الأحد 22 أكتوبر 2017 م - ٢ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار : الاعتداء على الأب!

باختصار : الاعتداء على الأب!

زهير ماجد

لم يفاجأ الاميركي من الإعلان عن ان عملية كاليفورنيا داعشية .. هي قصة الابن الذي ينتقم من ابيه، بل قصة الانتقام من البشرية كلها حين يكون حاميها متورطا في حسابات خاصة يسعى من خلالها إلى ان يكون كيسنجريا، بمعنى ان يكون مع الشيء وضده، مع الفكرة وخصمها، لا يقطع الأميركي شعرة مع اهداف يراها مناسبة له ولو بعد حين .. المدرسة السياسية الأميركية منوعة، قلبها البراجماتية وعمقها ايضا.
هل للقوة الزائدة حكمة في حرية الاختيار وفي توسيع مجال الخيارات .. ليس من مرفوض كليا، كما ليس ما هو مقبول دائما. في العقل السياسي الأميركي عرف يقول بان دعونا ان نكون مع وضد، لماذا على الدول ان تصطف مع هذا او ذاك ثم تصل إلى وقت تحشر فيه في زوايا خيارها. لأجل هذا كله، يظل السلوك الاميركي على راحته في ان يظل رماديا، مشبعا برماديته، هو اللون المفضل الذي لا لون له.
“داعش” يضرب اميركا، في الوقت الذي تتسابق فيه اوروبا إلى اطلاق قوتها ضده .. فرنسا، ثم بريطانيا، وها هي المانيا، وغيرها من دول العالم. كأنما هذا العالم يسعى للثأر من نفسه يوم وقف بمجمله ضد الرئيس الأسد ودولته ونظامه وجيشه وشعبه، كانوا جميعا في خدمة مشروع اسقاطه، استعجلوا الأمر فهبوا بالجملة، واليوم يتراجعون بالجملة ايضا. يا لها من مفارقة، ويا له من حساب يأتي في الوقت الذي جزء مهم من سوريا قد تهدم، ودعم هؤلاء المتحركين لضرب “داعش” قد جاء متأخرا، في وقت قد لا ينفع ولا يضر، كعادة اوروبا التي باتت تنام وان افاقت فهي تمارس نعاسا ليس له تفسير.
لكن ضرب “داعش” بكل وسائل الطيران الحديث قد لا يعني شيئا امام ابقاء مفتاح الحدود الشمالية بيد تركيا التي يضحك الأتراك في سرهم كونهم يعرفون تماما ماذا يعنيه ذلك من عدم تغيير الواقع القائم. لقد قلنا وطالبنا مرارا بإغلاق الحدود التركية ووقف التمويل وتجفيف المنابع، أمر لو حدث لكان هو المتغير الجذري الذي سيرافقه عمل كبير على الأرض سوف يؤدي إلى سحق الإرهاب تماما، هناك من سيقتل، وهنالك من سيهرب، وهنالك من سيسلم نفسه الى الدولة.
لا نعتقد ان ردة الفعل من الولايات المتحدة ستكون في مستوى عمل كبير .. فالأب قد يعاقب ابناءه لكنه لا يقتلهم، والأرجح دائما ان يعطيهم درسا جديدا في كيفية الانتباه إلى عدم تكرار الاعتداء عليه فيغفر المرة تلو المرة ..
هو درس للذين لم يعتقدوا بعد ان “داعش” ولدت من رحم وليس من هواء، من أب وأم معروفين لا يجهلهما احد، لكن لا احد يمكنه معاقبتهما، فهما اكبر من ان يعاقبا، بل ان اوروبا المحشورة في ضرورة قتال “داعش” ومشتقاته، لا تملك سوى المعاقبة وغير مسموح لها القتل الا اذا امر السيد الاميركي، وهو حتى الساعة وإلى امد لن يأمر.
لم تنته بعد الحرب على سوريا، فما زال هنالك متسع من الوقت لممارسة الأهداف على تناقضاتها. لكن الذي بات معروفا، ان الارهاب الذي ولد من رحم، يحظى بالرعاية لدور اكبر ولزمن أطول.

إلى الأعلى