخارجية بشجيراتها المرتعشة الأغصان، حيث مقعد السيَّارة وأعمدة إنارات الشَّارع المتتالية عن جانبيها، وصولاً إلى رمال ٍناعمة تحفُّ خطاه المتمهِّلة، والبحر ُيمدُّ يديه على الدمعة المترقرقة، على القمر المتراقص ضوءه فوق التَّموُّج المسترسل.
- أنسيت؟! .. هل أنا بحاجة إلى تذكيرك أكثر من هذا؟! .. أنت رضيتها على نفسك .. جبانٌ أنت .. كان على أخيك أن يراعيك لا أنت .. آه! لا أعرف حتَّى لماذا أقول هذا وأتعِبُ نفسي!!
الموج ينفث زبده على خطوتيه، وبرودة الرِّمال تتخلَّل أصابع قدميه. ولم يكن أحداً يُحاذيه غير دمعته التي نزلت ْمن عينه المغمضة، تترفَّق ُفي مشيتها وَهْيَ تربت ُعلى كتفه ِبحزن ٍمقبوض النَّفس:
- هوِّنها، امسحني، لا أتحمّل رؤيتك على حالة حزينة، اصبر، تحمّل لخاطر العجوز التي تحبّك أكثر من أيِّ شيء .. هوِّنها لتهون.
فتنهَّد بشهيق ِبكائه ِالمتقطِّع، والصُّوت السَّريع ُيرتجُّ بفورة الغضب ِالصَّافع لتلك الدمعة المترقرقة بنثار خطوتيه الممتزجتين برغاوة الموج المنحسر تدريجيًّا:
- صِهْ! ولا كلمة! .. قالت هوِّنها قالت! .. وما تعرفين أنت ِعن النيَّات؟! هاه؟! .. ضحكوا على صاحبك المسكين هذا .. العجوز تفضِّل أخيه عليه .. صِهْ! صِهْ! ولا كلمة أسمعها منك بعد الآن!
هواء ٌخفيف يمسح ُتغضُّنات الجبين، وعيناه المبتعدتان ِمع لجَّة الموج المتصافعة، ينبثق من عمقهما المخيف زفير ٌمسموع يلفظ ُوعورة تنهُّداته المستمرَّة. وكانت الرِّمال الناعمة تغرق في ذوبان سمائها المتلوِّنة بحمرة صفراوية تنزل ُبه ِوحيداً إلى عتبة الباب، حيث المسافة الصحراوية بينه وبين التجاعيد المتعرِّجة، وهو يجيبها بصوته الممطوط المتكاسل، محاولاً طيّ الصفحة على ذلك الشَّاطئ المتباعد:
- ربَّما لو لم يكن الإرهاق شديدا لنزلت وشاركتكم دون شك .. لكن .. كما ترين، أنا اليوم جد مرهق، ومحتاج لأنام قليلاً.
وردَّ شطر َالباب بلطف. تبدو بؤرة الحجرة المتساقطة ظلامها من مصراعي نافذة مفتوحة يُفضي خارجها إلى مساحة بحرية شاسعة، عند قارب ٍألوت به الأمواج ُنحو أبعاد ٍمتصايحة بذلك الصُّوت السَّريع المضمحلّ في صداه البعيد، المتباعد شيئاً، فشيئاً، دون أن تتمكَّن ُمخدَّة السَّرير كسر بلورة اليقظة من حدقتيه ِالمسافرتين إلى عتمة ٍأشدُّ من عتمة سقف هذه الحجرة.

منهل الرئيسي

إلى الأعلى