الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / أوكرانيا .. واللعبة الخفية

أوكرانيا .. واللعبة الخفية

محمد عبد الصادق

قبل الإطاحة بيانكوفيتش بيومين تم الإعلان عن التوصل لاتفاق بينه وبين معارضيه؛ يتم بمقتضاه إجراء انتخابات رئاسية مبكرة وتشكيل حكومة ائتلافية وإجراء تعديلات دستورية تمكن من الإفراج عن رئيسة الوزراء السابقة يوليا تيموشنكو، بالإضافة لبعض التنازلات التي قدمها الرئيس الأوكراني للمعارضة عبر الوسطاء الأوروبيين, وقبل الرجل صاغراً أن يسلم السلطة لحكومة محايدة تشرف على المرحلة الانتقالية بهدف إخراج أوكرانيا من أزمتها السياسية .
ولكن يبدو أن هناك اتفاقا آخر كان يدور خلف الكواليس عجل بالإطاحة بيانكوفيتش واستيلاء المعارضة على السلطة, فليس من قبيل المصادفة أن تزور فيكتوريا نولاند مساعدة وزير الخارجية الأميركية ميدان الاستقلال وتجتمع مع زعماء المعارضة ليلة سقوط يانكوفيتش وسبقتها كاثرين آشتون التي تجولت في الميدان متأبطة ذراع فيتالي كليتشنكو بطل الملاكمة السابق الذي تحول لزعيم للمعارضة .
وفي الصباح فوجئ المعتصمون باختفاء قوات الأمن من الميدان وانسحابها من حول المقار الحكومية ومن أمام القصر الرئاسي ووجدوا الطريق سالكا لغرفة نوم يانكوفيتش الذي فضل اللجوء إلى روسيا .
وفي البرلمان وقف قائد الجيش ليعلن وقوف الجيش على الحياد ويؤكد عدم تورط الجيش في الصراع السياسي الدائر وطالب قوات الشرطة بالانحياز لما أسماه الإرادة الشعبية.
مشاهد تكررت في ثورات وصراعات سياسية حدثت مؤخراً دون أن نعرف المحرك الفعلي لمجرياتها, لكن المفارقة كانت في ردود الفعل الدولية: فبينما اعتبرت روسيا ما حدث في اوكرانيا انقلابا على الشرعية وتهديداً لأمنها القومي, وصفته اميركا والاتحاد الأوروبي بأنه ثورة شعبية وهو نفس التناقض الذي مارسه المجتمع الدولي تجاه مايحدث من صراعات في كل انحاء العالم, فالمصالح هي اللغة المعتمدة لديهم عند تحديد المواقف ومنح الدعم والتأييد أو نزعه .
والحقيقة أن أوكرانيا لم تنعم بالهدوء ولا الاستقرار منذ الاستقلال عن الاتحاد السوفيتي, بل شهدت اضطرابات وصراعات مستمرة قوضت رغبة أبنائها في التقدم وبناء دولة ديمقراطية مستقلة ومستقرة سياسيا واقتصاديا رغم امتلاكها كل مقومات التقدم والنمو.
فأوكرانيا عندما استقلت عن الاتحاد السوفيتي كانت تمتلك ثاني أكبر جيش في أوروبا قوامه مايقرب من 800 ألف جندي, وعلى أرضها ثالث أكبر ترسانة للأسلحة النووية في العالم, واقتصادياً كانت تمتلك قاعدة صناعية ضخمة للصناعات الثقيلة المدنية والعسكرية وكانت تحتل مكانة عالمية في الزراعة وتصدير الحبوب, والإنتاج الحيواني.
وأوكرانيا من أوائل الدول المستخدمة للطاقة النووية في توليد الطاقة ولعلنا نتذكر في منتصف الثمانينات حادث تشيرنوبل أسوأ حادث نووي في التاريخ والذي أدى لوفاة 56 شخصا مباشرة ووفاة 4 آلاف حالة بالسرطان لاحقاً وأدى الانفجار لتعرض 7 ملايين أوكراني لخطر الإشعاع وتلوث المحاصيل الزراعية والحيوانات والألبان مما سبب خسائر فادحة للاقتصاد الأوكراني لم تبرأ من آثارها حتى الآن.
وللمفارقة الغريبة أن الرئيس المخلوع فيكتور يانكوفيتش لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يطاح به من الحكم في أوكرانيا ففي عام 2004 كان يشغل منصب رئيس الوزراء تحت رئاسة ليونيد كوتشما أول رئيس لأوكرانيا والذي كان مواليا لموسكو ويؤمن بالاتجاه شرقاً وعمل كل ما في وسعه لزرع رئيس وزرائه يانكوفيتش ليخلفه في الحكم وبالفعل رشح نفسه في الانتخابات الرئاسية أمام فيكتور يوشتشينكو ورئيسة وزرائه يوليا تيموشينكو وأسفرت النتيجة أولاً عن فوز يانكوفيتش بعد جولة الإعادة أمام يوشتشينكو الذي رفض قبول النتيجة وطعن فيها بالتزوير أمام المحكمة العليا وخرجت الملايين ضد يانكوفيتش واعتصمت في كل ميادين كييف حتى صدر الحكم بأن الانتخابات مزورة وأعلن فوز ليوشتشينكو السياسي الليبرالي المنحاز للغرب والذي سعى لانضمام أوكرانيا للاتحاد الأوروبي وحلف الناتو ودخل في صراع شديد مع الموالين لروسيا من أجهزة الدولة وتعرض بسبب موقفه هذا للتسمم بمادة الديوكسيد وظهر ذلك على وجهه الذي امتلأ بالالتهابات والبثور واحتار الأطباء في تشخيص مرضه الذي أثر على أدائه في الحكم, فضلاً عن تلويح موسكو بسلاح الغاز الذي يمر أكبر خطوطه في الأراضي الأوكرانية متجهاً إلى أوروبا الغربية وتتلقى أوكرانيا نظير ذلك كميات من الغاز الروسي الرخيص, لكن مواقف يوشتشينكو ورئيسة وزرائه يوليا تيموشينكو الموالين للغرب دفعت موسكو لوقف تدفق الغاز أكثر من مرة واتهام كييف بسرقة الغاز الروسي المار بخط الأنابيب ولم تفلح المعونات القليلة التي حصلت عليها اوكرانيا من أميركا والاتحاد الأوروبي في استقرار الوضع الاقتصادي في كييف, مما عجل بسقوط حكم يوشتشينكو وحليفته تيموشينكو وإعادة يانكوفيتش لمنصب رئيس الوزراء مرة أخرى, ومن ثم فوزه بالرئاسة مجدداً بفضل الدعم السخي الذي تلقاه من الرئيس الروسي بوتين الذي بذل كل ما في وسعه ليبقي على حليفه في الحكم ويمنع انضمام أوكرانيا لحلف الناتو ويحول دون توقيعها على برتوكول التعاون مع الاتحاد الأوروبي توطئة لانضمامها للاتحاد الأوروبي وأقنع حليفه يانكوفيتش بالانضمام عوضاً عن ذلك لتجمع اقتصادي يضم كلاً من روسيا وبيلا روسيا .
وفي الأخير دفع يانكوفيتش منصبه ثمناً لتراجعه عن توقيع هذا البرتوكول المشؤوم مع الاتحاد الأوروبي الذي نجح في اختراق الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني والتجمعات الشبابية الأوكرانية عن طريق المعونات السخية والرحلات السياحية مدفوعة الأجر من أجل الترويج لنظرية مفادها: أن تقدم أوكرانيا ورخاءها مرتبط بانضمامها للاتحاد الأوروبي والبعد عن روسيا.
لكن، هل ينتهي الأمر عند هذا الحد ويستكين بوتين وتصمت روسيا على العبث بحديقتها الخلفية (أوكرانيا) التي يتحدر جزء كبير من شعبها من القومية الروسية والذي يوجد بها أكبر مرفأ بحري للجيش الروسي في البحر الأسود وتمثل العمق الاستراتيجي والثقافي والاقتصادي للدب الروسي .
عيون الجميع تتجه لشبه جزيرة القرم؛ حيث ترسو سفن الأسطول الروسي خصوصاً بعدما تسربت أنباء سيطرة ميلشيات غير نظامية موالية لموسكو على برلمان الجزيرة الذي أيد الانقلاب على يانكوفيتش رغم حصار مؤيدي روسيا لمبناه ومطالبتهم بالانفصال عن أوكرانيا .
لقد كشفت الأزمة الأوكرانية عن السقوط الأخلاقي للأطراف الدولية.
ففي الوقت الذي أيدت فيه أميركا والغرب الانقلاب على يانكوفيتش, ووعدت الانقلابيين بمليارات المساعدات, وحذرت روسيا من التدخل لإرجاع يانكوفيتش إلى الحكم. نجد تاريخ أميركا والغرب مليء بالسوابق المتناقضة التي أسقطت رؤساء وأنظمة شرعية منتخبة كانت مناوئة لها وساندت أنظمة وحكومات قمعية خرج الشعب ضدها بالملايين لإسقاطها بعد أن فقدت شرعيتها وعصفت بالدستور والقانون.

إلى الأعلى