الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / المقومات السياحية للسلطنة .. واقع الاستثمار في القطاع السياحي 2/14

المقومات السياحية للسلطنة .. واقع الاستثمار في القطاع السياحي 2/14

سعود بن علي الحارثي

”في الطريق الرئيسي المتجه إلى ولاية الرستاق وبالتحديد بين ولايتي نخل والعوابي طالعتنا اللوحة المعدنية التي تشير إلى وادي (السحتن) انعطفنا جنوبا في طريق معبد وسهل، بعد بضعة كيلو مترات حاصرتنا الجبال الشامخة من كل اتجاه فيما كان المصممون لطريق وادي السحتن يبحثون عن أفضل المسارات الكفيلة بدرء مخاطر تساقط الأحجار من الجبال والنأي به من جانب آخر عن المجرى الرئيسي للوادي”
ـــــــــــــــــــــــــ
ثانياً: قرية وكان بوادي مستل ـ وادي بني غافر ـ وادي الحواسنة.
نالت قرية وكان بوادي مستل شهرة سياحية وأخذت حقها من الترويج السياحي بفضل جهود عدد من السياح والزوار وساكنيها الذين التقطوا عشرات الصور من مواقع وزوايا مختلفة بالقرية أبانت عن جمال حقيقي وطبيعة خلابة ومقومات سياحية تتمتع بها هذه الواحة الفاتنة خاصة في مواسم الأمطار وفصل الصيف،, فموقعها على قمة (قرن وكان) وإطلالتها الساحرة على وادي (السحتن) والسهل والقرى القريبة وزراعاتها المعتمدة على المدرجات الجبلية ومنازلها القديمة المبنية بالجص والحجر وروح الأصالة التي تتميز بها ويستشعرها كل من أخذ جولة في طرقاتها القديمة وبين بساتينها ودرجة حرارتها المعتدلة في أشهر الصيف وغير ذلك الكثير جعل منها مقصدا للسياحة الداخلية وجزءا من برنامج السياح الذين يزورون السلطنة … فكان لزاما علينا إذن زيارة قرية (وكان) لنعايش الجمال الطبيعي على أرض الواقع ونستنشق هواءه العليل … (فمن رأى ليس كمن سمع) فتمت الزيارة في يوم إجازة أسبوعية … أخذت المسافة التي لا تتعدى الـ 150 كيلوا من مسقط مرورا بولايات بركاء ـ وادي المعاول ـ نخل ما يقارب الساعة وبعضا من الدقائق …
في الطريق الرئيسي المتجه إلى ولاية الرستاق وبالتحديد بين ولايتي نخل والعوابي طالعتنا اللوحة المعدنية التي تشير إلى وادي (السحتن) انعطفنا جنوبا في طريق معبد وسهل، بعد بضعة كيلو مترات حاصرتنا الجبال الشامخة من كل اتجاه فيما كان المصممون لطريق وادي السحتن يبحثون عن أفضل المسارات الكفيلة بدرء مخاطر تساقط الأحجار من الجبال والنأي به من جانب آخر عن المجرى الرئيسي للوادي لحمايته من مخاطر فيضانه وجرفه وبما يضمن كذلك مسارات أكثر أمنا ورؤية للمخارج والمداخل الضيقة التي شقت بصعوبة بين الجبال. على مشارف المدخل الرئيسي لقرى الوادي وفي نهاية الطريق المعبد أخذنا استراحة قصيرة في رافد من روافده يتميز بمياهه الجارية وأشجاره الوارفة ونسماته العليلة ورملته الناعمة التي افترشناها بدلا من الحصير، تناولنا ما تيسر من الطعام المنزلي الذي أخذناه معنا في أجواء لطيفة. ليس من السهل مفارقة هذا المكان الجميل الذي يمدنا هواؤه بشذى العشب البري والنباتات الجبلية والواحات الخضراء البديعة وكأننا نستعيد مع كل نسمة روحا جديدة وحياة أخرى، وكأننا خارج هذا الكون الذي نعيشه بضجيجه وصراعاته وحروبه … لا بد اذن من مواجهة الحقيقة ولا بد من فراق وان طال الزمن وامتد ولا بد لحياة من أن تصل بنا إلى نقطة النهاية. تدريجيا وببطء وصعوبة تتحرك مركبتنا ذات الدفع الرباعي إلى الأعلى، فالطريق ما زال هنا ترابيا ووعرا صعب المسار ضيقا في بعض المواقع محفوفا بالمخاطر، فقد شق طريق وادي السحتن بين الجبال التي تكاد تحجب الرؤية من مختلف الجهات لكثافتها وضخامتها وشموخها وصلابتها كما هي جبال عمان الشماء التي تحرس المدن والقرى والإنسان وتفيض مياهها شلالات وأودية جارفة تخصب الأرض وتروي الزرع وتسقي الطير والحيوان وتمد العيون وقنوات الأفلاج بالمياه وتبقى لأشهر وسنوات تجري عيونا وغيولا … يممنا طريقنا صعودا نحو قرى وادي المستل التي يصل عددها إلى ما يقارب الثلاث عشرة قرية من أهمها: الغبرة، جما، أمطي، الجيلة، الهجار، القورة، وكان … بعض هذه القرى الجميلة التي تتناثر على مطالع الجبل تقع على مسار الطريق فيما بعضها يختفي وراء الجبال المحيطة وفي قممها … هذه الواحات العمانية التي تفترش بساطها الأخضر في قمم الجبال وسفوحها وعلى مجاري الأودية والسهول والرمال والشطان تمثل واحدة من أهم الانجازات الحضارية التي أنشأها الآباء والتي تؤكد عظمة الإنسان العماني ومدى اعتماده على نفسه وقدراته المتعددة وإمكاناته الكبيرة، وهي في ذات الوقت مقوما أساسيا من مقومات السياحة التي تزخر بها عمان … بدت اطلالة الجزء المواجه للشارع من قرية وكان تتضح تدريجيا للمتجه إليه ومعها ترتفع وتيرة اللهفة والشوق لاستطلاع ما تحتويه هذه القرية الجميلة الساكنة في أحضان جبل (قرن وكان) ولا أعرف إن كانت القرية سميت باسم الجبل أم العكس … طوال الطريق كان طابور السيارات الصاعد والنازل لا يهدأ، الحركة نشطة والمنطقة تشهد توافدا متواصلا للسياح، وفي مواقع بعينها من الطريق لا تكفي إلا لمرور مركبة واحدة تتوقف الحركة تماما إذ يتطلب الأمر الصبر والحكمة والمهارة لمعالجة التأزم … أخيرا وبعد جهد جهيد عثرنا على موقف لسيارتنا نظرا إلى أن المكان غير ممهد ولا مهيأ لوقوف السيارات التي تراكمت بشكل ينم عن الفوضى، هذا فضلا عن أنه غير مرصوف والأتربة تتطاير من المكان … خطت اقدامنا خطواتها الأولى والتقطت العين صورة استكشافية اولية عن المكان وخصائصه، استطاعت قرية وكان أن تستوعب عدد السياح الذين توافدوا عليها في هذا اليوم مدهوشين بالمناظر الجميلة التي قدمتها اطلالتها الجبلية وموقعها المتفرد.
ومدرجاتها الخضراء التي اشتملت على النخيل والرمان والعنب والجوافة والمزروعات الموسمية، والعمارة القديمة والطرق الملتوية التي تخترق المنازل والحارات القديمة والفلج الذي يجري في قنوات تنزل من الأعلى للأسفل بأسلوب هندسي ينم عن البراعة والذكاء والدقة في العمل، الاطلالات الجميلة والمواقع الحيوية التي تتمتع بها القرية وشرفات البيوت القديمة والهواء المنعش العليل وأريج العطور المنبعثة مع النسمات من الأشجار الجبلية وبساتين القرية ينقصها مقهى عصري يقدم المشروبات الساخنة والباردة بأنواعها والفطائر الخفيفة والخبز العماني المعروف، كنا نتساءل لماذا لا يبادر أحد شباب القرية باستثمار جزء من منزله أو منزل أحدهم لهذا الغرض الذي سيدر دخلا محترما دون شك؟ فكل هذا الحشد يتمنى أن يحصل على كوب من الشاي والقهوة و (قريصات بالعسل والسمن البلدي) وماء باردا في هذا الموقع الاستراتيجي الفاخر بامتياز، كذلك لو وفر أبناء المنطقة بعض الوسائل الترفيهية والصناعات اليدوية وغيرها لوجدت اقبالا ورغبة وتشجيعا من السياح وزوار القرية، هذه الأسئلة كثيرا ما نطرحها في هكذا مواقع … ودعنا القرية بعد جولة ممتعة ومنعشة. توجهنا بعدها إلى وادي بني غافر بولاية الرستاق، تنطلق منابع وروافد وادي بني غافر من الجبال الشاهقة التي تفصل قرى وتوابع ولاية عبري عن قرى ولاية الرستاق وبين هذه الأخيرة وبين وادي الحواسنة التابع لولاية الخابورة، وتصب عشرات الأودية والروافد الصغيرة في المصب الرئيسي مشكلا أيام الأمطار الغزيرة واديا مهيبا تطل على مجراه عشرات القرى حيث يتغير مسماه من موقع إلى آخر، وادي بني غافر .. ثم وادي بني هني مرورا بالحوقين التي عرفت بشلالاتها السياحية الجميلة وينتهي به المطاف في ولاية السويق تحت اسم وادي الحوقين، أما المسمى العام فهو (وادي سداق) … ويتواصل جريان هذا الوادي لعدة أشهر بعد الأمطار الغزيرة مضيفا لمسات جمالية مع الواحات المتناثرة على شواطئه يستقطب السياح والزوار من كل مكان ليستظلوا بظلال أشجاره الوارفة على طول مجراه … ومن القرى السياحية الجميلة في هذا الوادي قرية الحشاة ومن معالمها الطبيعية والتاريخية الجزيرة المنتصبة في مجرى الوادي بعماراتها القديمة من قلاع وأسوار وبيوت قديمة والتي ظلت شامخة محافظة على هيئتها تتحدى عوائد الزمن ومواسم السيول وظروف الطبيعة، وما زلت أتساءل كيف لم ينل هذا المعلم نصيبه من الترميم والعمل السريع لحمايته والحفاظ عليه من الاندثار وتهيئته لاستقبال السياح؟ أخذنا وجبة الغداء من مطعم في قرية خفدي مركز وادي بني غافر وتناولناه برغبة وشهية بقرب المياه المتدفق بين الحصى والأشجار نستظل بظلال شجرة غاف مسنة على مجرى الوادي … سلكنا في طريق العودة وادي الحواسنة الذي يربط ولاية الخابورة بولاية عبري وهما معا بولاية الرستاق عن طريق وادي بني غافر.
القرى الجميلة المتناثرة على ضفاف وادي الحواسنة بنخيلها الشامخة ومعالمها الأثرية القديمة ووفرة المياه جعلت منه موقعا سياحيا يستحق الزيارة والاكتشاف …هذه القرى وهذه الأودية بجمالها الأخاذ تعبر بحق بأن عمان بلدا سياحيا بامتياز وأنها تستحق الكثير من العمل والجهد والمال للاستثمار في هذا القطاع الحيوي والمهم.

إلى الأعلى