الجمعة 22 سبتمبر 2017 م - ١ محرم ١٤٣٠ هـ
الرئيسية / أشرعة / أيديلوجيا الخطاب في (الإشارة برتقالية الآن) للكاتبة هدى حمد (1 ـ 2)

أيديلوجيا الخطاب في (الإشارة برتقالية الآن) للكاتبة هدى حمد (1 ـ 2)

“الإشارة برتقالية الآن” هو العنوان الذي اختارته هدى حمد ليكون عتبة أولى إلى مجموعتها القصصية، المكونة من أربعة عشر نصًا قصصيًا قصيرًا، والصادرة عن مؤسسة الانتشار العربي بطبعتها الأولى في 2013، وسبق لورقة نقدية أن تناولت هذه المجموعة، هي ورقة د.محمد زروق، ركز فيها على ثنائيتي الوهم والواقع التي تنسج عليهما الراوية حكاياتها، وفق وجهة نظر بنوية، أما هذه الورقة فإنها تتوسل مناهج نقدية أخرى ترنو إلى الكشف عن البنية القارة في باطن هذا الخطاب، إذ كل خطاب –أيا يكن- هو خطاب ينطوي على أيديلوجيا ما، كما ينبئنا بذلك بيشو، ويؤكد عليه زيما، مهما حاول صاحب الخطاب التملص من ذلك، إذ إن الخطاب، أي خطاب، أيديلوجي أو لا يكون، على أنني لا أقصد بالأيديلوجيا المعنى المرادف للدوغمائية، وإنما أقصد بها المعنى المطور لمفهوم رؤية العالم كما قدمه لوسيان غولدمان، حين كان يريد برؤية العالم “مجموع التطلعات والمشاعر والأفكار التي تجمع بين أعضاء المجموعة الواحدة.. وتعارضها مع المجموعات الأخرى ” 1، إذ جرى تطوير مهم لهذا المفهوم لدى زيما، خلص فيه المفهوم من صفته الجمعوية، أي ارتباط الأفكار والمشاعر والتطلعات بمجموعة معينة، كما خلصه أيضًا من أحادية البث، فلم يعد هذا المفهوم دالا على بث العمل الأدبي لمحمولاته الرؤيوية/ الأيديلوجية، وإنما أصبح العمل الأدبي ميدانًا للحوارية الباختينية، إذ يؤكد باختين وخلفه جوليا كريستيفا وزيما أن العمل الأدبي تحاور بين نصوص مختلفة وبتعبير زيما أيديلوجيات مختلفة، يقوم العمل لها موافقًا أو متهكمًا معارضًا.
لا يعنيني كثيرًا العرض النظري في ورقة لا يراد منها أن تتوسع في ذلك، كما أنني أحرص على تلافي تهمة أنني أسقط مناهج معينة وأقدد العمل الأدبي على هيئتها لأبرر شرعيتها، أو أنني أحرص على التناول الموضوعي بعيدًا عن النواحي الفنية كما هي التهمة التي ما فتئت تُردد على المناهج الاجتماعية؛ ولذا سأتجاوز الخط الطبيعي لعلم اجتماع النص فأفيد من السيميائية الكَريماصية بما رأيته مناسبًا للخطاب الذي تعرضه هذه المجموعة القصصية. عقب القراءة الاستطلاعية الأولى للمجموعة لفت نظري مركزية المرأة في الخطاب، وهو أمر سبق أن التفت إليه د. زروق في ورقته السالفة الذكر، إذ تتمركز المرأة في محفل الفاعل على مدى إحدى عشرة قصة من مجموع أربع عشرة، إضافة إلى القصة المكتوبة في الغلاف الأخير للكتاب، وهو أمر له دلالته على صعيد التناول النقدي المهتم بنقد الخطاب.
الأديب، كما النص الأدبي، نتاج تحاور بين أيديلوجيات مختلفة، شأن الكائن البشري عامة، الفارق أنه يبدو أكثر وعيًا بتلك الأيديلوجيات؛ وعادة ما يتخذ تجاهها موقفًا معينًا، تهكمًا أو رفضًا أو موافقةً، مع مراعاة أننا لا نتشكل من أيديلوجيات قارة، قدر تشكلنا من أيديلوجيات متداخلة يفيد بعضها من بعض، غير أن الأديب الذي يسمه لوسيان غولدمان بـ(العبقرية)، وهو معه رديف الانسجام النصي الذي يتجلى في أعماله، عادة ما يكون قادرًا على القبض بالوعي الممكن الأقصى لمجموعته، وإن شئنا التخلص من المتلازمات الماركسية تحدثنا عن الوعي الممكن الأقصى لمجتمعه، أقصد الطموحات والآمال التي لا تبين في خطاب المجتمع بقدر ما توحي به أفعالهم وتطلعاتهم الإشارية، إذ أصبحنا نعلم منذ البنوية التكوينية أن للمجموعات الاجتماعية وعيين: وعيًا واقعيًا : وهو المعيش الحاصل في تفاعلاتهم المعيشية اليومية، ووعيًا ممكنًا أقصى: يقوم على الطموح والتطلعات التي تتخطى المعوفات المعيشة في الوعي الواقعي، وهو لا يبين في الحد العام سوى في الأعمال الفنية والفلسفية والأدبية.
هنا بالضبط سأرتكز وأنا أنظر في مجموعة هدى حمد، إنني وأنا أفعل هذا لا أقتل المؤلف/ة ، كما يحلو للبنويين الشكلانيين أن يفعلوا، بل أفعل ما يعبر عنه السيميائي أحمد يوسف في محاضراته بـ”وضع المؤلف بين قوسين”، إذ أستدعي المؤلف إلى عمله كلما نادته نصوصه، وهو أمر ملح في التناول الذي ينحو منحى مدارس علم اجتماع النص بكل تجلياتها السيميائية والنفسية.
آنئذ علي أن أنوّه أنني أنظر إلى مجموعة (الإشارة برتقالية الآن) على أنها نسق منسجم ينتظمه خطاب واحد متسق، مفترضًا هنا صحة ما ذهب إليه غولدمان مستفيدًا من جورج لوكاتش في حديثه عن ضرورة وجود الانسجام في الاعمال الأدبية العليا للأدباء القارّين، إذ أن تنحو إحدى عشرة قصة منحى خطابيًا واحدًا يتشابه في الفاعلين والنموذج العاملي ليس بالأمر الذي تتخطاه عين الفاحص، عدا عن كون الثلاث قصص الأخرى (ألوان شمعية، وسواس، الموزة المعلقة في السماء) لها هي الأخرى صلة بعموم النسق الناظم للخطاب، وهو ما تؤيده القصة التي اختارتها المؤلفة بعناية لتكون ختامًا لخطابها القصصي، فتقول بإشارات أوضح ما أخفته القصص الأخرى.
لا يفوتني هنا الإشارة إلى الجندر (الهوية الجنسية) الذي تنتمي إليه الأديبة هدى حمد، وهو أمر ليس له دلالته النقدية ما لم يكن في الخطاب ما ينحو به منحى معيّنًا بينًا، كما أننا نلحظ في هذه المجموعة منذ عتباتها الأولى أن الجندر نفسه مسيطر على الآتي:
- العنوان: “الإشارة برتقالية الآن” .
- الصفحة التعريفية: نلحظ الجندر في كل المدون من الملفوظات بالعربية الحرفية عدا ما ذكر في خانة تصميم الغلاف: الأديبة، العنوان، المدقق اللغوي، المؤسسة الراعية، المؤسسة الناشرة، بلد النشر، الطبعة.. مع مراعاة حجم الخط.
- الاستهلال المختار من ماركيز :”ما دمت مع امرأة، فلن يصيبني مكروه”.
وكل هذه ملحوظات قد تمر مرورًا غير ملفت ما لم نجد في مكتوب الخطاب ما ينحو بها منحى معينًا يرجح التوجه الذي تشي به.
من ملحوظات كهذه ربما سيتكون للقارئ مؤشر عن فحوى الخطاب القادم، ثمة تساؤل ملح قد يتشكّل: هل أنا كقارئ أمام خطاب يصدر من الجندر؟
الإجابة على هذا السؤال لن تكون دقيقة ما لم أجد لها من الخطاب القصصي ما يؤكد وجهة معينة فيها، وهو الأمر الذي أفترض أن القارئ سيلمحه على امتداد إحدى عشرة قصة، إضافة إلى قصة الغلاف، موزعة موضوعاتها على نواح اجتماعية عدة ينظر إليها من زاوية نظر المرأة، في صيغة القاص العليم تارة، وفي صيغة الشخصية المتكلمة تارة أخرى، إذ تطرقت القاصة إلى موضوعات (الدجل والإشاعة، دور الشغالة المنزلية، الإهمال الذي يطال المرأة، الحب، العرس، جسد المرأة، العنصرية، العلاقة الزوجية، الشذوذ، دور التربية الذي تقوم به المرأة)، وهي موضوعات وإن خرجت من تفاعلات المجتمع عامة إلا أنها موضوعات تلج الخطاب النسوي وتفعل فيه حراكًا مهمًا، كونها من أهم الموضوعات التي تسم الخطاب النسوي.
لست هنا بصدد النقاش حول مشروعية تبني خطاب نسوي من عدم ذلك، ما يهم أنني أمام تجلٍّ مهم من تجلياته الأدبية، إذ يمتد أثر هذا الخطاب على مستوى المجموعة على شكل إشكالات اجتماعية وفق الآتي:
1. حبة الرمان: مشكل إخضاع ما يخص المرأة لتفسير غيرها
2. امرأة في بيت نفيسة: مشكل المرأة في بيتها
3. في بيت سعيد: مشكل مشاعر المرأة وإهمال الرجل لها.
4. عُرس: مشكل جسد المرأة
5. مِفتاح الكلام: مشكل خضوع المرأة للخطابات السائدة
6. طارش: مشكل العنصرية التي تقف في وجه حب المرأة
7. رسائل وردة: مشكل طفولة المرأة
8. واحد اثنان ثلاثة: مشكل جسد المرأة
9. مكياج: مشكل الزواج التقليدي الذي تخضع له المرأة
10. طوفة: مشكل مشاعر الرجل مع المرأة
11. يدان: مشكل دور المرأة في المجتمع
إننا في واقع التجلي النصي أمام خطاب يتبنى طرحَ وعيٍ واقعي للمجتمع في تعامله مع المرأة، عبر جملة الإشكالات التي عرضتها أعلاه، إلا أنه يطرح هذا الوعي الذي يتشكل على شكل أيديلوجيات تُشيء المرأة عبر خطاب يستبطن التهكم بينما يوارب بالموافقة، إذ لا تأتي صيغ التهكم على نحو خطاب يَبين وفق التجليات المعطاة نصيًا، وتلك حيلة أدبية أصيلة للتخلص من تهمة المباشرة والخطابية، وإن كانت حيلة ألصق بشعرية خطاب الشعر منها بشعرية الخطابين: القصصي والروائي.
الخطاب النسوي الذي يستبطنه الخطاب القصصي في (الإشارة برتقالية الآن) يستعيد أساساته المعروفة في الأدب العالمي، والعربي منه خاصة، حيث الثورة على سطوة الذكورة، وتهميش المرأة بمشاعرها وفعلها، إذ يبين الرجل دومًا في خانة الضد، وباللغة السيميائية سنقول في دور المعارض أو المعوِّق، بينما تروم المرأة تجاوز هذا الواقع، إنه الوعي الواقعي للمجتمع، وإذ تعرضه لغة الخطاب القصصي فإنها تستبطن ضرورة تجاوز المرأة له، ولئن بدا الدور المراد للمرأة خافت التجلي بين ضفتي المجموعة فإنه يبدو واضحًا في قصة الغلاف التي تجعل للمرأة دور القيادة الطبيعي، كما هو الشأن في قصة (يدان).
إن الخطاب القصصي في (الإشارة برتقالية الآن)، شأنه شأن أي تنظيم سردي ينظر إليه من زاوية سميائية، نستطيع أن نميز فيه بين مستويين 2: مستوى سطحي خاضع للغة الحاملة له، ومستوى عميق هو الوجه السابق للتمظهر النصي، وهو في مستويه هذين يقوم على كون دلالي واحد، يشتغل كمعادل لبنية مشخصة هي التي تستبطن الخطاب النسوي؛ ولذا يلزمنا من أجل استيضاح طريقة التسريد التي اتبعها الخطاب القصصي بالمجموعة أن نحلل مستويين: مستوى الدلالة الأصولية والنحو الأصولي، ومستوى النحو السردي.
في مستوى الدلالة الأصولية والنحو الأصولي سيتبين لدينا وجود محور دلالي أساس يصبح مفصلاً بناء على معنمين متقابلين:
الخضوع (م) التجاوز
وعلى أساس هذا المحور الدلالي يمكننا تحديد نسق العلاقات التي ستنتظم الخطاب القصصي الذي تسير عليه المجموعة، إذ نقصد بالخضوع هنا المعنم الدال على الانقياد لأيديلوجيات المجتمع التي تشيء المرأة، بينما نريد بالمعنم المقابل ما يدل على التجاوز والتحدي، ولئن كان المعنم المقابل لا يبدو على شكل تمظهرات نصية على طول الخطاب القصصي، مما يشي بأوضاع سكونية، إلا أنه مستبطن بالضرورة حين نفهم الفعل التهكمي الذي أشرت إليه سابقًا.
إن معنمي الخضوع والتجاوز في حالتهما اللازمنية سيتم تفجيرهما على شكل قيم مضمونية حين يجري تحيين العلاقات التي تتشكل بينهما، سواء تحدثنا عن علاقات التضاد أو التناقض أو الاقتضاء، وتحويلها إلى طور العمليات، أي من وضعها السكوني إلى سرديات، عبر محفل فاعل، هو المرأة.
إن المحفل الفاعل في خطاب (الإشارة برتقالية الآن) يقوم بتحويل المفاهيمي إلى عناصر مشخصة، عبر السعي في عمليتين مختلفتين بناء على القراءة السيميائية:
1. الاتصال: وهي هنا عملية التحول إلى إثبات معنم الخضوع
2. الانفصال: وهي عملية التحول إلى نفي معنم الخضوع باتجاه معنم التجاوز.
في هذه المرحلة من تسريد الخطاب نستطيع لمح عملية القلب التي بموجبها تنتقل القيم اللسانية المجردة في المعنمين إلى قيم مشخصة تبين في سياق السرد على هيئة الموضوعات الأحد عشر التي أشرنا إليها أعلاه، وبناء على ذلك تحوّلت العلاقات التصنيفية التي تصنف المرأة في جانب مضاد للآخرين، إلى ملفوظات حالة تكرّس هذا التضاد وتؤيده، ولإيضاح الشكل التصويري للحكي الذي ينتظم خطاب (الإشارة برتقالية الآن) أتوقف عند الممثلين المؤنسنين كما يعرضهم هذا الخطاب ضمن المخطط رقم 1:

إذ يمكننا بناء على وضوح الملفوظات السردية لهؤلاء الممثلين المؤنسنين أن ندرك النموذج العاملي الذي يشكل الترسيمة الثابتة للخطاب، مع ضرورة التأكيد على دور العوامل غير المؤنسنة كدور المرآة في قصة واحد اثنان ثلاثة. لدينا إذن كما نفيد من كَريماس يأتي كما هو موضح في المخطط رقم 2

——————————

المصادر :

1 ـ غولدمان، لوسيان، الإله الخفي، تر: زبيدة القاضي، منشورات الهيئة العامة للكتاب، دمشق، 2010، ص46
2 ـ ينبغي التنويه أنني فيما يخص البعد السيميائي أستثمر كثيرًا ما قدمه سعيد بنكَراد في هذا المجال، وأعمد إلى استخدام مصطلحاته التي ترجمها اعتمادًا على ما قدمه كَريماس وأمبرتو إيكو، وللرجوع إلى خلفية المصطلحات وعرض موجز لها يمكن النظر في كتابه: بنكَراد، سعيد، مدخل إلى السيميائية السردية، منشورات الاختلاف، الجزائر، ط2

مبارك الجابري

إلى الأعلى