الإثنين 23 يناير 2017 م - ٢٤ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / “معادن الأسرار في معرفة الصيادين والبحارة العمانيين بأحوال البحار” دراسة توثق قدرة الأجداد على التنبؤ بالأنواء المناخية قبل وقوعها

“معادن الأسرار في معرفة الصيادين والبحارة العمانيين بأحوال البحار” دراسة توثق قدرة الأجداد على التنبؤ بالأنواء المناخية قبل وقوعها

ابتكروا تقويماً ملاحيًّا يعتمد على سلسلة من النجوم الزاهرة بالقبة السماوية

قراءة ـ يوسف الحبسي:
منذ القدم عرف العمانيون سبل الاهتداء بالنجوم خلال ترحالهم بين الموانئ فتم توظيف التغييرات المناخية الموسمية كطاقات تدفع بسفنهم لعبور البحار والمحيطات، مبتكرين بذلك تقويماً ملاحياً يعتمد على حركة الأجرام بالقبة السماوية، وكان أجدادنا يعلمون مواسم الرياح واتجاهاتها وتقلبات الطقس وأزمان حدوثها المتوقعة، كتاب “معادن الأسرار في معرفة الصيادين والبحارة العمانيين بأحوال البحار” يوثق التطبيقات الفلكية لدى الصيادين والبحارة العمانيين وأسس الملاحة والخبرات العملية. وتنفيذاً للاهتمام السامي بالتراث العماني الثري، تبنت وزارة الزراعة والثروة السمكية مشروع دراسة استخدام الصيادين والبحارة مطالع النجوم لتقصي أحوال الطقس “ضربات البحر” بالتعاون مع الجمعية الفلكية العمانية لتوثيق الموروث الفلكي لدى الصيادين والبحارة قبل اندثاره وحفظه وتوفير تفاصيله المهمة للدارسين والباحثين، ولمجتمع الصيادين والبحارة في الحاضر والمستقبل. يسبر هذا الكتاب أغوار البحار، والسفر عبر المحيطات من خلال تعاقب أجيال من البحارة العمانيين الذين تعلموا من البحر وعرفوا مواسمه وعلاماته، ودرسوا حركاته وسكناته، وخرجوا بمؤلفات ومراجع ومخطوطات تعتبر كنزاً حقيقيًّا في مجال السفر حتى يومنا هذا، و”معادن الأسرار في معرفة الصيادين والبحارة العمانيين بأحوال البحار” إحدى هذه المؤلفات والذي جاء عبر دراسة مشتركة بين وزارة الزراعة والثروة السمكية والجمعية الفلكية العمانية وبشهادات جمعٌ من الأجداد الملمين بهذا الموروث وذوي الخبرات الواسعة لتسجيل أسماء النجوم المستدل بها، وتوثق الدراسة استخدام الصيادين والبحارة لمطالع النجوم لتقصي أحوال الطقس “ضربات البحر” وذلك باستخدام مجموعة من الاستبانات. ويتطرق الكتاب إلى نواح متعددة عُني بها الصياد والبحار العماني منذ القدم فهي تعكس الوعي العماني ببيئته البحرية ومساعيه الحميدة في المحافظة عليها ونظرته المستقبلية وإدراكه المتأصل بقيمة ديمونة الثروة السمكية، ويوضح الكتاب خبرات الصيادين وابتكاراتهم العملية في معرفة مواسم الصيد وأنواع الأسماك وهجرتها وأماكن تكاثرها .. كما يعرض الكتاب أساليب التعرف على المراعي المرجانية مثل تطبيق العلامات بالمنظر أو التبويع وهو أسلوب لقياس عمق قاع البحر يستخدم فيه البحارة ثقل وحبل ووحدته الباع وهي وحدة محلية تساوي تقريباً 8ر1 متر. وقد وثق البحارة العمانيون منذ القدم خلاصة تجاربهم في الاهتداء بالنجوم كعلامات زمانية ومكانية يهتدون بها في البر والبحر، ويوقتون بها فترات مواسم الصيد والأنواء المتاخية على مدار العام، مبتكرين تقويماً ملاحيًّا يعتمد على سلسلة من النجوم الزاهرة بالقبة السماوية يستدلون بها على مواسم ضربات البحر “أي الأعاصير” لتجنب مخاطرها، ويتنبؤون من خلاله بأزمان واتجاهات الرياح مستفيدين منها في ترحالهم، ويؤرخون به تقلبات الطقس فينتبهون لاقتراب مواعيدها. وقد احتفظت ذاكرة الأجداد بعدد من ضربات البحر حيث جمع الكتاب معلومات مهمة عن الضربات التي تعرضت لها السلطنة في الفترات الماضية والأضرار الكارثية المصاحبة لهذه العواصف من أفواه البحارة الذين رازهم الفريق المعد لهذه الدراسة، ومن أهم الضربات المحلية وأشهرها اللحيمر “الأحيمر” وضربة الشلي، وضربة اللكيذب، وضربة الكوي، بيد أنها لا تتكرر كثيراً، وقد أكد معظم الذين تم مقابلتهم من الفريق الذي أعد هذه الدراسة أن دخول الأودية إلى البحر التي تصاحب الضربات لها دور في خصوبة قاع البحر وازدهار ونمو المراعي مما ينشط تكاثر الربيان والشارخة واجتذاب الأسماك وزيادة وفرتها بعد صفاء مياه البحر أو بعد حين. ومن أهم الضربات، ضربة اللحيمر، وهو نجم لامع في السماء يميل لونه للإحمرار ويدعى عربياً بنجم السماك الرامح في برج العواء وهو من القدر “04ر0″ وقطره أكبر من قطر الشمس بـ26 مرة، وسطوعه أكبر من سطوع الشمس بـ170 ضعفاً، وهذا يؤكد تسمية الصيادين له باللحيمر لكون شعاعه يقع في نطاق اللون الأحمر من الطيف المرئي ويبعد عن الأرض بمقدار 7ر36 سنة ضوئية، وتكون الضربة في فترة طلوع النجم عندما يلمح بعيد صلاة الفجر في نهاية أكتوبر أو بداية نوفمبر بجهة الشرق، وضربة اللحيمر عبارة عن رياح قوية تؤدي إلى هيجان البحر وارتفاع الموج عالياً، ومنهم من يعد نجم اللحيمر قلب العقرب، وعادة بعد هذه الضربة تتوفر بعض الأسماك ويبدأ موسم العوض للصفيلح وصيد الشعري.
السلطنة تعرضت للعديد من الأعاصير في السابق ففي يونيو من عام 1890م تعرضت سواحل بحر عمان ومحافظة مسقط لإعصار مداري، حيث بلغت سرعة الرياح في محافظة مسقط أكثر من 63 عقدة، “116 كم/ساعة” وسجلت مقاييس الأمطار أكثر من 285 مليمترا، أما الأضرار التي نتجت عن هذا الإعصار فقد بلغت 727 وفاة، وقدرت الخسائر المادية بأكثر من 672ر325 ريالا عمانيا. أما إعصار مايوم عام 1959 فقد تأثرت به المناطق الواقعة على الساحل الجنوبي الشرقي ومحافظة ظفار، وأدى هذا الإعصار إلى غرق سفينتين قادمتين من زنجبار ووفاة 141 شخصاً كانوا على متنهما، وسميت هذه السنة لدى العمانيين القاطنين بالساحل الجنوبي الشرقي بسنة الغرقة، نسبة إلى غرق هاتين السفينتين، كما تأثرت جزيرة مصيرة بمحافظة جنوب الشرقية بإعصار في شهر يونيو عام 1977 وبشكل كبير وصل ارتفاع الموج أكثر من 7 أمتار وبلغت كمية الأمطار التي سجلت في ولاية مصيرة أكثر من 430 مليمتراً وبلغت سرعة الرياح أكثر من 120 عقدة “222 كم/ساعة”. ورغم الضربات الخطيرة إلا أن الصيادين والبحارة بحنكتهم وسرعة بديهتهم ومراقبتهم الدائمة للطبيعة وقدرتهم التحليلية والتأقلم مع الأوضاع استطاعوا توقي الضربات، وذلك بالاستدلال عليها من خلال تقاويم الحسبة لتجنب النزول إلى البحر أثناء توقع حدوث الضربة، ومن خلال مراقبة الأجواء باستمرار والربط بين المشاهدات والأحداث والتغيرات الطبيعية. ويشرح الكتاب كيفية معرفة البحارة العمانيون وطرق الاستدلال على الضربات ووقتها وقرب وقوعها من خلال تلألؤ النجوم بشكل غير طبيعي بسبب وجود اضطرابات جوية في الطبقات العليا، فتتغير كثافة الهواء، ويحدث اضطراب في طبقات الجو مؤدياً إلى انكسارات الضوء القادم من النجم نتيجة مروره بين أوساط مختلفة الكثافة، فتتغير زاوية الانكسار لتغير كثافة الوسط الذي ينتقل فيه الضوء بسبب الاضطرابات، ويزداد التلألأ طردياً مع الاضطرابات فيستدل به الصيادون بقدوم ريح عاتية، ومن الطرق التي اعتمد عليها الأجداد في معرفة الضربات تتابع الموج وارتفاعه محلياً يسمى “هيجان البحر” بسبب تأثير رياح العاصفة، وعبر شكل الموج واتجاهه، حيث يتغير اتجاه الموج وشكله بسبب تغير اتجاه الرياج، كما أن توقف الكوس فجأة “الهدوء الذي يسبق العاصفة” دليل على هبوب هواء في اتجاه آخر أقوى من الكوس فيلغي أثرها ويبقى تأثير الرياح الجديدة، ومن الطرق ليونة أو رخوة في أرضية الشاطئ، وظهور السحب في الأفق بشكل كثيف يصاحبها برق، ونزول الأسماك إلى قاع البحر، وتشكل ضبابا يعيق الرؤية، ووجود غبار جهة اليابسة والشاطئ بسبب مرور الرياح بتلك المناطق، والسلوك غير الطبيعي لبعض الأسماك “تقفز بعض أنواع الأسماك أعلى سطح الماء بشكل ملحوظ” قبل الطربة، ودوران المياه حول القدم لتغير اتجاه الموج تبعاً لتغير اتجاه الرياح للواقف بالشاطئ لفترة من الزمن، ومن طرق الاستدلال على قرب وقوع الضربة هبوب رياح شمالية حارة عكس المألوف فالأصل أن الرياح الشمالية باردة لكن عندما تكون عين الإعصار شرق الراصد فتأتي رياح حارة من جهة الشمال، وكذلك موقت الأعشاب البحرية، وتزايد الزبد، فزيادته تدل على زيادة الموج.

إلى الأعلى