الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / يقينا وليس نفاقا ..عمان كانت بالفعل زمنهم الجميل

يقينا وليس نفاقا ..عمان كانت بالفعل زمنهم الجميل

حين يتلقى مدير أي مكتبة عامة هذا الكتاب فربما واجه مشكلة صغيرة تنضح بهذا السؤال : في أي فئة يبند؟، وأي جناح من المكتبة ينبغي تسكينه؟ والكتاب المعني هذا الذي صدر عن الدار المصرية اللبنانية منذ أيام وعنوانه ” عمان في عيون مصرية ” الكتاب جمع مادته وقدم له الناقد الكبير الدكتور أحمد درويش، ومادة الكتاب تجارب ثرية للغاية لثلاثة وثلاثين مثقفا من النخبويين المصريين أمضوا شطرا من سنوات العمر في السلطنة، بعضهم، كثيرون منهم – من بينهم كاتب هذه السطور – يرونها زمنهم الجميل ، وكل الذين احتشد الكتاب بتجاربهم “العمانية ” حين عادوا إلى مصر شغلوا مواقع قيادية رفيعة، من هؤلاء الدكتور محمد صابر عرب وزير الثقافة المصري الأسبق، والذي أمضى خمس سنوات أستاذا للتاريخ بجامعة السلطان قابوس والمخرج المسرحي الراحل الدكتور هاني مطاوع الرئيس الأسبق لأكاديمية الفنون بمصر ومؤسس قسم الفنون المسرحية بجامعة السلطان قابوس، والدكتور أحمد بهاء الدين خيري الرئيس السابق للجامعة المصرية اليابانية للعلوم والتكنولوجيا، والدكتور أحمد كشك عميد كلية دار العلوم الأسبق والأديب الكبير يوسف الشاروني والدكتور سعيد توفيق أمين عام المجلس الأعلى للثقافة الأسبق ، ومن الكتاب الصحفيين محمد الهواري رئيس مجلس إدارة دار أخبار اليوم الأسبق والرئيس الحالي لأكاديمية أخبار اليوم. وسامي حامد رئيس تحرير جريدة المساء وفتحي سند رئيس تحرير صحيفة أخبار الأدب الأسبق والدكتور مجدي عفيفي رئيس تحرير صحيفة أخبار الأدب السابق ومحمد علي ابراهيم رئيس تحرير جريدة الجمهورية الراحل، وبلغ الأمر من أهمية المواقع التي شغلها هؤلاء وأيضا أحاديثهم الدائمة والمفعمة بالحب عن تجاربهم في السلطنة أنني كنت أطلق عليهم مازحا “اللوبي العماني في مصر”.
وعودة للسؤال : في أي فئة يبند كتاب الدكتور أحمد درويش، التاريخ ، الأنثروبولوجيا في شقها الثقافي ،السيرة الذاتية ، الرصد الصحفي لتجربة الحداثة العمانية ، التحليل السياسي، الاقتصادي من خلال تصفحي للكتاب يمكنني القول أن متنه من كتابات المثقفين المصريين مزج من كل هذه العلوم والتصنيفات .. سطرت بلغة وجدانية دافئة سبحت بقارئها إلى أفاق من الرومانسية غير المعهودة في مثل هذه النوعية من الكتابة، الكتابات تبدو عبر السطور ليس فقط رقرقة أنهار من المشاعر الدافئة، تجاه عمان ، الحكومة والشعب والتاريخ والجغرافية ، بل ورؤية موضوعية لما يجري في الأقاصي الشرقية لجغرافيتنا العربية …وألح على عبارة “رؤية موضوعية “.. ففي أمر مثل هذا قد يتعجل البعض الحكم على مثل هذه الكتابات ويتهم أصحابها بالرياء، وأجزم من خلال قراءتي ومن واقع قربي الإنساني لكل من أسهموا بسطورهم في الكتاب بأنها بالفعل رؤى موضوعية تماما إن فاضت بالمشاعر فمن أنهار الحب تنبع وليس الرياء ..خاصة وأن الكثير منا انقطعت سبل العمل والمصالح المادية بينهم وبين السلطنة فإن تحدثنا اليوم وغدا فمن أنهار المشاعر الجميلة نستمد كلماتنا. وأظنه الدكتور أحمد درويش مهندس مشروع الكتاب الذي جمع مادته وقدم له كان دقيقا في تجسيد هذه المشاعر حين قال في إهدائه: إلى أهل عمان الطيبين بدماثة خلقهم وحسن معشرهم وحبهم للعلم وتذوقهم للأدب : حللنا بينكم زمنا فحللتم في عقولنا وقلوبنا إلى الأبد” وفي مقاله ” عمان في عقلي ووجداني ” يستحضر حديثا للنبي الكريم ليعبر عن تلك الظاهرة الفريدة : ” ..كان يقال دائما ألسنة الخلق أقلام الحق، وهاهي شريحة من الشهادات العفوية تدل على أن أهل عمان حلت عليهم بركة دعوة الرسول الكريم ،وأصبحوا موضوع القبول والرضا والمحبة من كل ما يتواصل معهم من قريب أو بعيد ” وفي مقالته المعنونة ب” تجربتي في بلد أحببته ” يرصد أ.د محمد صابر عرب وزير الثقافة المصري الأسبق نجاح السلطنة في تحقيق واحدة من المعادلات الصعبة التي تمثل تحديا كبيرا أمام أي دولة تسعى للنهوض حين يقول ” الأصالة والمعاصرة هو الشعار المناسب لهذه الملحمة الرائعة ..بلد حريص على أصوله وثقافته الدينية والاجتماعية ..وفي نفس الوقت لايجد تعارضا مع المستقبل الذي يستوجب الأخذ بكل تجارب الآخرين ”
وفي مقالته المعنونة بـ “مسقط وعشق المدن ” يقول المخرج المسرحي الراحل د.هاني مطاوع ” صاحب مسرحية شاهد مشفش حاجة “والذي كان رئيسا لقسم المسرح بجامعة السلطان قابوس ” .. كانت مسقط فوق ذلك مدينة تحنو على كل من يقصدها وتوزع ابتساماتها علينا واحدا واحدا مثل الجيوكاندا تخص كل واحد منا بنظراتها الحانية ،كانت تحنو علينا بجناحيها كالإوزة الرؤوم تبعد عنا غائلة البرد والأنواء ،فكيف لا أقع في عشقها !تصورت مسقط مثل شانجريلا المدينة التي لايشيخ فيها أحد ” . وهذا بعض ما قاله الأديب الكبير يوسف الشاروني عن العمانيين من خلال معايشته لهم “.. والعماني في معظم الأحيان – بعكس قيظ شمسه التي تلهبه – هاديء الأعصاب أو على الأقل خافت الصوت قليل الإشارات ، أما عصبيته إن وجدت فلابد وأنه يمور بها داخله ، ولايكاد يفصح عنها خارجه ، لهذا فشوارعها هادئة ، الناس فيها يتصايحون ، وإذا وقع حادث لايتشاجرون بل يتشاكون أو يتفاهمون ، مما يشعرك أنك في بلد شعبه دمث ،مهذب عريق الحضارة “. ولا يتحدث الكاتب الصحفي محمد الهواري رئيس مجلس إدارة أخبار اليوم الأسبق فقط عن تجربته كصحفي في جريدة عمان التي استمرت تسع سنوات..بل أيضا عن انطباعاته عن هذا البلد الشقيق من خلال زيارة قام بها لمسقط بعد مغادرته لها بما يقرب من العقدين حين يقول ” ..ولم يكن غريبا عندما زرت السلطنة عام 2009 بعد مغادرتي لها عام 1990، أي بعد أكثر من 19 عاما أن أشاهد كل هذا التقدم المذهل ، حتى أنني لم أتبين أي موقع من المواقع القديمة التي عشت فيها طوال ثماني سنوات ، فكل شيء تغير ،حتى الإنسان العماني أصبح أكثر تقدما والتصاقا بالعولمة ، ينهل منها ما يفيد وطنه وشعبه ” . ويكثف الكاتب الصحفي سامي حامد رئيس تحرير الزميلة المساء تجربته العمانية باقتدارفي ثلاثة أسطرتالية “عشرون عاما قضيتها في بلدي الثاني “عمان ” كما يحلو للعمانيين استخدام هذا التعبير للترحيب بضيوفهم ..ولن أبالغ إن قلت إنني كثيرا ما شعرت بأنني أعيش في بلدي ووسط أهلي وعشيرتي، فالعلاقة بين العمانيين والمصريين علاقة خاصة جسدتها القيادة السياسية في البلدين..نراها جلية صافية بين الشعبين الشقيقين ” .
وتحت عنوان “تجربة حياتي في عمان ” يرصد أ.دإبراهيم بركات خلال إقامته في السلطنة ظاهرة تكاد تكون فريدة ” تقطع عمان روحة وجيئة فلا يروعنك شيء وأنت حال بها ،وإنما سلام لكل إنسان ،وأمان لكل موجود ،وأمن حقيقي في كل بقعة ،تفرغ بهما للاستمتاع بكل مظهر حضاري،وتعجب لهذا التناسق البديع الذي أبدعته يد الإنسان ،لايشغل بالك وقوع أذى أو ضرر أو إرهاب ، الكل في عمان يؤمن بالسلام ، السلام الشامل العادل الذي يحفظ حق كل إنسان “. وينتهي د.بركات إلى القول ” ..بلد توجد بين سكانه وأهله ،فلا تشعرن إلا أنك قد نشأت وترعرعت فيه ..” ولا أخفي ..حين انتهيت من قراءة الكتاب ..عدت إلى ما كتبته “صفحة 127″.. أتأمل العنوان ” زمني الجميل ” ..يسكنني الشعور بالارتياح ..فهذا كان شعورهم أيضا ..سنواتهم في عمان ..كانت زمنهم الجميل .

محمد القصبي

إلى الأعلى