الخميس 25 مايو 2017 م - ٢٨ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / التوجه الوطني في شعر سعيد الصقلاوي (الرؤية ـ الأداة الفنية) (1)

التوجه الوطني في شعر سعيد الصقلاوي (الرؤية ـ الأداة الفنية) (1)

في الباقة المتميزة من شعراء عمان المعاصرين يطل علينا سعيد الصقلاوي بدواوينه التي بدأها – مع فجر شبابه – بـ (ترنيمة الأمل)، 1975 ديوانه الأول، وتلاه من بعد عبر الأعوام – دواوينه الثلاثة الأخرى على الترتيب – (أنت لي قدر) 1985، و(وأجنحة النهار 1999)، وأخيراً: (نشيد الماء)2004، حيث تبلغ أمواج المشاعر والأفكار أوجها. وقد تُرجم بعض من قصائده لينتظمها ديوان عنوانه: (صحوة القمر) 1996، أو بالحري The awaking of the moon)) كذلك ترجمت بعض قصائده إلى الفرنسية والأسبانية والأوردية.
وفي مدينة صور العمانية، وهي مصيد وميناء عريق يولد شاعرنا ويعيش طفولته على أرض عمان، وفي الكويت منذ عام 1963م. حيث يكمل تعليمه العام، بعد أن حفظ الأجزاء من القرآن. هنالك تتفتح بواكير موهبته ولما يزل في عمر الزهور، وقد بدت عليه علامات النبوغ لينال التشجيع ويحوز بعض الجوائز. وفي مصر، وفي القاهرة يتم تعليمه الجامعي في هندسة التخطيط ما بين عامي 1974، و1979م، وفي بريطانيا يواصل دراسته العليا ويحصل على درجة الماجستير في التصميم الحضري من جامعة ليفربول. ويعود الشاعر المهندس إلى وطنه ليتقلب في وظائف الهندسة وإدارة التخطيط، ثم يهجرها إلى العمل الحر ويصبح من رجال الأعمال، ولا يزال يقدم أوراقًا بحثية في مجالات تخصصه العلمية بينا يتلو شعره في الندوات، ويرتله في المجامع واللقاء الأدبية ومهرجانات الشعر ومنتديات الثقافة بعمان ودول العالم العربي، حيث تنشر له وعنه كبرى الصحف والمجلات.
امتزج الصقلاوي بالمناخ الثقافي الثوري في مصر وعمان والكويت والإمارات والعراق وسوريا والبحرين وغيرها من أقطار الوطن العربي، وتأثر حركات التجديد، واعياً دوره التاريخي تجاه وطنه ومجتمعه العماني والعربي معبراً عن رؤى الشعب وأتواقه وآلامه.

الرحلة:
كما طوف الصقلاوي بأنحاء دول عربية كثيرة، وعاش أعواماً ببعضها كالكويت – في تعليمه العامّ – ومصر، يتلقى تعليمه العالي في كلية الهندسة بجامعة الأزهر، فضلاً عن زياراته ورحلاته إلى أقطار العالم العربي، فلقد زار الشاعر الكثير من دول العالم غرباً، من ذلك: المملكة المتحدة، وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، وإيطاليا وإسبانيا، وألمانيا، والنمسا، وسويسرا، واليونان، وهولندا، وتركيا وغيرها، مما أثرى خبرته، وأضاف الكثير إلى وعيه، وأتاح له الاطلاع المباشر على الأدب الغربي في مدارسه واتجاهاته المختلفة، وأكسبه – مع سعة الثقافة وعمق الرؤية – دقة الحضارة ورهافة الذوق.

الدور الريادي:
كان سعيد الصقلاوي قدر قامته، وقوة مشاعره موقفاً واعياً مسئولاً بإزاء وطنه العربي، وبلده: عمان. فجاءت قصائده ودواوينه تعبر عن رؤية ملتزمة تنبع من حبه الكبير للوطن، للأرض والبحر، والجو، والإنسان، وتعرب عن أتواقه وطموحاته في الحرية والكرامة، ونبذ كل ألوان الاستعمار والاحتلال، والتدخل الأجنبي في أي بلد عربي.
لقد أرَّقت الشاعر – شأن رفاقه الأدباء العرب جميعاً – قضايا الأمة العربية في صراعها، وكفاحها من أجل الغد الأفضل للإنسان العربي في الحرية والكرامة، فراح يعكس هموم الشاعر العربي المعاصر، ويعالجها بأدواته الفنية المتنوعة وبدا واحداً من منظومة الشعراء المناضلين بالكلمة شأنه شأن حجازي وعبد الصبور والفيتوري، ونزار في شعره الثوري، وشعراء الأرض المحتلة.
لقد حمل الشاعر ولا يزال أمانةَ الالتزام الوطني، والتعبير الجمالي عن أخطر قضايا الأمة العربية فكانت ريادته الوطنية بين كبار الشعراء، “محتفظاً برباطة جأشه، مؤمناً بأمته، وبقدرتها على التحدي لأنها أمة عريقة، وصاحبة دور حضاري وستنهض من سباتها في يوم ما، ولذلك جاءت أغلبُ نِهاياتِ قصائدهُ موحيةً بالتفاؤل والأمل”
تلك ريادته الوطنية في الشعر، نضيف إلى هذا الدور، إضافته الثرية إلى المكتبة العربية حين أصدر كتابه الموسوعي “شعراء عمانيون” يجمع بين دفتيه تعريفاً وافياً، ودراسة تنتظم نصوصاً منتقاةً لأعلام الشعر العماني الحديث، بحيث يصبح هذا الكتاب دليلاً لدرَسة الشعر العماني والباحثين المتخصصين.
وحيث ينتظم شعره وقصائده اتجاهان كبيران هما: الغزل والمرأة، والاتجاه الوطني العربي، فلقد آثرنا الجانب الثاني لبحثنا التزاما بقضية: الوطن ومشكلات الواقع العربي ليقوم عليه هذا البحث خلال استقصاء للنص الوطني في كل دواوينه. نعرض للموضوع والقضية، ثم نستجلي أثرها – أعني الأثر المتبادل للمُحْتوَى – على أدوات فنه.

أمجاد عمان:
كان الشاعر يستدعي دائماً أمجاد عمان تشمخ في فكره ووجدانه، وتتراءى بعراقتها لخياله، فلقد كانت أول دولة آسيوية أفريقية يتبعها العديد من بلاد أفريقيا، يهاجر إليها أبناء عمان ويستوطنون بها، كما هو معروف عن هجراتهم إلى زنجبار، وكينيا، والجزيرة الخضراء، غير أن هذه المدن انفصلت عن سلطنة عمان في الستينيات – فيما بعد – نتيجة تآمر الاستعمار.
ودائماً يستشعر الصقلاوي أمجاد عمان حين كانت إمبراطورية بحرية كبرى، يستحضر عبق التاريخ، ويستدعي صورة الآثار العمانية الماثلة في الساحل الإفريقي، والآثار والقلاع في زنجبار وممباسة وغيرها حين كانت هذه وتلك في تبعية سلطنة عمان .. إنه المجد المفتقد يستحضره الشاعر ويستدعيه في مواطن عدة من شعره.

الرؤية
عمانُ الوطن في شعر سعيد الصقلاوي
يملك الوطن: عمان الأرض والشعب والأمجاد على الشاعر نفسه وكيانه بحيث يصبح الموضوع الذي يشغل دواوينه من البداية.
فمنذ سرت رعدة الشعر المقدسة في كيان الشاب العماني سعيد الصقلاوي وهو بعد طالب جامعي بدأ دراسة الهندسة في مصر، نراه ينشد فيما ينظمه لوطنه الحبيب: عمان أغنيات وجدانيةً تعبر عن أصدق الحب، وأعمق الالتزام، بل منذ كان طالباً في المرحلة الثانويةً نرى شعره يصدر عن تجربة إنسانية تعكس ارتباطه العميق بالأرض والزرع والبشر، لا يريد عنها فِكاكاً، وكأنما دفعه شعورُُ داهم بالغربة والنأي فراح ينشد في قصيدته: (قسم)
إلى متى أظلُّ في نأي عن الديــارْ
واللـوز والحسون والربيع في انتظارْ
والشوق في جنبيَّ يغلي الليل والنهارْ
أقسمت يا أرضَ الهُدَى ياَ مْوِطَن البهارْ
أقسمـت أنْ أثأََر للشيوخ .. والصغـارْ
أقسمـت أن أكون في طليعة الثُّــوارْ
يـا أرضُ أنتِ حُبِّيَ الكبيرُ والقَــرارْ

وعلى طريق توحيد الجهود الوطنية الصادقة بين أبناء الأمة الواحدة ينظم ابن الثامنة عشرة قصيدته (هيا بنا معاً) من منطلق الوعي الوطني والدعوة إلى وحدة الوطن وقوته من أجل الغد الأكثر إشراقاً والذي أصبحت تعيشه الآن عمان حاضراً يتنسم الشاعر مع مواطنيه عبقه، يقول سعيد الصقلاوي:
إلـى متى أنا وأنت يا أخي للريح لعبتـاْن؟
تقاذف الموج بنا في كل صوب دونما رُبَّانْ
مـن مشرق لمغرب، وكل واحد له عينـان
لكـن نور الصبح لا نبصره لأننا عميـانْ
إلى متى والجرحُ يا أحِبَّتي لمَّا يزَلْ يقظانْ؟

إنَّ سعادة الإنسانِ العُمانيِّ وشُعورَه بكامل الحرية، والاعتداد بوحدة بلاده، لهي دائماً هَدفُ الشاعر وهو يخاطب مواطنيه من عمق ضميره الوطني:
لكـي نشيـد وحـدة قوية عزيزة الأركـان
نـود لو يطيب يـا أحبتـي فتزهر الجنـان
نود لو يطيب كي يغرد الهوى على (سمحان)

أما الهدف النبيل فيلقانا في معادل تصويري شعري، على بساطته شديد التأثير في قلوب المتلقين، حيث يتصاعد النغم الوطني أغرودةً عذبة الترتيل:
مـن أجل وردةٍ جميلـةٍ تذيب قلبهـا الأحـزان
من أجل غصن ذابل، من أجل طير يابس الشريان
من أجـل سمـراءِ الخليج، مهجتي حبيبتي: عمان

ومن بواكير قصيدة الشعر التفعيلي في عمان تلقانا مع بدايات الشاعر القوية، ولما يبلغ العشرين قصيدته العنوان: (ترنيمة الأمل)، يعكس معاناة الواقع الطامح إلى الأفضل مهيباً برفاقه أن يشاركوه أتواقه من خلال هذا الرمز العماني:
(سنبوك) أبي مازالت ترسُفُ في الأغلالْ
كَلمِـي مازالــتْ ذاوِيةَ النظراتِ
من يبعـث فيهـا بعـض حيـاةِ
ويعيد إليها بيــضَ البَســماتِ
مَـنْ منكُـمْ مَنْ؟ مَـنْ منكُمْ مَنْ؟

وفي مناجاة رومانسية ينجلي خلالها رمز العشق (ليلى) مُتَوجَّهًا إليها بمناداته، وخِطابِه الشعريِّ الوطنِّي:
(ليلـى) يا حبي الأخضر
يا قلبـاً بالإيمان تفجـر
يا نهـر حنـان يتحـدر
مـن خلـف سجـوف الحزن ينـاديكِ
من قاع الألم الأصفر في الأعماق أناديكِ
آهـــاتُ مـذبوحـــه
أنـــاتُ مبـحوحـــه
تتــحجَّر فــي حلقــي
تتسلل في نغمات (اليامال)..

ولأن الشاعر ضميرُ بلادِه النابضُ بالشُعور الجارِف المسكون بالوعي، وأحرى الناس أن يرى مستقبل وطنه مشرقاً ترفرف عليه راياتُ الرفاهية، ومن خلال المعادل التصويري في القصيدة تلقانا – رغم المعاناة – رؤية الشاعر الباسمة:
الفجـرُ الكامِنُ في أحداقِ الأطفال سينبثقُ
والنــوُر الـدَّافِقُ في الأعـراق سَينْطَلِقُ
يسقي أزهارَ الفُلّ الغرثي
ويُحيــلُ الصحــراءْ
جَنَّاتٍ خضراءْ..
تتراقَصُ فيها الأحلامُ صباحاً ومساءً
حيــث الحُـبُّ عيـونُُ تتبسَّــمْ
وطيــوفُ بالأَملِ الـورديّ تَـرنَّمْ..

وما أعذب العزفَ الوطنيَّ تذكيه مشاعرُ الحب وإجلال الوطن، تتصاعد معه نغمات الكبرياء لتتحوَّل قصيدة سعيد الصقلاوي (تحية إلى عمان) نشيد الإيمان والفخار يتفجر بكل معاني البطولة:
اللهَ يا وطـنَ الكفـاح وباعثاً رُوحَ الفِـدا
يا غَضْبةَ الجبَّار في وَجْـهِ الطُّغاةِ تَمـرَّدا
يا شُعلَـةَ الأحْـرار قد دمَغت دُجانا الأسودا
سيري إلى العلياء وانتَهجي السبيلَ الأرشدا
سيـري بعزمـةِ مُؤْمنٍ في الحق لن يَتردَّدا
بالنُـور يجلو المحنة العمياء يعصِفُ بالرَّدَى
بالحُـبِّ بالإيمـان في مُهَج الشبـاب توَّطدَا
ولَكِ الحياةُ لَكِ الخلـودُ لَك العـلا رغـم العدا
وإلى ديوانه الثاني (أنتِ لي قدر) .. حيث تلقانا قصيدته (وطني): وهي في وزن الكامل المجزوء – ترنيمة حب وفخار لعمان الوطن، وأغنية إكبار للقائد منها:
وطني الذي شرف الفخار به على طول المدى
صيغت مــآثره على جِيدِ الزمـانِ قـلائدا
فإذا دجا ليلُ العزائم كُنتَ يا وطنـي هُـدَى
وإذا ظمي غرسُ الشمائل كنت أنت الموردا
قابـوس أسرج للعـلا عزماتِـه فتفـردا
والشعب يمضي خلفه مترسِّمًا يطوي المدى

ويفصح سعيد الصقلاوي عن موقف الفنان من الكون، والوطن، والتاريخ يؤازره كبرياءالكلمة المعبرة، وتميز الصُوَر المبهرة، وتفعيلات بحر (الرمل) المجزوء، يقول من قصيدته (الشاعر):

قِفْ وغِّردْ فوقَ فرع الدَّهْـر لا تخشَـىْ مكــابرْ
طــاول النجــم ارتقــاءً بَـلْ وساميهِ وفاخِرْ
وتفّــرد فـــي ذرا الفــن مليكـاً للقياصـرْ
احمــل الحـرف المعنـي مشعلاً يهـدي الدياجرْ
وارُسْم الأحـداثَ لوحاتٍ علــى كــلّ المنابــر
واسكـب الإْحَسـاسَ شهـداً في كـؤوسٍ من جواهِرْ
واغـرف الإخـلاص لحنـاً فـي قلـوب وحنـاجر
وامشِ فــوق الشمـس والأمـطارِ والموجِ المغامرْ
وتسنِّــمْ هامَـةَ التــاريخ رَمْـزاً للمفـاخِـرْ

وتتصاعد نغمة الكبرياء، يعرف الشاعر فيها قدر نفسه وقدر فَنّه، وهو يعلن مكانة الشاعر في الكون:
أنتَ يا صَوْتَ الضَّميرِ الحُرِّ فينا ألفُ شاعرْ
إِّننـي أبصَـرْتُ كَوْناً فيك بالآيـات عابِـرْ

أما قصيدة الصقلاوي الأخرى من نفس الديوان، فكان حرياً به أن يجعل عنوانها: (إلى عمان)، وهي القصيدة الأولى في الترتيب، وعنوانها: (إهداء) حيث تذوب نفسه الشاعرة حباً لوطنه في نغم رومانسي تتابع فيه دفقات قلب العاشق (عمان) تسري في جنبات نفسه، وفي حنايا ضلوعه وهو يتوجه إليها خلال هذا المزج الشعوري الرائع يتفجر مع نغمات وزن (المتدارك) هوىً يسكنه الخلود:
إنـي مجنونُـك يا حبّــي
يا من تستوطــن في لبّـي
يا من تستلقـي في هدبــي
يا مـن تتدفـق في قلبــي
يا مَرْسَى روحي في الكـربِ
يا عطـر التاريخ الخصـبِ

ويحاول الشاعر نوعاً من التجديد العروضي وهو يختصر تفعيلات البيت الشعري إلى خمس تفعيلات: (فعلن) بدلاً من ثمانٍ بينما يغير القافية وهو يتوجه بخطابه وقفاً على محبوبته (عمان) متخذاً كاف الخطاب المكسورة، قافية وإيقاعاً يقف فيه على وطنه:
أقسمت بحقك لا أرضـى بسـواكِِ
لا أعرف لحنـاً فـي عمـري إلاكِ
لا أرسُـمُ حرفاً مـا فيـه ذكـراكِ
وعيوني لا يشرق فيها غير سنـاكِ
وعروقي لا يهدُرِ فيها غيرُ هـواكِ
وفـؤادي لا يتنفُـس غيرَ شــذاكِ
عنوانــي فـي كل الدنيـا: عينـاكِ
يا حـرز حياتــي النوراني.. وملاكي
فأنالكِ منـكِ أغنى..
وأنا لكِ أُهـدي فني..

وحين يروم المرء أغنية عذبة صادقة، يناجي بها محبوبه الكبير: وطنه، ويرتلهاعلى مسامع بني وطنه في أعذب تلحين، فلا أحسبها تكون شيئاً أفضل من قصيدة:
(الخليج) .. بديوان شاعر عمان المهندس: (أجنحة النهار) فهي من أجمل ما نقرأ ونسمع من شعر الوطنية ومنها يقول:
الواهبون المبدعون ضميرهم: اللهُ، والأوطـانُ، والإنســانُ
والمبحرون إلى مرافئ فخرهم لا الريح تَثنيهم،ولا الطوفــانُ
وطني الحبيب سواحلا وخمائلا ومواكبا قـد عـزها الرحمـنُ
ذَوّبْتُ حُبََّكِ في الشّغاف، وفي دمي أزلا به يستـعذب الخفقـــانُ
وزرعته بين الخلايا نخلةً شَمَمُ العُروبَةِ هاُمهـا الفَيْنـانُ
وحَمْلتُه أَلقَ الصَّباحِ طَهارةً يسمو بنورِ جـلالهِ الوِجْـدانُ

فهذه الأبيات تعكس نقاء نفس شاعر رومانسي يعبر في تركيز بليغ عن وجدان مشرق في شفافيته وصدقه. وهو يقول لنا بداية إن ما يملأ ضميره المخلص لهو أغلى الموجودات الثلاثة: الله، والأوطان، والإنسان .. ونراه مولعاً بعمان وطنه الحبيب: سواحله وخمائله ومواكب عزته من بني شعبه بل يستمد من مفردات الطبيعة في عمان مفرداته وإيقاعاته وصُوَرَهُ مُبْحِراً إلى مرافئ زهوه وفخاره تارةً، ومُذِّوباً حُبَّ وَطنِه الأزليَّ في دمه وخلايا تكوينه نخلاً عربياً مرتفع الهامات تارة أخرى، وهو في كل أولئك يمتح من معين الألق، والطهر، والسماء، والنور ليصل بعزفه الوطنيِّ إلى شغاف القلوب.
ويأتلق الزمانُ – إلى رَوْعَةِ المكانِ – فيشرق التاريخ في خاطر الشاعر آياتِ مجد تجتمع فيها كل العصور والأزمنة.
بينما الشاعر في عمق عاطفته وتدفقه النغمي واستغراقه العاطفي يْفجأُنا بالجديد الرائع من الصور والتعابير:
آيات مجدِكِ أْشرَقْت في مهجتي وجرت بها الأعراقُ والشُرياُن
أنتِ العُصورُ جميُعها في خاطري وأنا عشيقك، والهوى إدْمانُ
ولقد كتبتك ألف حرف صارخ: الحق سيف، والسنا برهانُ
غطى الزمان طموَحنا بجناحِهِ وطُمُوُحنا أنْ تُفْتَح اْلأَزْمانُ

وِلأنَّ الشاعر ضميرُ أُمَّتِه، يستشعر بأعماقه مفردات حاضره، يستشرف دائماً أبعاد الغد المتجدد بالخير لبلاده، فإن هذه النفسَ المُتَّقدَةَ بالحَيوِيَّةِ والحُبِّ تَتماهَى مع الوطن الغالي: أرضاً وشباباً، قيادةً وْشَعباً في (هولو عماني) يختم بعبقه القوي ديوانه: (أجنحة النهار)، وهو يعلن عن هذا التماهي الصوفي القوي، وذلك الالتحام بالقلب والقالب، منذ مطلع القصيدة:
من نهر روحيَ أروى السفح والكَتْبا ومن رموشي أمد الجسر والسَببَا
وفي ضلوعي فروعُ الباسقات سمتً تعانق البحر قلباً، والسَّهَى هَدبا
وكم تمرَّغَ وجهي في مآثرِها وَكمْ تَشَّرب عِرقي حُبَّها العَذْبا
إذا سمِعْتُ هديرَ الموج أُبصرها وإن نظرت إليه أسمع الحقبا
وما تنفس صدري غيرَ عاطرها ولا ترَّنمْتُ إلاَّ باسمِها طَرَبا
إذا حصاها اشتكى أصيح: واكبدِي وإن سناها خبا ألقى لها الشُهبا
نسجْتُ من لَوْنهِا شِعري وذاكِرتي وصُغْتُ مِنْ لَوْنها التاريخَ والِّنشَبا

ويا لها من رؤية تنبع من تجربة نابضة بالحب واليقين في سباق مع الزمن، ترقُبُ عزائَم الشباب، وتُبارِكُ أحلامه الورديةَ وتذوب في سناها:

أرى البراعم من أكمامها انطلقت لا تستجيب إلى غير السنا طلبـا
تُفتـّشُ الفجرَ عن ياقوتِ بسمتهِ وتفضح اللَّيلَ في ثكناته لهبــا
تُطَـرِّزُ الأُفقَ من إبداع ريشتِهـا وتُمِطر الدَّهرَ وَرْداً والمدَى ذهبا
وفي رحلة الشاعر مع الحياة، وفي صراعه المغالب مع الزمن تشرق صورة بلاده، وطلائعها الوثابة دائماً سُمُوقاً في الهمم، وجلالاً للأرض، ونبتها الطيب مع صورة الناس والطيور والطيوب والزهر خلال عزفه الرائع على تفعيلات وزن (البسيط) ومع بكارة العبارة، وروعة البنية الأسلوبية والإيقاعية:
سافرتُ من زَمَنٍ يرقَى إلى زَمـنٍ ما غِبْتُ عَنْهُ، ولا عنّي اْختفَى هربا
فوق الصواري يمد الحلمُ أذُرعَـهُ إلى مراقي الغَـدِ الضَّحيانِ منجذبـا
وكـم تَشَّوْفُت عـن بُعْـدٍ طلاِئَعُه وكـم ترَّقبْتُه في مُهْجَتــي دَأبــا
يصافُح النجَم مخفـوراً بعزَّتــه ويلَثَـمُ الأرضَ مُخْـضَرّاً ومُنْسَكبـا
آمنتُ بالشـعبِ وثَّـاباً لنهضتـه وبالقيادةِ شعبــاً للعُــلا وثبــا

أما ختام المسك في القصيدة، وتمام العزف فهو هذا البيت:
من خمر روحي أساقيها الهوى عذبا
وأحمل الحب وضاءً وملتهبا
ويا لها من معزوفة وطنية قوية حقيق بشبابنا وطلابنا في المدارس، والمعاهد والكليات أن تكتحل عيونهم بقراءتها، وأن تعيش مع الفجر المُتَجِّدد بالسنا رُؤَاها وأنْ يحتَفِظَ شبابُ الوطنِ بها مع كل غالٍ وثمينٍ في خزائن صدورهم وعقولهم.

د. عبدالفتاح الشطي

إلى الأعلى